رؤية كونية

 تَراجُع دور معهد لأبحاث الخلايا الجذعية يترك فراغًا 

تقول جين إف. لورينج إن التمويلات قد مهّدت الطريق أمام إجراء اختبارت دقيقة للعلاجات، لكنها أسهمت - عن غير قصد - في ازدهار سوق لعلاجات زائفة تنطوي على مخاطر محتملة.

جين إف. لورينج
  • Published online:

SCRIPPS RESEARCH INSTITUTE

على مدار الاثني عشر عامًا الماضية تقريبًا، ظل باحثو الخلايا الجذعية في كاليفورنيا محط إعجاب العالم. وفي عام 2004، وفي ضربةٍ معارِضة لقرار الرئيس الأمريكي آنذاك، جورج دبليو. بوش، بفرض قيود على تمويل أبحاث الخلايا الجذعية الجنينية البشرية في الولايات المتحدة الأمريكية، وافق سكان كاليفورنيا على تخصيص 3 مليارات دولار أمريكي من أموال دافعي الضرائب؛ لدعم بحوث الطب التجديدي. وهو ما كفل - في الأساس - لولاية كاليفورنيا أن تصير منشأ الابتكار في هذا الميدان.

ومنذ ذلك الحين، تلقيت أغلب التمويل اللازم لأبحاثي من معهد كاليفورنيا للطب التجديدي (CIRM)، غير أن هذا الوضع لم يدم طويلًا، ففي يونيو من العام الجاري، أعلن المعهد عن إغلاق باب قبول الطلبات الجديدة لتلقي المنح؛ إذ أوشكت موارده المالية على النفاد. وهو ما لا يترك للباحثين إلا القليل من الموارد لتطوير علاجات قائمة على خلايا جذعية.

وشهِد الشهر ذاته ظهور العديد منا – نحن علماء الخلايا الجذعية – في سلسلة أفلام وثائقية، روّجت لعلاجات قائمة على الخلايا الجذعية غير معتمدة، وقد مُوَّلَت هذه السلسلة بصورة جزئية من قبل مؤسسةٌ طبية هادفة إلى الربح، تواجه اتهامات فيدرالية. ولقد أدركنا طبيعة هذه السلسلة من الأفلام، بعدما أرسلت المؤسسة الطبية رسائل إلكترونية جماعية للترويج لها. وأزال صناع الفيلم الوثائقي مقاطع المقابلات الشخصية، بناءً على طلبنا.

تثبِت هذه المصادفة أن إرث معهد كاليفورنيا للطب التجديدي يمثل سلاحًا ذا حدين.. فالمعهد قد أسهم في تمكين العلوم الأساسية، وساعد في إرساء أساسات المعرفة الفنية اللازمة لإجراء تقييمات دقيقة وموثوقة للعلاجات القائمة على خلايا جذعية. ولقد أنشأت - بالتعاون مع زملائي - في وقت سابق من هذا العام شركة متخصصة في التكنولوجيا الحيوية، وهي شركة «أسبين نيوروساينس» Aspen Neuroscience في ضاحية لاهويا بكاليفورنيا، كما نجمع تبرعات لإجراء تجربة إكلينيكية تستهدف اختبار علاج لداء «باركنسون»، قائم على استبدال الخلايا العصبية. ولولا جهود معهد كاليفورنيا للطب التجديدي في توعية المستثمرين، والباحثين، لكان من الصعوبة بمكان تحقيق مثل هذه الإنجازات.

هذا.. بيد أن جهود المعهد ساعدت – دون قصد – في تعزيز ظهور "مراكز طبية" هادفة إلى الربح، وغير ممتثِلة للقوانين، تزعم، دون دليل دامغ، أن الخلايا المأخوذة من الدهون، ومن النخاع العظمي، ومن المشيمة وغيرها من الأنسجة بإمكانها شفاء أي مرض.

وعلى الرغم من حسن نوايا المعهد، إلا أنه قد بالغ في رفع آمال الجماهير، وتوقعاتهم. فلقد احتاج المعهد إلى دعاية خاطفة للأنظار؛ للفوز بدعم الناخبين. وقد رفعت إحدى حملاته شعار "أنقذوا الأرواح بالخلايا الجذعية".. فغالبًا ما تركّز الدعاية الفعالة على تقديم الوعود، وتغض الطرف عن أوجه القصور؛ كالإطار الزمني، والموارد المطلوبة لتطوير علاج من العلاجات القائمة على الخلايا الجذعية، مرورًا بمرحلة التجارب الإكلينيكية، وصولًا إلى اعتماده وطرحه في الأسواق. ومن الجدير بالملاحظة أن إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) لم تعتمد أي علاج من العلاجات التي يدعمها المعهد، وهو ما خيب آمال الكثيرين. في الواقع، (لم تصدِّق إدارةُ الغذاء والدواء الأمريكية حتى الآن إلا على نوع واحد من العلاجات بالخلايا الجذعية، وهو علاج يستخدم الخلايا الجذعية المكوِّنة للدم لعلاج أمراض الدم)، لكنْ يظل الوفاء بوعود الحملة قيد التنفيذ؛ فقد منح المعهد تمويلًا لتجارب إكلينيكية تختبر علاجات قائمة على خلايا جذعية، عددها 56 تجربة.

هناك - بكل أسف - مَن يستغلون هذه الدعاية؛ فأكثر من 700 شركة تقدم ما تزعم أنه علاجات بالخلايا الجذعية؛ لشفاء الكثير من الأمراض، ومنها أمراض الجهاز العصبي؛ كاضطراب طيف التوحد، وداء باركنسون، ومرض ألزهايمر، والسكتة الدماغية. وتتقاضى هذه الجهات آلاف الدولارات، مقابل تقديم تلك العلاجات. وكشف تحليل أُجري خلال هذا العام (W. Fu et al. J. Am. Med. Assoc. 321, 2463–2464; 2019) أن أقل من نصف هذه الشركات يوظف أطباء مدربين على التعامل مع جميع الحالات التي يزعمون معالجتها. كما وردت تقارير عديدة تفيد بتقديم علاجات غير معتمدة وغير قانونية للمرضى؛ تتسبب في إصابة بعضهم بالعمى، وإصابة آخرين بأورام خطيرة في العمود الفقري. 

دأب معهد كاليفورنيا للطب التجديدي على إدانة مثل هذه المراكز الطبية، التي وُجِدَت قبل تأسيس المعهد، وسوف تظل موجودة، طالما أنها قادرة على جني الأرباح، لكنْ في المقابل.. من السهل أن نتفهم كيف سيدفع الحماس الجماهيري الناس إلى أن يصل بهم الحال إلى اللجوء إلى مَن يمارسون أعمال الدجل والشعوذة.

ينتابني أنا وزملائي الرعب؛ خشية أن تعمّنا سيئة هؤلاء الفاسدين؛ فنُصنَّف من جملتهم. فهم يسيئون استغلال المرضى، ويعرضونهم للمخاطر. كما يضللون الناس بالتظاهر بكونهم جزءًا من المجتمع العلمي، بل وأنهم السبب في نظرة الكثيرين إلى مصطلح "الخلايا الجذعية" باعتباره مرادفًا "لزيت الثعبان".

وفي حين مضى باحثو الخلايا الجذعية قدمًا في مشروعاتهم إلى مرحلة تدشين تجارب إكلينيكية باهظة التكلفة، فإن هذا اللبس، في رأيي، يُعَد أحد أسباب تراجُع الدعم المالي. 

كشَف مؤسسو معهد كاليفورنيا للطب التجديدي عن خطط للتقدم إلى الناخبين في عام 2020؛ طلبًا لدفعة تمويلية أخرى. فاحتمالية التصديق على العلاجات بالخلايا الجذعية صارت أقرب إلى الواقع بكثير مما كانت عليه قبل 15 عامًا، وهو ما يُعزى - في جانب كبير منه - إلى دعم الهيئة، غير أن أيّ حملات دعائية مستقبلية ينبغي أن تشدد على أهمية وجود أدلة علمية قاطعة، جنبًا إلى جنب مع عرض ما تنطوي عليه الخلايا الجذعية من قدرات علاجية واعدة.   

عند حديثنا إلى الجماهير، يتوجب علينا تحقيق التوازن بين الإمكانيات المستقبلية، وحقائق الواقع الراهن؛ فخليق بالباحثين التأكيد على أنه حتى في حال نجاح العلاجات على الفئران، فإنها عادة ما تفشل عند تطبيقها على البشر. إن السبيل الوحيد للتوصل إلى العلاجات – والتحقق من سلامتها على البشر – هو الاختبارات العلمية المُحكمة في إطار التجارب الإكلينيكية. إنني كثيرًا ما أتحدث إلى مجموعات المجتمع المحلي بشأن الخلايا الجذعية، لكنني أرى أن الطريقة المثلى لنشر الوعي هي التحدث إلى سائقي «أوبر» Uber في طريقي إلى المطارات، فإذا فَهِم هؤلاء السائقون ماهية الخلايا الجذعية، وما يتطلبه تطوير علاجات آمنة وفعالة، فلربما يعي الركاب التالون الحقيقة، وينقلونها إلى غيرهم.  

لقد أثلج صدري خبر تَوَلِّي مجلس كاليفورنيا الطبي مسألة "علاجات الخلايا الجذعية" غير الخاضعة للوائح في شهر أغسطس الماضي. كما تتسارع وتيرة جهود إدارة الغذاء والدواء لإغلاق المنشآت التي تقدِّم علاجات زائفة، كما تجري مقاضاة العديد منها لإضرارها بالمرضى. وكُلِّي يقين مِن أنه حين تعتمد إدارة الغذاء والدواء العلاجات القائمة على الخلايا الجذعية، فإن المساعي الرامية إلى مصلحة المرضى سوف تسود على المساعي الفاسدة. ولسوف يتلقى المرضى علاجات فعالة، تغطي شركات التأمين خاصتهم تكلفتها، لكنّ هذه الآمال لا تزال أسيرة المستقبل. أما الآن، فعلينا تقليل توقعات الجماهير بما يتناسب مع الواقع.

جين إف. لورينج تشغل منصب كبير الموظفين العلميين في شركة «أسبين نيوروساينس»، وأستاذ فخري بمعهد «سكريبس» البحثي في لاهويا بكاليفورنيا.

البريد الإلكتروني: jloring@aspenneuro.com

  

تعلن جيه. إف. إل عن وجود مصالح مالية متضاربة. انظر: (go.nature.com/2mqk1q) للاطلاع على مزيد من التفاصيل.​