افتتاحيات

بحوث البيانات الرقمية تستوجب موافقة المشاركين فيها

إن مجموعات البيانات مجهولة المصدر (المشفرة) تتزايد، وبات كشف هوية أصحابها أسهل. لذلك.. يجب تحديث إجراءات الموافَقة على المشارَكة في البحوث؛ لحماية الأشخاص من الاستهداف.      

  • Published online:

في عصرنا الحالي، تتكون البيانات عن الأفراد، أينما ذهبوا. فالبيانات تتدفق من خلال معاملاتهم المالية، وعلى منصات وسائل التواصل الاجتماعي، وأجهزة متابعة الصحة القابلة للارتداء، وتطبيقات الهواتف الذكية، والمكالمات الهاتفية.

ويأمل الباحثون، عن طريق استغلال مجموعات ضخمة من البيانات الرقمية التي تجمعها شركات الهواتف، وشركات التكنولوجيا، والهيئات الحكومية، في الكشف عن أنماط متكررة في البيانات، وتحسين حياة الأفراد في نهاية المطاف. وتتنوع هذه الدراسات ما بين تحليل لسجلات المكالمات في نيبال - أظهر الأماكن التي ارتحل إليها الناس عقب زلزال، بحيث يمكن توصيل المساعدات إليهم – وصولًا إلى تقديرات لمستويات تعرض الأفراد للتلوث، استندت إلى بيانات الموقع المتاحة من خلال تطبيق «خرائط جوجل» Google Maps على الهواتف الذكية، غير أن الجانب الأخلاقي فيما يتصل بكيفية إجراء هذه الأبحاث قد أُولِيَ قدرًا ضئيلًا من الاهتمام. وبوجه خاص، لم يُعْط الكثير من الاهتمام للكيفية التي يتعين بها على من يقدمون بياناتهم إبداء موافقتهم على المشاركة في البحوث.

تخضع عادةً المقترحات الخاصة بالبحوث التي تضم بشرًا للتدقيق، اعتمادًا على إرشادات توجيهية تستمد جذورها من قانون نورمبرج لعام 1947، وإعلان وثيقة هلسنكي اللاحق له في عام 1964. وهذه الإرشادات هي مجموعة مبادئ أخلاقية، تمت صياغتها عقب التجارب النازية اللاأخلاقية، التي أُجريت خلال الحرب العالمية الثانية. وتشترط هذه المبادئ على الباحثين الحصول على موافقة طوعية من أولئك الملمِّين بموضوع الدراسة بما يكفي؛ لاتخاذ قرار مستنير، سواء بالمشاركة فيها، أم لا، إلا أن الموافقة المستنيرة غالبًا ما تكون غير مطلوبة كشرط من شروط إجراء الدراسات التي تعتمد على بيانات مجمعة، ومجهولة المصدر.

وأحد أسباب عدم طلب هذه الموافقة هو أنه - من الناحية النظرية - لم تعد هذه البيانات مرتبطة بـشخص محدد، لكن في الواقع، تظل هناك مخاطر قائمة، إذ أظهرت دراسات عديدة أنه من الممكن التعرف على هوية الأفراد ضمن مجموعات بيانات مجمعة ومجهولة المصدر. ففي الأسبوع الأخير من شهر يوليو الماضي، كشف باحثون من جامعة إمبريال كوليدج لندن، ومن جامعة لوفان الكاثوليكية في مدينة لوفان لا نوف ببلجيكا، في ورقة بحثية نُشرت في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» Nature Communications عن إمكانية إعادة التعرف على هوية الأفراد، حتى عندما تكون مجموعات البيانات مجهولة المصدر، أو عندما تكون البيانات المجمعة غير مكتمِلة.

 وأحد الآثار المترتبة على ذلك يتمثل في أن يصبح الأفراد والجماعات المعرضة للخطر – بمن فيهم المهاجرون غير النظاميين، أو المعارضون السياسيون، أو الأفراد من الجماعات العرقية والدينية – معرضين لخطر كشف هويتهم، وبالتالي استهدافهم، من خلال الدراسات القائمة على بيانات رقمية. وقد وصف تحقيق إخباري - نُشِرَ في دورية Nature في شهر مايو - أمثلة للعواقب المحتملة غير المقصودة لتتبع أماكن الجماهير، من خلال سجلات مجمعة لمكالمات هاتفية ذات بيانات مجهولة المصدر (انظر: Nature 569, 614–617; 2019).

تقييم المخاطر

تنطبق مخاوف إساءة الاستخدام المحتمَلة أيضًا على البيانات مجهولة المصدر، المُجَمّعة والمستمدة من تطبيقات الهواتف الذكية، أو الشبكات الاجتماعية، أو الأجهزة الإلكترونية القابلة للارتداء، أو صور الأقمار الصناعية. وفي الوقت الحالي، نجد أن حسم القرار بما إذا كانت فوائد الدراسات القائمة على بيانات رقمية تفوق مخاطرها، أم لا هو مهمة تقع – إلى حد كبير – على عاتق الباحثين القائمين على جمع البيانات، وتحليلها، وليس في أيدي الأشخاص الذين يشاركون في هذه الدراسات، دون عِلْم منهم.

تطورت مبادئ نورمبرج وهلسنكي للموافقة المستنيرة؛ بغرض تصحيح هذا الخلل، إلا أن الحصول على الموافقة هو عملية معقدة في ظل حقبة تلال البيانات التي نعيشها. فعلى عكس ما يحدث في معظم الدراسات الطبية الحيوية، من النادر أن يقوم الباحثون الذين يستخدمون مجموعات من بيانات رقمية بجمْع البيانات الأولية بأنفسهم. وبدلاً من ذلك.. تتولى شركات الاتصالات عن بُعْد، وشركات التكنولوجيا، والمؤسسات الوطنية عملية جمع المعلومات، وتتولى أيضًا تحديد ما إذا كانت تسمح بإجراء بحوث على هذه المعلومات، أم لا.

وإذا مُنِحَ الأشخاص الخاضعون للرقابة خيار مشاركة بياناتهم لأغراض بحثية، فموافقتهم يجب أن تكون غير مشروطة نسبيًّا. ويرجع السبب في هذا – جزئيًّا - إلى أن الدراسات القائمة على الكثير من البيانات تبحث عن أنماط غير متوقعة. وإضافة إلى ذلك.. يمكن أن تؤدي هذه الدراسات إلى نتائج أو تطبيقات محتمَلة، لا يمكن التنبؤ بها. على سبيل المثال.. درَس باحثون سجلات هاتفية ذات بيانات مجهولة المصدر، تخصّ ملايين المتصلين في تركيا، لمعرفة ما إذا كان تحديد موقع اللاجئين السوريين، وتتبُّع تنقلاتهم في البلاد يمكن أن يكشفا عن جوانب من حياتهم قد تفيد يومًا ما في اتخاذ تدابير مفيدة، أم لا. ولم يكن باستطاعة الباحثين أن يطلبوا من المشاركين الموافقة على مشارَكة بياناتهم؛ من أجل غرض محدد؛ لأن الباحثين أنفسهم لم يكونوا على علم بالاتجاه الذي ستقودهم إليه دراساتهم.

في الولايات المتحدة، يُسمح بإجراء دراسات تَستخدِم بيانات مُجَمّعة مجهولة المصدر، بموجب بند "الموافقة الشاملة" المدرَج تحت القاعدة المشتركة Common Rule، وهي السياسة الفيدرالية لحوكمة الأبحاث، التي تُجرى على الإنسان، لكنّ الموافقة الشاملة تختلف عن الموافقة المستنيرة؛ لأن المشاركين لا يعرفون كيف ستُستَخدَم بياناتهم تحديدًا، وإلى أي غرض ستُوَجَّه، ولن يكونوا على دراية بالأضرار المحتملة. وفي الاتحاد الأوروبي، يُعفى الباحثون الذين يستخدمون بيانات مُجَمّعة مجهولة المصدر من الامتثال للّائحة العامة لحماية البيانات.

وإذا قدَّم المشاركون موافقةً أصلًا، فغالبًا لا يتعدى الأمر وضع علامة في مربع البنود والشروط التي لا يقرأها إلا عدد قليل من الأشخاص وهم في عَجَلة من أمرهم؛ لتنشيط خدمة ما، أو تطبيق على هاتفهم الذكي. وتتجاهل عادةً البحوث القائمة على مجموعات ضخمة من البيانات أحد المبادئ شديدة الأهمية في الأبحاث الأخرى التي تشمل العنصر البشري، وهو أنه يجب السماح للمشاركين بالانسحاب من الدراسة في أي وقت. ويرجع السبب في ذلك التجاهل إلى أن عملية عزل بيانات شخص ما، وحذفها من مجموعة بيانات مُجَمّعة مجهولة المصدر تُعتبر مهمة بالغة الصعوبة من الناحية التقنية.

وعندما تُنَفذ عملية الحصول على الموافقة المستنيرة بالشكل الصحيح – وهي المرجع القياسي الأمثل في مجال البحوث الطبية – فهي تتضمن عقد محادثة بين القائمين على الدراسات الإكلينيكية، والمشاركين في الدراسة. ومن الصعب تخيُّل كيف يمكن تكرار عقد مثل هذه المحادثات بين ملايين الأشخاص الذين يسجلون الدخول إلى أحد التطبيقات، لكن يجب ألا يكون هذا سببًا للاستسلام.

في مجال حوكمة البيانات - الآخِذ في التطور - يركز علماء الحاسوب، وأخصائيو أخلاقيات الأبحاث البيولوجية، وعلماء القانون وحقوق الإنسان على كيفية إعادة السُّلطة إلى الأشخاص الذين تُستَمد منهم البيانات. وتتباين الاقتراحات في هذا الصدد ما بين وَسْم البيانات في أثناء جمعها، بحيث تتسنى للأفراد رؤية كيفية استخدام هذه المعلومات، وصولًا إلى إنشاء لجان مراجعة مؤسسية قادرة على تقييم سلامة البحوث القائمة على قدر هائل من البيانات الرقمية.

وفي الوقت الحالي، تجري محادثات حول عملية استصدار الموافقات الرقمية، لكنْ يجب إيلاؤها المزيد من الأولوية. ويجب أن تكون المؤسسات المستقلة عن الحكومات، وعن مجال الصناعة - مثل الهيئات القومية لتنظيم البيانات - هي القائمة على إدارة هذه المحادثات؛ حتى لا يهيمن عليها أصحاب المصالح ذوو النفوذ. وعليه، ينبغي أن تضم هذه المحادثات شركات جمْع البيانات، فضلاً عن اختصاصيّي علم الأخلاق، ومنظمات حقوق الإنسان، والأكاديميات الوطنية للعلوم، والباحثين الذين يجرون دراسات باستخدام بيانات رقمية.

كان الهدف من كتابة قانون نورمبرج هو حماية الأفراد الأبرياء من خطر إيذائهم. وبما أن هذه المخاطر ما زالت قائمة، فيجب أن تكون هناك مجموعة مُحدَّثة من التوجيهات الإرشادية تتناسب مع العصر الرقمي.