موجزات مهنية

مشكلة تدبير نفقات انتقال الباحثين

يتحمل الباحثون - في كثير من الأحيان - عبء دفع نفقات الانتقال في مقتبل حياتهم المهنية.

روبيرتا كووك

  • Published online:
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

ISTOCK/GETTY

في يوليو عام 2018، تلقَّى سكوت جونز عرضًا للعمل باحثًا في مرحلة ما بعد الدكتوراة بـ»مركز أبحاث النظم البيئية الغربية« Western Ecological Research Center في مدينة ديفيس بولاية كاليفورنيا، التابع لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS). وكان جونز – المتخصص في الأنظمة البيئية النباتية – قد أتم لتوّه دراسة الدكتوراة في جامعة لويزيانا بمدينة لافاييت، وبدأ العمل في »اتحاد جامعات لويزيانا للدراسات البحرية« Louisiana Universities Marine Consortium في مدينة شوفين، بموجب عقدٍ، مدته ثلاثة أشهر، لكنَّ فرحته بحصوله على وظيفةٍ أطول أمدًا تحولت إلى شعورٍ بالقلق، عندما علم أنَّ هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية لن تسدد نفقات رحلة انتقاله، التي تبلغ مسافتها 3600 كيلومتر.

كان لدى جونز وزوجته طفلان، وينتظران طفلًا ثالثًا. وأثناء دراساته العليا، كان يجني مبلغًا يتراوح من 20 إلى 27 ألف دولار أمريكي سنويًّا من زمالةٍ جامعية، إلى جانب عمله بالتدريس. وكان هو وزوجته مدينَين بقروضٍ تتعلق بالدراسة الجامعية، تبلغ حوالي 145 ألف دولار. وبحلول نهاية برنامج دكتوراة جونز، كان ينفق ثلث دخله تقريبًا لسداد دفعات هذه القروض. وكان الزوجان قد ادَّخرا 8 آلاف دولار، لكنَّ الانتقال كلفهما حوالي 10 آلاف دولار، إذ شملت نفقات الانتقال 2300 دولار لشحن ممتلكاتهما، و700 دولار من أجل الوقود، والإقامة، والطعام أثناء التنقل عبر البلاد، و3360 دولارًا لدفع إيجار الشهرين؛ الأول، والأخير، وعربونًا تأمينيًّا للمسكن، قيمته 600 دولار (يطلبه الكثير من المُلاك)، و1500 دولار لإصلاح السيارة؛ امتثالًا لمتطلبات ولاية كاليفورنيا فيما يتصل بفحص انبعاث الدخان من المَركَبات.  

ويقول كيث مايلز - مدير مركز أبحاث النظم البيئية الغربية في مدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، التابع لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية - إنَّ الهيئة عادةً لا تدفع تكاليف الانتقال لأصحاب المناصب قصيرة الأمد، وإنَّ هذا النوع من المساعدات لا يُقدم دومًا لأصحاب الوظائف الدائمة. ويضيف قائلًا إنَّ الهيئة يجب أن تجد مبررًا لاستخدام أموال دافعي الضرائب لتمويل عمليات الانتقال، ويأخذ مديروها في اعتبارهم عديدًا من العوامل في عملية صنع القرار، بما في ذلك أهلية المرشحين المحليين لتلقِّي هذه التمويلات، والحدود الزمنية المطلوب شَغْل الوظيفة خلالها.

استخدَم جونز بطاقةً ائتمانية لدفع حوالي ألفي دولارٍ من النفقات التي لم يستطع دفعها مقدمًا. وبدأ وظيفته الجديدة في سبتمبر من عام 2018، وتلقّى أول راتب له بعدها بثلاثة أسابيع، لكنْ في شهرَي ديسمبر، ويناير، أُغلقت مؤسسات الحكومة الفيدرالية الأمريكية لمدة 35 يومًا؛ ومن ثم، فلِكَوْنه أصبح موظفًا في إجازةٍ مؤقتة دون راتب، لم يُسمح له بالذهاب إلى العمل، وعُلِّقَ راتبه. سدد هو وزوجته رصيد بطاقة الائتمان في مارس، حيث كان يشمل فائدةً قيمتها حوالي 100 دولار.

وعندما كتب جونز تغريدةً على موقع «تويتر» عن وضعه المالي في سبتمبر، تلقّى ردودًا من عديدٍ من الباحثين الآخرين الذين عانوا أيضًا لدفع نفقات الانتقال المرتبطة بالعمل، وعلَّق جونز على ذلك قائلًا: "لقد صُدمْت تمامًا". 

ورغم أنَّ بعض المؤسسات يساعد طلاب الدكتوراة ودراسات ما بعد الدكتوراة في دفع نفقات الانتقال، تختلف السياسات من مؤسسةٍ إلى أخرى اختلافًا كبيرًا (انظر: جزء «مساعدات الانتقال»). ويمكن لنفقات الانتقال أن تمثل عبئًا ثقيلًا على الباحثين المبتدئين، نظرًا إلى أنّ أوضاعهم المالية كثيرًا ما تكون غير مستقرة، وربما يصبح العبء أثقل بالنسبة إلى الأشخاص الذين ينتقلون إلى منطقةٍ ذات تكلفةٍ معيشيةٍ أكبر. أما الانتقال من دولةٍ إلى أخرى، فقد يتضمن عقباتٍ إضافية، مثل رسوم التأشيرات، وانخفاض سعر صرف عملة بلد الباحث، لكنْ هناك كثيرون من الباحثين يتحملون تلك التكاليف؛ لاغتنام الفرص الوظيفية، حتى إذا كان ذلك يعني نفاد مدخراتهم، أو اقتراض المال من العائلة والأصدقاء، أو حتى مراكمة الديون على بطاقات الائتمان.

إعانات الانتقال

طلبت دورية Nature من ممثلي بعض المؤسسات والجامعات - من  أنحاء شتى على مستوى العالم - معلوماتٍ عن السياسات المتعلقة بالإعانات المرصودة لمواجهة تكاليف انتقال الباحثين إلى مؤسساتهم.

جامعة ملبورن في أستراليا: عادةً ما تدفع المؤسسة مصروفات الانتقال لأعضاء هيئة التدريس، لكنْ تَعتمِد المساعَدة المُقدَّمة إلى طلاب دراسات ما بعد الدكتوراة على عوامل عدة، مثل الكلية، ومصدر التمويل. ويمكن للطلاب الذين يحصلون على منحٍ جامعية لأبحاث الدراسات العليا طلب مِنَح لدفع تكاليف الانتقال.

جامعة كامبريدج في المملكة المتحدة: تدفع الجامعة ما يصل إلى 8 آلاف جنيه إسترليني (حوالي 10 آلاف دولار أمريكي) لتغطية تكاليف انتقال بعض أعضاء هيئة التدريس. ويَعتمِد استحقاقهم لهذه الإعانة المالية على عوامل محددة، مثل طول مدة الوظيفة. ولا تغطى الجامعة نفقات انتقال طلاب الدكتوراة ودراسات ما بعد الدكتوراة، لكنْ يمكنهم التقدم بطلبٍ للحصول على سكنٍ بأسعارٍ معقولة في عقار مملوك للجامعة. ويمكن لطلاب دراسات ما بعد الدكتوراة أيضًا التقدم بطلب للحصول على قروض بدون فوائد؛ لسداد دفعات تأمين السكن، ورسوم التأشيرات. وتغطي منحة «جيتس كامبريدج» Gates Cambridge كلفة تذاكر الطيران لطلاب الدكتوراة الوافدين من خارج البلاد.

جامعة كاليفورنيا في بيركلي: تغطي الجامعة عادةً جزءًا من تكلفة الانتقال، أو تغطيها بالكامل في حال الأساتذة المساعدين الذين لديهم فرصة التعيين في مناصب دائمة بالجامعة، وغيرهم من الأكاديميين المُعَيَّنين ممن يستحقون ذلك الدعم. ويحصل العديد من طلاب الدكتوراة على إعانةٍ مالية لتغطية مصاريف الانتقال، ودفعات تأمين السكن. ويملك العمداء سلطة اعتماد إعانات تغطية نفقات انتقال طلاب دراسات ما بعد الدكتوراة.

جامعة أوتاجو في دِنيدن بنيوزيلندا: تغطي الجامعة تكاليف انتقال الأساتذة المساعدين الذين لديهم فرصة التعيين في مناصب دائمة بالجامعة، وبعض شاغلي الوظائف الدائمة. ويُنظَر في تقديم المساعَدة إلى الموظفين الأكاديميين الآخرين، حسب كل حالة على حدة. أمَّا طلاب دراسات ما بعد الدكتوراة، فعليهم أن يتواصلوا في هذا الشأن مع رؤساء أقسامهم. وطلاب الدكتوراة لا يحصلون على تعويضٍ عن نفقات الانتقال، إلا أنَّ متحدثًا باسم الجامعة أشار إلى أنَّها تقدِّم منحًا دراسية سخية، وفرصًا لإتمام دراسة الدكتوراة في وقتٍ قصير.

المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، وبازل: يتلقى أعضاء هيئة التدريس - بشكلٍ عام - مساعدةً في دفع نفقات الانتقال. وقد يُعَوَّض طلاب الدكتوراة ودراسات ما بعد الدكتوراة عن بعض تكاليف السفر، وفقًا لتقدير الباحث الرئيس، ويمكنهم أيضًا أن يطلبوا من قسم الموارد البشرية الحصول على راتب الشهر الأول مقدمًا.

معاهد ماكس بلانك في ميونيخ بألمانيا: يمكن لطلاب الدكتوراة الحاصلين على عقد تمويل أن يحصلوا على إعاناتٍ للسفر ونقل متعلقاتهم من بلدٍ آخر، وذلك وفق تقدير المعهد الذي يتبعونه. ويمكن أن يتلقى طلاب دراسات ما بعد الدكتوراة مساعدةً في دفع تكاليف الانتقال المحلي والدولي، وفقًا لبرنامج التمويل الخاص بهم.

جامعة ماكجيل في مونتريال بكندا: تدفع الجامعة مصروفات الانتقال لأعضاء هيئة التدريس الذين عُيِّنوا حديثًا في مناصب دائمة، أو أعضاء هيئة التدريس الذين لديهم فرصة التعيين في مناصب دائمة بالجامعة، ويوجد حدٌّ أقصى لإعانة الانتقال لكل فرد من أفراد أسرة الباحث. وقال متحدثٌ رسمي إنَّه ليس على علمٍ بوجود أي تعويضاتٍ مالية لطلبة الدكتوراة، أو طلبة دراسات ما بعد الدكتوراة.

جامعة هونج كونج للعلوم والتكنولوجيا في الصين: تدفع الجامعة تكلفة تذاكر الطيران ونقل الأمتعة لأعضاء هيئة التدريس الجدد، وأفراد أسرة الباحث المستحقين للدعم، الوافدين من خارج البلاد. أما موظفو الجامعة الآخرون، ومن بينهم طلاب دراسات ما بعد الدكتوراة، فقد يمكنهم الحصول على راتب شهرهم الأول مقدمًا. ويمكن لطلاب الدكتوراة الحصول على قروض دون فوائد؛ لدفع بعض التكاليف المطلوبة منهم، مثل مبلغ تأمين السكن.

ويرى جونز أنَّه إذا لم تقم المؤسسات، أو جهات التمويل، أو الباحثون الرئيسون بدفع جزءٍ من نفقات الانتقال - على الأقل - لطلاب الدكتوراة ودراسات ما بعد الدكتوراة، الذين يعيشون في أماكن بعيدة، فإنَّهم بذلك يُقصون العلماء الذين لا يملكون المال لتغطية نفقات الانتقال إلى مسافاتٍ طويلة. وعلى الرغم من أنَّ جونز كان أول مَن درس بالجامعة في عائلته، إلا أنه يشير إلى أنَّه - بوصفه رجلًا أبيض - كان محظوظًا، لأنه لم يواجه مزيدًا من العقبات الإجرائية. ويضيف قائلًا إنّ الصعوبات يمكن أن تكون أكبر بالنسبة إلى الباحثين المبتدئين الذين واجهوا عقباتٍ معينة، مثل: التحيز الجنسي أو العرقي، قد تؤدي بدورها – على سبيل المثال - إلى تلقِّي أجورٍ أقل، ومن ثم جمْع مدخراتٍ أقل.

ويقول جونز: "المنظومة تعاني خللًا، وإذا لم نوفر مصاريف الانتقال، فإنَّنا بذلك نُقصِي أفرادًا".

باحثون خارج الحسبان

تشير المقابلات التي أُجريت مع مستشارين ماليين، ومسؤولين جامعيين، وباحثين إلى أنَّه رغم أنَّ أعضاء هيئات التدريس والعاملين في قطاع الصناعة كثيرًا ما يحصلون على مساعداتٍ لدفع نفقات الانتقال، إلا أن هذه المساعدات تصبح غير منتظمة في حال طلاب الدكتوراة، ودراسات ما بعد الدكتوراة، إذ يقول جاستن زوبيل - مساعد نائب رئيس جامعة ملبورن في أستراليا، المعني بشؤون الدراسات العليا، والبحث الدولي - إنَّ التعويضات عن النفقات عادةً ما تُقدَّم إلى كبار أعضاء هيئة التدريس في الدوائر الأكاديمية، لأنَّ المؤسسات الأكاديمية تكون قد بذلت قصارى جهدها لتوظيف مرشحين مرموقين، وترغب في تسهيل عملية انتقالهم. ويضيف زوبيل قائلًا إن الوظائف في مرحلة دراسات ما بعد الدكتوراة يمكن أن تكون شديدة التنافسية، لدرجة تجعل أصحاب العمل غير مضطرين لتقديم الكثير من المزايا.

ويقول جاري ماكدويل، الذي يقيم في سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا، ويعمل مديرًا تنفيذيًّا لمنظمة «فيوتشر أوف ريسرش» Future of Research غير الربحية، التي تدعم صغار الباحثين، إنَّ كثيرين من المسؤولين أو الباحثين الرئيسين قد لا يفكرون في المساعدة في دفع نفقات الانتقال، لأنَّهم هم أنفسهم لم يحصلوا عليها في الأساس. ويضيف ماكدويل قائلًا إنّ "هذا الأمر ربما يكون خارج حسبان الكثيرين"، والفكر السائد في معظم الأوساط الأكاديمية هو أنَّه على الشخص أنْ يعاني؛ ليحقق النجاح.

أمَّا إريك لوفجرين، المتخصص في علم الأوبئة المعدية بجامعة ولاية واشنطن في مدينة بولمان، فيرى أنَّ المؤسسات والباحثين الرئيسين ربما يعزفون عن دفع تكاليف الانتقال لباحثي دراسات ما بعد الدكتوراة، لأنَّ هؤلاء الباحثين ينضمون إليهم لفتراتٍ قصيرة، لكنَّه يضيف أنّ حياة التنقل التي يعيشها طلاب دراسات ما بعد الدكتوراة هي أحد الأسباب التي تقتضي حصولهم على المساعدة المالية. ويقول عن ذلك: "إنَّهم يبدأون مرحلةً من حياتهم، يتطلب فيها العمل الأكاديمي بطبيعته أن يتنقلوا ويسافروا كثيرًا". استخدم لوفجرين 1500 دولار من تمويلٍ غير مخصص، حصل عليه لتشغيل أحد المختبرات، ليساعد أولى طلابه في مرحلة دراسات ما بعد الدكتوراة في الانتقال من ولاية فرجينيا الغربية إلى واشنطن في عام 2018. وهو يخطط لتقديم دعمٍ مشابه لطلاب دراسات ما بعد الدكتوراة في المستقبل. ويرجع ذلك - في جزء منه - إلى أن مدينة بولمان تقع في مكانٍ ناءٍ، وأنَّ سوق الإيجارات فيها محدود، مما يعني أنَّ الناس قد يحتاجون إلى اللجوء إلى الإقامة في أماكن مؤقتة في أثناء البحث عن سكن. 

ويشير جونز إلى أنَّه يمكن للباحثين الرئيسين أن يدرِجوا نفقات انتقال طلاب الدكتوراة ودراسات ما بعد الدكتوراة في ميزانيات المِنَح، إذا سمحت هيئات التمويل بذلك. ويضيف قائلًا: "إنَّها مسؤولية المؤسسة أو القسم في النهاية". ويوافق لوفجرين الرأي القائل إنّ الأقسام قد تدفع تكاليف انتقال طلاب الدكتوراة، إنْ كنا في عالَمٍ مثالي، لكنَّه يضيف قائلًا إنّ "غالبية الأقسام قد لا تمتلك ميزانيةً كافية"، بيد أن بعض المؤسسات يساعد بالفعل طلاب الدراسات العليا؛ فعلى سبيل المثال.. يمكن لمتلقِّي المنح الدراسية الجامعية المخصصة لأبحاث الدراسات العليا في جامعة ملبورن أن يطلبوا إعاناتٍ تغطي نفقات الانتقال، حسب قول زوبيل.

وقد تلقّى عالِم الأحياء الحاسوبية كوستاف بال الدعم من مؤسسته عندما انتقل من نيودلهي في الهند إلى ميلان بإيطاليا في ديسمبر عام 2014، ليلتحق ببرنامج الدكتوراة بمعهد «فيرك» FIRC لعلم الأورام الجزيئية (IFOM)، إذ دفعت المؤسسة حوالي 1350 يورو (ما يعادل 1500 دولار) لتغطية نفقات سفره. ويشمل هذا المبلغ تكلفة تذكرة رحلة الطيران من الهند، التي بلغت 700 يورو، و100 يورو لترجمة الوثائق واعتماد درجته العلمية من إحدى الهيئات المعتمدة حكوميًّا، و300 يورو للملابس الشتوية، أما متعلقاته، فلم يشحن أيًّا منها. وقدَّم له المعهد إقامةً مجانية في أثناء بحثه عن شقة، وتفاوض موظفو المعهد مع مالك العقار الجديد الذي سيقيم به، ليتمكن بال من دفع مبلغ التأمين على دفعتين، وهو ما أدّى إلى خفض نفقات السكن التي سيدفعها مقدمًا من 1500 يورو إلى 1000 يورو. ورغم أنَّ بال كانت لديه مدخرات كافية لتغطية تلك التكاليف، كانّ سعر صرف الروبية الهندية مقابل اليورو منخفضًا. لذا.. يقول بال - الذي يدرس حاليًّا في مرحلة دراسات ما بعد الدكتوراة في المعهد - إنَّ دفع نفقاته من راتب يتقاضاه باليورو كان "حلمًا".

وتقول إيلينا باور - مديرة قسم الاتصالات بالمعهد - إنَّ المعهد يساعد جميع أعضائه من طلاب الدكتوراة ودراسات ما بعد الدكتوراة والباحثين في دفع نفقات الانتقال، بالإضافة إلى أنَّ ما حصل عليه بال من سكنٍ مجاني مؤقت، ومساعدةً في التفاوض على سعر سكنه الجديد، هي مزايا ثابتة يحصل عليها الجميع.

وربما تتحسن مساعدات الانتقال التي يحصل عليها الباحثون في بداية حياتهم المهنية مع محاولة الجامعات زيادة تنوع طلابها. ففي العام الماضي، بدأت كلية الطب بجامعة ميشيجان في آن أربور بدفع إعانة انتقال قدرها 1000 دولار لجميع الطلاب الذين ينضمون إلى برنامج الدكتوراة في العلوم الطبية الحيوية، ومن بينهم الطلاب الوافدون من الخارج. ويُذكر أن قيمة المنحة ستزيد إلى 2500 دولار هذا العام. ويقول مدير البرنامج، سكوت بارولو، إنَّ المنحة المالية أُضيفت لتعزيز عملية توظيف الباحثين، ولكي يشمل البرنامج الطلاب غير ميسوري الحال. التحق – على سبيل المثال - فيليب سيركيرا - طالب الدكتوراة في علم الأحياء المجهرية والمناعة - بالبرنامج قبل تفعيل فكرة إعانة الانتقال، واضطر في سبيل تغطية تكاليف الانتقال من ولاية تكساس إلى ميشيجان إلى الحصول على قرضٍ دراسي يُراكِم الفوائد. وكتب سيركيرا «تغريدةً» في إبريل، قال فيها إنَّ سياسات مثل إعانة الانتقال "ضرورية لتوظيف ذوي البشرة البنية" في المؤسسات ذات الغالبية البيضاء.

ويوصي بعض المستشارين الماليين والعلماء بالتفاوض مع المسؤولين، أو الباحثين الرئيسين، الذين قد ينضم إليهم الباحث. فيقول جونز: "لا يمكنك أن تعرف ما يمكن لهؤلاء تقديمه لك، حتى تسألهم". وتضيف كايت ميليتز - وهي مستشارة مالية في جامعة ولاية أوكلاهوما بمدينة ستيلووتر – قائلة إنه يجب على الباحثين المبتدئين تقدير حجم متعلقاتهم، والحصول على عروض أسعار من شركات النقل، أو شركات تأجير الشاحنات، والبحث عن أسعار البنزين، أو تذاكر الطيران، وميزانية نفقات التنقل، مثل الإقامة، والطعام. وتقترح على العلماء الذين هم في مقتبل حياتهم المهنية أن يعرِبوا عن اهتمامهم الشديد بالوظيفة المعروضة عليهم، وأن يخبروا المسؤول أو الباحث الرئيس بتقديراتهم لنفقات انتقالهم، ثم أنْ يطلبوا مبلغًا بعينه؛ لمساعدتهم على جمْع نفقات الانتقال.

كان لدى عالمة الجيوفيزياء لافينيا تونيني بالكاد ما يكفي من المدخرات لتغطية نفقات الانتقال إلى وظيفتها الثانية في مرحلة دراسات ما بعد الدكتوراة.

كان لدى عالمة الجيوفيزياء لافينيا تونيني بالكاد ما يكفي من المدخرات لتغطية نفقات الانتقال إلى وظيفتها الثانية في مرحلة دراسات ما بعد الدكتوراة.

GIOVANNI CAMANNI

ويمكن أن يقلل تأخير قرار الانتقال من التكاليف.. إذ كان عالِم الآثار هيو توماس يعمل مُحاضِرًا، ومستشارًا مؤقتًا في سيدني، عندما تلقَّى عرضًا في يناير عام 2018 لشغل منصب زميل باحث في جامعة أستراليا الغربية، التي تقع على بعد حوالي 4 آلاف كيلومتر في مدينة بيرث. وكانت مدة عقد العمل أقل من عامين بقليل، وعَرَض عليه صاحب العمل الجديد عدة آلاف من الدولارات الأسترالية؛ لتخصيصها لتكاليف الانتقال، وكان هذا المبلغ مقتطَعًا من ميزانية المشروع الذي شارك به توماس، والذي موّلته جهة خاصة، لكنه لم يكن كافيًا لتغطية كافة تكاليف انتقال توماس.

عن ذلك.. يقول ديفيد ستايسي - أحد المتحدثين باسم جامعة أستراليا الغربية - إن الجامعة تغطي تكاليف انتقال الموظفين المعيَّنين لمدة عامين، أو أكثر، ما لم تكن الوظيفة مموَّلة من مشروعٍ بحثي ما؛ ففي هذه الحالة قد توفِّر الجامعة مبلغًا تقديريًّا. ويضيف ستايسي قائلًا إنه في حال الموظفين المُعيَّنين لمدةٍ تقل عن عامين، يكون هناك حدّ معين للمبالغ المخصصة لإعانة الانتقال.

ولأنَّ زوجة توماس كانت ستلد طفلهما قريبًا، طلب أن يعمل عن بُعْد لمدة تصل إلى ستة أشهر. ومنحتهما هذه المدة وقتًا كافيًا لتقليص ميزانيتهما، والبحث عن أسعار الفنادق الموجودة على طول الطريق إلى بيرث، الذي يستغرق 41 ساعة بالسيارة. وتابَع الزوجان أيضًا العقارات المطروحة للإيجار عبر الإنترنت، وحَدّدا إعلانات العقارات التي ظلت متاحةً للإيجار في السوق لفترةٍ طويلة، إذ ارتأيا أنَّ ذلك سيجعل مُلّاكها أكثر ميلًا للتفاوض. وآتت استراتيجيتهما ثمارها، إذ تَفاوَض توماس على قيمة إيجار العقار الذي وقع عليه اختيارهما، ونجح في تخفيضها بمقدار 200 دولار أسترالي (140 دولارًا أمريكيًّا) شهريًّا. وهو ما ساعد أيضًا على تقليل تكاليف السكن التي سيدفعانها مقدمًا.

اضطرت الأسرة - مع ذلك - إلى دفع حوالي 8 آلاف دولار أسترالي كمصروفات انتقال وتأمين غير قابلة للاسترداد، لكنَّ هذا المبلغ - حسبما يقول توماس - كان سيصبح أكبر بكثير، لو اضطروا إلى الانتقال على الفور. ورغم أنَّ طلبه العمل عن بُعْد كان بسبب ولادة طفله الوشيكة، يشير توماس إلى أنَّه يمكن للباحثين الآخرين أن يطلبوا الشيء نفسه؛ لتقليل نفقات انتقالهم.

تَفاوُت الأجور

تقول إيميلي روبرتس - مؤسِّسة شركة التوعية المالية «بيرسونال فاينانس فور بي إيتش ديز»Personal Finance for PhDs في سياتل بولاية واشنطن - إنَّه حتى عندما يكون صاحب العمل قادرًا على سداد نفقات الانتقال، فقد لا تَرِد الأموال إلا بعد عدة شهور من شَغْل العالِم منصبه الجديد. وتضيف قائلة إنه لتجنب دفْع فائدة على أرصدة بطاقات الائتمان، يحتاج الباحثون إلى المال. وتنصح ميليتز طلاب الدكتوراة الذين يتوقعون الانتقال لشَغْل وظيفة في مرحلة دراسات ما بعد الدكتوراة أن يبدأوا في ادخار المال بمجرد التحاقهم ببرامج الدراسات العليا، إذا أمكنهم ذلك.

وعلى الرغم من الخطط التي يضعها الباحثون لمواجهة النفقات، يُضطرون - في بعض الأحيان - إلى استنزاف مدخراتهم؛ ليغطوا نفقاتهم في فترات البطالة، وعند تأخُّر الرواتب. وعلى سبيل المثال.. كانت عالِمة الجيوفيزياء لافينيا تونيني قد ادخرت حوالي 14 ألف يورو خلال فترة دراسة الدكتوراة، وخلال أول وظيفة شغلتها في مرحلة دراسات ما بعد الدكتوراة في برشلونة بإسبانيا، في الفترة من عام 2011، حتى عام 2017، لكنَّها أنفقت حوالي 8 آلاف يورو على نفقات المعيشة في الفترات التي قضتها في التنقل بين الوظائف، فتبقي لها 6 آلاف يورو فقط من مدخراتها عندما انتقلت إلى باريس للالتحاق بوظيفةٍ ثانية في مرحلة دراسات ما بعد الدكتوراة في «المدرسة العليا للأساتذة» ENS في نوفمبر عام 2017. وقد استأجرت تونيني غرفةً مؤقتة في أثناء عملية البحث عن شقةٍ دائمة، وبعد شهرين، وجدت شقةً تتطلب دفع مبلغٍ تأميني يصل إلى 4 آلاف يورو. وبسبب العوائق البيروقراطية، لم تكن قد حصلت بعد على راتبها كاملًا، وكانت مدخراتها المتبقية تكفي بالكاد لتغطية التكاليف.

ويقول لوران بوب - مدير قسم علوم الأرض بـ»المدرسة العليا للأساتذة« - إنَّ التأخير في دفع راتب الشهر الأول "غير مقبول على الإطلاق، ونعمل جاهدين لتجنب هذا النوع من المواقف". ويشير بوب إلى أنَّ مِثْل هذا التأخير لا يحدث عمومًا إلا عندما تكون المؤسسة راغبةً في إتمام التعاقد مع الباحث في أقرب وقتٍ ممكن، بحيث لا يضطر برنامج دراسات ما بعد الدكتوراة للانتظار لبدء أعماله. ويضيف قائلًا إنّ المدرسة عادةً لا تُسَدِّد نفقات الانتقال لطلاب الدكتوراة ودراسات ما بعد الدكتوراة، لكنّ النظام الأكاديمي في فرنسا يقدم مزايا معينة، مثل تغطية نفقات الرعاية الصحية، وخطة تقاعد، وبدلات تغطي 50% من تكاليف الانتقال داخل البلد. ويشير أيضًا إلى أنَّ أعضاء هيئة التدريس والموظفين بدورهم لا يُعَوَّضون عن نفقات الانتقال، وفقًا للقواعد الخاصة بموظفي الخدمة العامة، لكنَّهم يضمنون فرصة عمل مدى الحياة.

وتقول روبرتس إنَّه يمكن للباحثين الذين يتعيّن عليهم دفع تكاليف انتقالٍ تقليل نفقاتهم عن طريق التخطيط لانتقالهم قبل شهرين، إذ يمكن للعلماء نشْر إعلاناتٍ لبيع ممتلكاتهم، أو الحصول على أغراض تغليف وتعبئة مجانية، أو رخيصة، من خلال مواقع بعينها، مثل: «كرايجز ليست» Craigslist، أو مجموعات «باي ناثنج بروجيكت» Buy Nothing Project على موقع «فيسبوك». ويُذكر – على سبيل المثال - أنّ كلًّا من جونز وزوجته سألا أصدقاءهما على الشبكات الاجتماعية عمّا إذا كانوا يعرفون أي شخصٍ يمكن للعائلة المبيت عنده أثناء رحلتها عبر البلاد، ومن ثم كان إجمالي ما دفعوه فقط حوالي 150 دولارًا للإقامة طوال الرحلة.

وتقترح روبرتس أيضًا على العلماء ممّن لا يملكون مدخرات كافية أنْ يحصلوا على قرضٍ شخصي من أحد البنوك، وهذه القروض عادةً ما يكون معدل فوائدها أقل من معدل الفائدة على رصيد بطاقة الائتمان (باستثناء العروض الترويجية التي تقدِّم لك بطاقةَ الائتمان دون فائدة). وبعض الأشخاص يقترضون المال من العائلة، أو الأصدقاء، دون فوائد. وعلى سبيل المثال.. بينما كان جونز يسدد ديون بطاقة الائتمان الخاصة به، كانت أسرته تحصل على وجبةٍ مجانية واحدة كل شهر من إحدى الكنائس المحلية. وخلال فترات إغلاق المؤسسات الحكومية، قبلت عائلته ثلاث وجباتٍ مجانية كل أسبوع من المنظمات التي تستهدف - بشكلٍ أساسي - خدمة المشرَّدين. وعن ذلك.. يقول جونز إنَّ هذا كان "غير مريح"، لكنَّ قبول الدعم كان ضروريًّا لتحَمُّل الأزمة المالية.

أمّاماكدويل، فيرى أنَّ المؤسسات هي التي يجب أن تقدِّم المساعدة. ويضيف قائلًا: "لا يجب أن تَحُول بضعة آلاف من الدولارات دون جذب الباحثين الجيدين إلى مؤسستك، إذا كنتَ حقًا مهتمًّا بمؤازرتهم، ودعم أبحاثهم". 

روبرتا كووك كاتبة مستقلة، تقيم في كيركلاند بولاية واشنطن.