افتتاحيات

عمر مديد لكائن وحيد

جينوم سلحفاة جالاباجوس الأسطورية العملاقة يُطلِعنا على بعض أسرار طول العمر

  • Published online:

كانت السلحفاة التي تحمل اسم «جورج الوحيد» هي آخِر أفراد فصيلة «كيلونويدس أبينجدوني» Chelonoidis abingdonii. وهي فصيلة من السلاحف العملاقة، كانت تستوطن جزيرة «بينتا» الصغيرة، وهي إحدى جُزُر جالاباجوس، ولكنْ لم تمُت دون جدوى. فقد عرض باحثون – خلال الأسبوع الأول من ديسمبر 2018 - الجينوم الخاص بها في دورية «نيتشر إيكولوجي آند إيفولوشن» Nature Ecology and Evolution (V. Quesada et al. Nature Ecol. Evol.https://doi.org/10.1038/s41559-018-0733-x;2018)، إضافة إلى جينوم سلحفاة أخرى قريبة لها من بعيد، ولكنها لا تزال على قيد الحياة، وهي السلحفاة العملاقة «ألدابرا» Aldabrachelys gigantea. ومن شأن مقارنة جينومَي السلحفاتَين بجينومات مجموعةٍ متنوعة من الأنواع الأخرى أن تكشف لنا كنزًا من الأسرار حول الكيفية التي تصبح بها تلك السلاحف بهذا الحجم الضخم، وتعيش عمرًا مديدًا (يصل إلى قرن عادةً)، وتقاوم العدوى، والسرطان.

في الماضي، كان يمكن للجُزُر المُمتدة من مالطا إلى موريشيوس أن تتباهى بالأنواع التي تستضيفها من السلاحف العملاقة، لكنْ ليس ثمة مكانٌ يرتبط اسمه بالسلاحف العملاقة أكثر من جُزُر جالاباجوس؛ ونحن نقصد ذلك حرفيًّا، لأن اسم أرخبيل جالاباجوس نفسه مشتق من كلمة «galapágo»، وهي الكلمة الإسبانية التي تعني «سلحفاة». ولما كانت تلك السلاحف تعيش وحيدةً في مناطق معزولة وخالية من المفترِسات، أصبحت سلاحف جالاباجوس أكبر من أسلافها التي عاشت في البر الرئيس. ولأنها تتمتع بمعدلات أيض منخفضة للغاية، فقد استطاعت البقاء على قيد الحياة، رغم حصص الغذاء الهزيلة المتوفرة لها في الجُزُر. وعادةً ما يرتبط انخفاض معدل الأيض وكبر الحجم بطول العمر، وندرة التكاثر. لذا.. فليس من قبيل المفاجأة أنَّ وصول البشر إلى الجُزُر كان إيذانًا ببدء انقراض تلك السلاحف. كانت تلك المخلوقات الكبيرة تتحرك ببطءٍ شديد إلى حد لم يُتِح لها تفادي الذبح، وقد جَعَلَتْها ندرة تكاثرها عاجزةً عن تعويض الخسائر في أعدادها. (انظر: W. T. Aguilera et al. Nature 517, 271; 2015).

ويمكن القول إنّ البشر لم يكونوا السبب الوحيد لانقراضها؛ إذ تُظهِر مقارنة جينوم «جورج الوحيد» - الذي نفق في عام 2012 - بجينات سلاحف أخرى أنَّ حجم التعداد الفعال لفصيلته كان يتدهور ببطء طوال مليون سنة على الأقل. وكان هذا طبيعيًّا تمامًا بالنسبة إلى هذه الحيوانات الكبيرة، التي تتكاثر ببطء، وتعيش في جزيرةٍ صغيرة منعزلة؛ حيث اختيارات التزاوج محدودة. لقد مرت سلاحف «ألدابرا» العملاقة بتقلبات أكثر بين الأحداث الجيدة والسيئة؛ لكنْ بالنسبة إلى الأنواع التي تعيش على جُزُرٍ منعزلة، كثيرًا ما يكون للأحداث السيئة أثرٌ كارثي.

تبذل الحيوانات التي تعيش لفترات طويلة جهدًا شاقًّا لتفادي الموت المبكر. وتُعتبر السلاحف العملاقة من بين أطول الحيوانات البرية عُمرًا على الإطلاق. ورغم أن الباحثين درسوا العوامل الوراثية المرتبطة بطول العمر في الثدييات التي تعيش لفتراتٍ طويلة، إلا أن دراسة تلك العوامل في السلاحف من شأنها أن تسلط مزيدًا من الضوء على الملامح العامة للأساس الجيني لطول العمر.

تشمل الجينات الخاضعة للانتقاء الإيجابي في السلاحف العملاقة جيناتٍ يرتبط التعبير عنها أيضًا بطول العمر لدى البشر. وقد كشفت دراسةٌ مفصَّلة، شملت 891 جينًا تسهم في وظائف جهاز المناعة، وجود تضاعُف في بعض جينات السلاحف، لا يوجد مثله لدى البشر، إضافة إلى أنَّ عدد الجينات المثبطة للأورام في السلاحف العملاقة أكبر منه في الفقاريات بوجه عام. وقد يكون تضاعُف واحدة - على الأقل - من طلائع الجينات الورمية التي تسهم في صحة الميتوكوندريا مرتبطًا بتحسن الاستجابة للإجهاد التأكسدي، المعروف بكونه عاملًا مهمًّا في الشيخوخة.

ويمكن لبعض تفاصيل جينومات السلاحف العملاقة أن يسلط الضوء على نواحٍ من العملية الغريبة لنشوء السلاحف وتطورها، مثل صَدَفاتها. ولذا.. يجب على الباحثين أن يكونوا حذِرِين عند تطبيق النتائج المُكتشَفة من دراسة طول أعمار السلاحف على البشر مباشرةً.. فطول عمر نوعٍ ما يتوقف على ما هو أكثر من مجرد قائمةٍ من الجينات؛ إذ يرتبط بجميع جوانب تاريخ حياة ذلك النوع. وعلى سبيل المثال.. على الرغم من أنَّ فأر الخلد العاري Heterocephalus glaber يمكن أن يعيش لمدة ثلاثين عامًا، إلا أن هذا يجعله من الحيوانات الاستثنائية المعمرة بالنسبة إلى القوارض فقط، التي تعيش حياةً سريعة، محمومة، قصيرة بوجهٍ عام، لكنَّها مدةٌ قصيرة، مقارنةً بأعمار السلاحف، أو البشر، أو الحوت مقوس الرأس؛ الذي يمتد عمره إلى قرنين، مما يجعله الأطول عمرًا بين جميع الثدييات، ويمتلك - على الأرجح - سماتٍ أخرى عديدة تميِّزه عن أنواع الحيتان الأخرى. ولأنَّ مصير كل كائن محتومٌ بمصير نوعه، تبقى الحياة - في النهاية – بما تصنعه أنتَ فيها.