افتتاحيات

احموا لجنة الذكاء الاصطناعي من التدخلات

تُبذَل جهودٌ مهمة في الوقت الحالي، لتأسيس لجنة استشارية دولية معنية بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي. وينبغي أن تحظى تلك اللجنة بالدعم والحماية من أي تأثيراتٍ غير مشروعة.

  • Published online:

تتطلع الصين إلى ريادة العالم في مجال الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030. وتحتفظ الولايات المتحدة كذلك بخطة استراتيجية؛ للحفاظ على مكانتها على رأس القائمة؛ فهي - وفقًا لبعص التقديرات - تتصدر المشهد بالفعل في عدد الأوراق البحثية المؤثِّرَة، والأجهزة، والكوادر في مجال الذكاء الاصطناعي، فيما تتنافس دول غنية أخرى بقوة؛ كي تحتل مكانًا في المضمار العالمي للذكاء الاصطناعي.

إنّ ما يجري حاليًّا أشبه بسباق تسلُّحٍ في مجال الذكاء الاصطناعي، وتضخ الحكومات والشركات مبالغ طائلة لأغراض البحث والتطوير في هذا المضمار. والجائزة التي يسعى الجميع لنيلها - وهي جائزة كبرى بحق - هي أنَّ الذكاء الاصطناعي من المتوقع أن يضخ حوالي 15 تريليون دولار أمريكي في الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، أي أكثر من أربعة أمثال إجمالي الناتج المحلي لألمانيا في عام 2017. وهذا يعني 15 تريليون دولار إضافية من الشركات، والوظائف، والمنتجات، وسبل العمل، وأشكال الترفيه الجديدة. وتفسِّر هذه الإضافة السبب في تنافُس الدول بشراسة؛ للحصول على نصيب من الغنيمة.

ورغم كل هذه الإيجابيات.. يحمل الذكاء الاصطناعي في طياته عدة مخاطر؛ بدايةً من الطريقة التي تتعقب بها تقنيات التعرف على وجوه الناس، وتحدد هوياتهم، وانتهاءً بالتلاعب بنتائج الانتخابات. ورغم النقاشات الأكاديمية والعامة المحتدمة حول تلك المخاطر، تتلكأ الحكومات في وضع أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ضمن أولوياتها. وتنغمس الولايات المتحدة والصين في سعيهما للفوز بتلك الجائزة الكبرى، ولا تبديان استعدادًا كبيرًا للتعاون مع غيرهما من الدول، ووضْع قواعد منظمة للممارسات في هذا المجال.

إنّ هذا الغياب القيادي في المجال أتاح فرصًا لأطرافٍ أخرى؛ فقد اتحدت الوكالات الوطنية البحثية في فرنسا، وألمانيا، واليابان؛ للعمل على دعوة الباحثين لتقديم مقترحاتهم؛ لتنفيذ مشروعاتٍ بحثية حول الذكاء الاصطناعي، تتضمن بُعدًا أخلاقيًّا. وأنشأت المملكة المتحدة مركزًا جديدًا للأخلاقيات والابتكار في مجال البيانات. هذا.. فيما عكف مسؤولون من كندا وفرنسا على تشكيل اللجنة الدولية المعنية بالذكاء الاصطناعي (IPAI)، التي كان من المقرر أن تُدشَّن في القمة الأخيرة لمجموعة الدول الصناعية السبع، التي انعقدت في بلدة بياريتز الفرنسية خلال الفترة من 24 إلى 26 أغسطس.

تطمح اللجنة إلى تكوين شبكةٍ من الخبراء؛ لتقديم المشورة للحكومات حول قضايا الذكاء الاصطناعي، مثل خصوصية البيانات، واكتساب ثقة العامة، واحترام حقوق الإنسان. وستضم اللجنة أعضاء من المجتمع البحثي، والحكومات، وقطاع الصناعة، ومؤسسات المجتمع المدني.

وهذه خطوة محل ترحيب، غير أنَّ بِنْية اللجنة من الممكن أن تستفيد من المزيد من النقاشات، إذ يبدو أنَّ فكرة اللجنة مستوحاة من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ. لكن ثمة فروقٌ مهمة، أوَّلها: أنَّ الأمم المتحدة ليست مشارِكةً في اللجنة، ومن ثم وُصفِت بـ"الدولية"، وليس "الحكومية الدولية". وقد يكون ذلك استرضاءً للمشككين – ومن بينهم الإدارة الأمريكية - في المؤسسات الحكومية الدولية متعددة الأطراف. وثانيها: أنَّ ممثلي قطاع الصناعة سيكونون أصحاب الدور الأهم. وهذا شيء مهم بالطبع، لأنَّ الشركات تتمتع بإمكانية الوصول إلى كمياتٍ مهولة من البيانات، وهي التي تدفع عجلة تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ولكي تتسم اللجنة بالمصداقية، خاصةً عندما تتعلق المسألة باكتساب ثقة الجمهور في تقنيات الذكاء الاصطناعي، سيتعين على أمانتها والحكومات الراعية لها أن تَضْمَن اتباعها للأدلة، وألَّا تشوب استشاراتها أيّ تدخلات. ولتحقيق ذلك.. سيقتضي الأمر توفير الحماية لأعضاء اللجنة من الضغوط المباشرة، أو غير المباشرة، التي تمارسها الشركات، وجماعات الضغط، والحكومات، لا سيما تلك الجهات التي تَعتَبِر الأخلاقيات حجر عثرة على درب الإبداع والابتكار. ويقتضي ذلك أيضًا ضرورة انتقاء أعضاء اللجنة وفقًا لخبراتهم، لا استنادًا إلى المنظمات التي يمثلونها.

صَدَرَ البيان الأول حول الذكاء الاصطناعي من قادة الدول العشرين ذات الاقتصادات الأكبر عالميًّا في يونيو، وعُرف باسم «وثيقة مبادئ مجموعة العشرين لاستخدام الذكاء الاصطناعي»، وكانت الولايات المتحدة والصين من بين الدول التي وقَّعت البيان. وهذا أمرٌ جدير بالملاحظة، نظرًا إلى الحرب التجارية الدائرة حاليًّا بين البلديْن، غير أنَّ البيان المشترك في الوقت نفسه لا يتجاوز كونه لفتةً رمزية، تُلْزِم تلك الدول بنَهْجٍ "يتمحور حول الإنسان" في ممارسات الذكاء الاصطناعي.

ولكي تكتسب اللجنة المصداقية، لا بد أن تختلف عن تلك المبادرات الرمزية. وتحتاج اللجنة بالفعل إلى دعم مزيدٍ من الدول، غير أنَّها أيضًا لا بد أن تلتزم بالصراحة والشفافية، إذ يجب أن تُنشر المشورات العلمية التي ستُقدمها كاملةً. وينبغي أن يُفتح باب المشاركة في الاجتماعات للمراقبين ووسائل الإعلام. ومما يبعث على الطمأنينة أنَّ أمانة اللجنة وُصِفَت في وثائقها بـ"المستقلة". وهذا مؤشرٌ مهم.. فالقائمون على اللجنة، وأعضاؤها، سيواجهون مواقف يحاول فيها أصحاب المصالح النافذون التأثير على آرائهم. وتوفير التوجيه لتقنيةٍ مبتكرة ومدمِّرة في الوقت نفسه – ووَضْع لوائحها التنظيمية في نهاية المطاف – يتطلب قيادةً جريئة. لذا.. لا بد أن يعدّوا أنفسهم؛ لينجحوا في مسعاهم.