افتتاحيات

حان وقت الاستماع إلى النصائح بشأن المناخ

أدّت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ مهمّتها.. والآن، يتوجب على صانعي القرار القيام بمهمّتهم أيضًا، وهناك حركة شبابية ناشئة تدلّهم على الطريق.

  • Published online:

ليس من المعتاد أن يصدر تقريرٌ عن المناخ في وقته الأمثل لهذه الدرجة، إلا أن التقرير الصادر عن «الهيئة الحكومية الدولية المعنيّة بتغير المناخ» IPCC، الذي صدر في الأسبوع الثاني من شهر أغسطس الحالي بشأن المناخ واستخدام الأراضي، قد جاء في الوقت المناسب، تزامنًا مع انعقاد عِدّة اجتماعات دولية حول مستقبل البيئة؛ فخلال شهري أغسطس وسبتمبر، سيجتمع ممثلو الحكومات تحت مظلّة الأمم المتحدة في نيروبي، ونيودلهي، ومدينة نيويورك، لاستعراض التقدّم المُحرَز في مجال حماية التنوّع الحيوي، والتخفيف من حدة آثار التصحر، وتغيّر المناخ. ومن المتوقع أن تعمل التحذيرات الأخيرة للهيئة كمحرك لتعزيز تلك المداولات.

وكما يرد في التقرير الذي أصدرته الهيئة، فإن إنتاج الغذاء، والزراعة، وإدارة الغابات، وغيرها من الأنشطة البشرية المرتبطة باستخدام الأراضي، بين عامي 2007، و2016، كلها كانت سببًا لما بين 21%، و37% من انبعاثات غازات الدفيئة الناتجة عن أنشطة بشرية. ويضيف التقرير موضحًا أنه يمكن تقليل هذه الانبعاثات، إذا كان هناك المزيد من الأراضي المتاحة لامتصاص الكربون. ويمكن تحقيق ذلك، إذا قلل عدد أكبر من المستهلكين استهلاكهم من اللحوم، واتجهوا إلى أنظمة غذائية نباتية، وإذا خضع المزيد من الغابات للحماية والإدارة على نحو مُستدام، بالإضافة إلى تجديد موارد التربة باستخدام المواد العضوية.

لكن هذه هي أقصى صلاحيات ممكنة للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، فوظيفتها هي توصيف ما يفعله البشر بالمناخ، ويمكنها اقتراح آليات لتقليل هذه الآثار، أو عكسها، وكيف يمكن للبشر التكيّف مع عالَم يزداد احترارًا. يمكن إذًا للهيئة تقديم اقتراحات، أمّا تحويل تلك الاقتراحات إلى أفعال ملموسة، فهو أمر يتجاوز  نطاق اختصاصاتها.

عندما يتعلّق الأمر بدور القيادة السياسية الدولية في التصدّي لتغير المناخ، يبدو سجّل الإنجازات في هذه المساحة قاصرًا بشدة، ولكن في الوقت الحالي، هناك فرصة ظهرت لاتخاذ إجراءات حقيقية، بفضل النتائج التي توصّلت إليها الهيئة، وبمساعدة حركة شبابية نشيطة مهتمة بالمناخ، تُعتبر على عكس صانعي السياسات من البالغين، حيث يبدو أنها تولي اهتمامًا حقيقيًّا بالهيئة.

وعلى سبيل المثال.. هناك اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي، التي من المقرر أن يجتمع ممثلوها في نيروبي في وقت لاحق من شهر أغسطس الحالي. ومنذ عقد من الزمان، حددت البلدان الأعضاء في الاتفاقية موعدًا نهائيًّا بحلول عام 2020، لمعالجة الأسباب الأساسية لفقدان التنوع الحيوي. وعلى الرغم من أن الموعد النهائي صار وشيكًا، إلا أن التقدّم المُحرَز ما زال محدودًا. ولهذا.. سيدرس مندوبو الدول تمديد الموعد النهائي، وربما وضْع أهداف جديدة. لكن الأسباب المسؤولة عن جزء كبير من تضاؤل التنوع الحيوي تتضمن الزراعة على النطاق الصناعي، والصناعات الأوسع نطاقًا، وكلاهما يدمر الموائل، ويلوثها. وطالما بقيت هذه القضايا قائمة، فمن غير المرجح أن يُثمِر تمديد الموعد النهائي عن أي فارق.

في بداية شهر سبتمبر القادم، سيحل الدور على الدول الأطراف في «اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر» UNCCD، لكي تلتقي في نيودلهي. ويحدث التصحر عندما تتدهور حالة الأراضي الواقعة في مناطق جافة من العالم بالفعل، عبر فقد التربة الخصبة. وتتضمن أسباب التصحر الناتجة عن أنشطة بشرية أمورًا مثل الإفراط في الزراعة والرعي، وكذلك إزالة الغابات، وسوء ممارسات الريّ.

ستنظُر البلدان الأعضاء في اتفاقية الأمم المتحدة لعلاج التصحّر، من خلال اقتراح لإدماج أعمالها في مكافحة التصحر مع أهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة. وهي خطوة من الواجب تشجيعها، فمِن شأنها تجنّب ازدواجية الجهود، وإسراع معدلات التقدم. ويشير أحدث تقرير صادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى أن معدّل فترات الجفاف في مناطق الأراضي الجافة تزداد في المتوسط​، بما يزيد قليلًا على 1 % سنويًّا منذ عام 1961. كما أن تغيّر المناخ يزيد بدوره من تدهور حالة الأراضي.

أخيرًا، وليس آخرًا، سيجتمع قادة العالم في مدينة نيويورك، مع اقتراب نهاية شهر سبتمبر المقبل، لحضور قمة المناخ، التي دعا إليها الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، وسيُنظر خلالها في آخِر النتائج التي توصلت إليها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ. وكما يشير التقرير الذي أصدرته الهيئة، فقد ارتفع المتوسط العالمي لدرجة حرارة سطح الأرض بحوالي 0.87 درجة مئوية (مع مدى يتراوح - على الأرجح - بين 0.75، و0.99 درجة مئوية) في الفترة بين عامي 1850، و2015. يريد جوتيريش أن يأتي القادة إلى نيويورك بخطط مُحْكَمة، تهدف إلى خفض انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة 45% على مدى العقد المقبل، والوصول إلى نسبة قدرها (صفر) بحلول عام 2050، غير أن مسألة قدرتهم - أو رغبتهم - على تحقيق ذلك من عدمها تبقى سؤالًا ينتظر الإجابة عنه.

إنّ مكافحة تغيُّر المناخ، والتصحر، وإبطاء معدلات فقدان التنوع البيولوجي، هي أمور أصعب في تحقيقها، حيث إن اتفاقيات الأمم المتحدة تُصمَّم بحيث تكون مستقلةً عن الأخرى، بعكس واقع التهديدات المتشابكة التي يتعرض لها التنوع الحيوي، وتغير المناخ، والتصحر.

وهنا، يبرز أيضًا تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، الذي يأتي مؤلّفوه من تخصصات متنوعة، وينتمي معظمهم - لأول مرة - إلى بلدان نامية. لقد انخرط المؤلفون في محادثات مفصلة، وصاغوا وثيقة تدمج في تحليلها ونتائجها الرؤى المتعلّقة بالتنوع الحيوي والتصحر، وكذلك الأغذية والزراعة. وبوسع اتفاقيات الأمم المتحدة أن تبذل المزيد من الجهد لتبنّي نهج كهذا.

 الشباب يهتمون بالمناخ

وبينما تواجِه كل اتفاقيةٍ من اتفاقيات الأمم المتحدة تحدياتٍ متواصلة، يمكن للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن تضمن - على الأقل - دعم الجيل التالي، فهي تحظى بشعبية بين الحركة الدولية المتنامية للشباب المهتمين بالمناخ، إذ يولي أعضاء الحركة اهتمامًا عميقًا لكل تقرير جديد، ومن بينهم المشاركون في مبادرة الإضراب عن المدرسة من أجل المناخ، بقيادة الناشطة السويدية المراهِقة جريتا ثنبيرج.

تحرص ثنبيرج على ذكر اسم الهيئة علنًا، واقتباس فقرات وأرقام صفحات في خطاباتها، مثلما فعلت في خطابها أمام البرلمان الفرنسي في نهاية شهر يوليو الماضي.

وبينما يستعد مندوبو الحكومات للقاءات دلهي، ونيروبي، ونيويورك، يتعين عليهم إعداد أنفسهم للإجابة على تساؤل، مفاده: إذا كان الأطفال يستطيعون فهْم معنى تقييمات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ ، فهل يعجز البالغون عن ذلك؟

يتصف أعضاء حركة الشباب المهتمة بالمناخ بالبسالة، وهم على حق؛ فقد مرّ ما يقرب من ثلاثة عقود منذ الموافقة على اتفاقيات الأمم المتحدة الثلاث - بشأن التنوع الحيوي، والمناخ، والتصحر- في قمة الأرض في ريو دي جانيرو. ومرّ 31 عامًا على إنشاء الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ؛ لتقديم المشورة إلى صانعي القرار، ومع ذلك.. فإن الوعود البيئية لم تقابلها إجراءات ملموسة.

تَعرِف الأجيال الشابة - ربما أفضل من البالغين - أنه قد لا تُتاح للعالَم ثلاثة عقود أخرى، لمنع الآثار المناخية، التي ستكون أكثر خطورة من تلك التي نواجهها الآن. ولهذا.. يجب أن يبدأ السياسيون في العمل حالًا.