أنباء وآراء

فيزياء الكم: جهاز يحصي فونونات الصوت

يوجد كلٌّ من الصوت والذبذبات في وحداتٍ منفصلة تسمَّى «الفونونات»، مثلما يوجد الضوء في صورة «فوتونات». ولهذا.. فإنَّ تطوير جهاز ذي قدرة على التوصيل الفائق، بإمكانه إحصاء الفونونات، يمكن أن يؤدي إلى تطوراتٍ في المعالجة الكَمِّية للبيانات.

ألبرت شليسر

  • Published online:

وفقًا لأحد المبادئ الأساسية في ميكانيكا الكَمّ، فإنَّ طاقة أي نظام فيزيائي توجد في مستوياتٍ محددة، أي يمكن زيادتها أو تقليلها بدرجات محددة فقط. وعلى سبيل المثال.. يوجد كلٌّ من الصوت والذبذبات في مستويات محددة في صورة حِزَمٍ منفصلة، تُسمى «الفونونات». وفي بحثٍ نُشر مؤخرًا في دورية Nature، أشار أرانجويز أريولا وزملاؤه1 إلى تطوير جهازٍ ذي قدرة على التوصيل الفائق، يمكنه إحصاء عدد الفونونات الموجودة في تذبذُب بِنْية نانوية مباشرةً. وهذا العمل لا يوضح المستويات المحددة لطاقة التذبذب فحسب، بل يتيح تكوين فكرة أوضح عن الحالات الكمية للفونونات، وهو ما قد يساعد على تطوير أدواتٍ مبتكرة للمعالجة الكَمّية للبيانات.

أثبت عددٌ لا يحصى من التجارب في مجال البصريات الكمية وجود الفوتونات (حزم الضوء) وخواصها، في ما يُعَد تطبيقًا ناجحًا - إلى حد مذهل - لنظرية الكَمّ. وحاليًّا، يوجد الكثير من التقنيات لرصد الضوء والتحكم فيه على مستوى الفوتونات المفردة، وهو ما يشكل بدوره أساسًا لعديدٍ من التقنيات الكَمّية. أما بالنسبة إلى الصوت والذبذبات، فكان الوضع مختلفًا إلى حد ما؛ فوجود الفونونات أمرٌ مسَلَّم به منذ وقتٍ طويل، وينبني عليه فهْمنا للكثير من خواص المواد الصلبة، لكنَّ تقنيات قياس الذبذبات والتحكم فيها على المستوى الكَمّي لا تزال في المراحل الأولى لها.

يتبع أرانجويز أريولا وزملاؤه نهجًا يُعرف باسم النظم الصوتية الكمية14(النظير الصوتي للبصريات الكمية)، حيث تُقرَن بِنْية متذبذبة بذَرَّة صناعية. وتوجد هذه الذَّرة في إحدى حالتين، ويكفي امتصاص فونون مفرد من البِنْية المتذبذبة لتحفيزها على الانتقال من حالةٍ منهما إلى الأخرى. ومن هنا، تسمح طرق اكتشاف حالة الذَّرة وضبطها بالتحكم في كل فونون على حدة.

في البحث الذي قام به المؤلف، كانت تلك الذَّرّة الصناعية  «بتًا كَمّيًا ترانسمونيًا»، أي دائرة معقدة فائقة التوصيل، تعمل في نطاق الترددات ذات الموجات الميكروية. ودون الخوض في التفاصيل التقنية، فإنّ هذه الأجهزة يُنظر إليها على أنَّها حجر الأساس المحتمَل لتطوير الحواسيب الكمية المستقبلية، وتوجد تقنيات متطورة لقياس حالتها، والتحكم فيها. وفي النظم الصوتية الكمية، من الضروري الوصول إلى أقوى اقتران ممكن بين البت الكَمّي الترانسموني، والبِنْية المتذبذبة.

واستطاع أرانجويز أريولا وزملاؤه الوصول إلى اقترانٍ قوي، لدرجة أنَّه لم يعد ضروريًّا لرصد الفونون أن يمتصه البت الكَمّي، بل يمكن لذلك النظام المترابط العمل في نطاقٍ معياري، يُعرف باسم «نظام التشتت»، وفيه يكون مجرد وجود فونون مفرد كفيلًا بإحداث تغيُّرٍ في الطاقة اللازمة لتغيير حالة البت الكمي بمقدارٍ محدد5. وهذا التغير في الطاقة يمكن قياسه، لأنَّه يفوق بكثير هامش الخطأ في فرق الطاقة بين الحالتين. ولهذا.. في تجارب القياس الطيفي، فإنَّ الذروة المحرَزة في هذا التحليل - المرتبطة بانتقال البت الكَمّي من حالة إلى أخرى - تتغير بمقدار يفوق عرض خَطّها  (الذي هو مقياس لعرض تلك الذروة).

لاحظ مؤلفو البحث ظهور ذلك التغير في الذروة المحرَزة بالقياس الطيفي عند تسبُّب مثيرٍ ضعيف في استثارة بِنْية نانوية، وتذبذبها. وتشير هذه الخاصية إلى وجود فونون منفرد. ومع زيادة سعة الذبذبة الناتجة عن ذلك المثير، ظهرت ذُرى أخرى، مشيرةً إلى وجود فونونين، أو ثلاثة فونونات، إلخ. وتسمح ميكانيكا الكَمّ بوجود أعدادٍ مختلفة من الفونونات في آنٍ واحد؛ بحيث تظهر ذُرى متعددة. وهذه النتائج لا تتفق مع الفهم التقليدي (غير الكَمّي) للصوت، الذي يرى أنَّ الذروة المحرَزة في القياس الطيفي تتغير باستمرار بمقدارٍ متناسب مع متوسط طاقة تَذَبذُب البِنْية النانوية، لكنْ بدلًا من ذلك.. تكشف البيانات هنا بوضوحٍ مدهش عن تَوَزُّع طاقة التذبذب في مستويات محددة.

إنّ هندسة البِنْية النانوية المتذبذبة ببراعة شديدة الأهمية لنجاح منصة إحصاء الفونونات هذه التي طَوّرها الباحثون (الشكل 1). أولًا، تُصَنَّع البِنْية النانوية من «نيوبات الليثيوم»، وهي مادة عالية الكهروضغطية؛ فهي تنتج جهدًا كهربيًّا عاليًا؛ استجابةً للتشوه الميكانيكي. ونتيجةً لذلك.. تصبح حركة البِنْية النانوية مصحوبةً بمجالاتٍ كهربية كبيرة نسبيًّا، يتأثر بها البت الكَمّي. ثانيًا، في ما يُعَد ابتكارًا في مجال النظم الصوتية الكمية، نظَّم الباحثون «نيوبات الليثيوم» في بِنْيةٍ تُعرف باسم «البلورة الفونونية»، التي تضبط فيها سرعة الصوت بصفة دورية. وتحمي هذه البلورة هذا النظام المترابط من التأثيرات البيئية الضارة، وتسمح لنوعٍ واحد فقط من الفونونات بالتفاعل مع البت الكَمّي، وهو ما يؤدي إلى إنتاج إشارةٍ خالية من التشويش.

الشكل 1 | منصة إحصاء الفونونات. أ عرض أرانجويز أريولا وزملاؤه 1طريقةً لإحصاء عدد الفونونات (وحدات كمية لطاقة التذبذب) الموجودة في بِنْية نانوية متذبذبة، إذ وصّل مؤلفو البحث البنية النانوية بجهاز ذي قدرة على التوصيل الفائق، يسمَّى «البت الكمي الترانسموني»، باستخدام أقطاب ووصلات فائقة التوصيل، ثم استخدم الباحثون بِنْية تُعرف باسم البلورة الفونونية (الطبقة ذات اللون الأزرق الفاتح)؛ لتقليل فقْد الفونونات في البيئة. ب. يوجد «البت الكَمّي الترانسموني» في حالتين. وفي غياب الفونونات، يتطلب انتقاله من حالةٍ إلى أخرى كمية معينة من الطاقة. ويَنتُج عن هذا الانتقال إحراز ذروة واحدة في القياس الطيفي. ويتسبب وجود الفونونات في البِنْية النانوية المتذبذبة في حدوث تغيُّر في طاقة الانتقال إلى الحالة الأخرى، وفي الذروة المحرَزة في القياس الطيفي بمقدارٍ محدد. وفي المثال الموضح أعلاه، نجد أنّ هذه الذُّرَى (القمم) مناظرة لعدد من الفونونات يساوي صفرًا (باللون الأزرق)، ولواحد (باللون الأصفر)، ولاثنين (باللون الأحمر)، ولثلاثة (باللون البنفسجي). وتسمح ميكانيكا الكَمّ بوجود أعداد مختلفة من الفونونات في آنٍ واحد؛ وهو ما يؤدي إلى إحراز ذُرى متعددة في التحليل الطيفي.

الشكل 1 | منصة إحصاء الفونونات. أ عرض أرانجويز أريولا وزملاؤه 1طريقةً لإحصاء عدد الفونونات (وحدات كمية لطاقة التذبذب) الموجودة في بِنْية نانوية متذبذبة، إذ وصّل مؤلفو البحث البنية النانوية بجهاز ذي قدرة على التوصيل الفائق، يسمَّى «البت الكمي الترانسموني»، باستخدام أقطاب ووصلات فائقة التوصيل، ثم استخدم الباحثون بِنْية تُعرف باسم البلورة الفونونية (الطبقة ذات اللون الأزرق الفاتح)؛ لتقليل فقْد الفونونات في البيئة. ب. يوجد «البت الكَمّي الترانسموني» في حالتين. وفي غياب الفونونات، يتطلب انتقاله من حالةٍ إلى أخرى كمية معينة من الطاقة. ويَنتُج عن هذا الانتقال إحراز ذروة واحدة في القياس الطيفي. ويتسبب وجود الفونونات في البِنْية النانوية المتذبذبة في حدوث تغيُّر في طاقة الانتقال إلى الحالة الأخرى، وفي الذروة المحرَزة في القياس الطيفي بمقدارٍ محدد. وفي المثال الموضح أعلاه، نجد أنّ هذه الذُّرَى (القمم) مناظرة لعدد من الفونونات يساوي صفرًا (باللون الأزرق)، ولواحد (باللون الأصفر)، ولاثنين (باللون الأحمر)، ولثلاثة (باللون البنفسجي). وتسمح ميكانيكا الكَمّ بوجود أعداد مختلفة من الفونونات في آنٍ واحد؛ وهو ما يؤدي إلى إحراز ذُرى متعددة في التحليل الطيفي.

كبر الصورة

ومع أنَّ البلورة الفونونية تقلل من فَقْد الفونونات في البيئة، يظل ذلك الفقد عاملًا مقيدًا، إذ يستغرق التحليل الطيفي للبت الكَمّي وقتًا طويلًا. وبشكلٍ عام.. يزيد الوقت المستغرَق عندما يتعين تقليل عرض خط الذروة المحرزة في القياس الطيفي. وتُفقَد الفونونات في أثناء ذلك الوقت، ولذا.. تتغير احتمالية وجود عددٍ معين من الفونونات في حالة تذبذب معينة مع استمرار عملية القياس. وذلك الفقد يحدّ أيضًا من عدد الفونونات التي يمكن إثبات وجودها في الوقت نفسه.

وتشير النتائج المنشورة في دراساتٍ أخرى خلال هذا العام - وقد تحققت باستخدام البلورات الفونونية السليكونية6- إلى إمكانية تقليل فقْد الفونونات بدرجةٍ أكبر في المنصّة التي طَوّرها أرانجويز أريولا وزملاؤه. وبالتالي قد يصبح من الممكن إجراء قياسات كمية غير هدَّامة لطاقة التذبذب؛ وهذه بدورها ستكشِف عدد الفونونات، دون تغييره، بحيث تسفر عمليات القياس المتكررة عن النتائج نفسها. ويُعَد ذلك حلمًا، لطالما راود الباحثين المعنيين بقياس الأنظمة الميكانيكية، لأنَّه يجسد العديد من المبادئ الأساسية للقياسات الكمية.

إنّ الإمكانات التكنولوجية لمنصة هؤلاء الباحثين مثيرة أيضًا للاهتمام بالقدر ذاته. فأحد التطبيقات الممكنة لها هو تطوير «مودم» كَمّي، يحتاجه الباحثون لتكوين شبكاتٍ بين الحواسيب الكمية الموجودة في مواقع مختلفة. وسيربط ذلك المودم البِتّات الكَمّية فائقة التوصيل بالفوتونات البصرية (التي يمكنها الانتقال عبر شبكات الألياف البصرية) من خلال واجهة بينية تسلسلية، يُدمَج فيها اقتران البت الكَمّي والفونون الذي تحقَّق في هذا البحث مع الروابط بين الفونونات والفوتونات التي طوّرها الباحثون في مجال «ميكانيكا بصريات التجاويف»7. وأخيرًا، قد ينتج في النهاية تصميم جديد كليًّا للحواسيب الكمية، تعالج فيه البتات الكمية فائقة التوصيل البيانات المخزَّنة في سجلات فونونية مدمجة. ولعل هذا تطَلُّع أكثر تفاؤلاً، لكنه - بلا شك - مثير للاهتمام.

References

  1. Arrangoiz-Arriola, P. et al. Nature 571, 537–540 (2019). | article
  2. O’Connell, A. D. et al. Nature 464, 697–703 (2010). | article
  3. Chu, Y. et al. Science 358, 199–202 (2017). | article
  4. Satzinger, K. J. et al. Nature 563, 661–665 (2018). | article
  5. letten, L. R., Moores, B. A., Viennot, J. J. & Lehnert, K. W. Phys. Rev. X 9, 021056 (2019). | article
  6. MacCabe, G. S. et al. Preprint at https://arxiv.org/abs/1901.04129 (2019).
  7. Aspelmeyer, M., Kippenberg, T. J. & Marquardt, F. Rev. Mod. Phys. 86, 1391–1452 (2014). | article

ألبرت شليسر يعمل في معهد نيلز بور بجامعة كوبنهاجن، 2100  كوبنهاجن، الدنمارك.

البريد الإلكتروني: albert.schliesser@nbi.ku.dk