رؤية كونية

العنصر المفقود من أجل عالَم أفضل... البيانات

تقول جيسيكا إيسباي إن العالم لن يحقق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، ما لم تؤسس الحكومات أنظمة رصد جديرة بالثقة.

جيسيكا إيسباي 
  • Published online:

انضممتُ إلى وزارة المالية والتخطيط الإنمائي في ليبيريا في عام 2013. وكان مكتبي يقع في مبنى متهالك، مطل على الشاطئ، تنقطع عنه إمدادات المياه والكهرباء على فترات متقطعة. وذات يوم، اختل عمل المولّد الكهربائي، وفي غضون ثوانٍ، شممنا رائحة بلاستيك محروق، وأُتلِفَت حواسيبنا، وغيرها من المُعدّات التي يتعذّر على الحكومة تكبّد نفقات استبدالها. وكان الضرر الذي لحق بالمكتب الإحصائي الوطني المُجاور لنا مباشرة مُدمِّرًا؛ حيث فُقِدَ مقدار هائل من بيانات دراسات استقصائية سُجلت من التقارير الورقية على الحاسوب، إلى جانب عشرات من مجموعات بيانات أخرى متعلّقة بنتائج تعليمية، ومُعدّلات الفقر، والحصول على الخدمات، فقد كان هذا كلّه محفوظًا على حاسوب واحد فقط.

يشيع وجود أنظمة بيانات­ وطنية تفتقر إلى التمويل والبِنْية التحتية المتينة، ويديرها موظفون غير مؤهلين، ومفتقرون إلى الصلاحيات في البلدان الفقيرة. وهذه الأنظمة هي أكبر عائق أمام بلوغ أهداف التنمية المستدامة (SDGs) – وهي تغطي جميع المناحي، بدءًا من توفير مياه أنظف، وصولًا إلى بلوغ مجتمعات أكثر إنصافًا – التي أقرّتها 193 دولة، ومنظمة الأمم المتّحدة في عام 2015، والتي ترمي إلى وضع العالم على المسار الصحيح نحو تحقيق مستقبلٍ مستدامٍ بحلول عام 2030. وبمناسبة انعقاد إحدى الندوات­­ التي تبحث التقدم المُحرَز في سياق أهداف التنمية المستدامة في الأسبوع الثالث من شهر يوليو، عسى أن تكون هذه الندوة قد أخذت في الاعتبار حقيقة أنه لا يتسنّى تحقيق أي من هذه الأهداف، دون حدوث ثورة في مجال البيانات.

هناك إحصاءات وطنية عديدة تُدوَّن على أوراق، وتُدخَل يدويًّا إلى حواسيب قديمة، كما أنها لا تكون مُتاحة عبر الإنترنت، أو لا يمكن الوصول إليها عبره بشكلٍ مُتّسِق. ولهذا.. فإن الإحصاءات الحكومية لا تُتَّخَذ كمرجع في عملية اتخاذ القرارات اليومية، (ولا حتّى الأسبوعية). وعادة ما تكون البيانات المتاحة قديمة؛ حيث إن نسبة قدرها 35% فقط من البلدان الواقعة جنوب الصحراء الكبرى تمتلك بيانات عن معدلات الفقر، خضعت لتحديث منذ عام 2015.

وسيتطلّب إنشاء أنظمة بيانات ملائمة للأغراض التي أُنشئت من أجلها التزامًا هائلًا، ومُنسّقًا من جانب الحكومات والمجتمع الدولي. وتستعرض المجموعة البحثية التي أتولّى قيادتها في شبكة حلول التنمية المستدامة - التابعة للأمم المتّحدة - الاحتياجات اللازمة لذلك في تقرير سيُنشر عما قريب (انظر: www.sdsntrends.org). وثمّة أربعة أركان أساسية لتطوير أنظمة البيانات؛ هي: حوكمة قوية، وسياسات ومعايير مناسبة، وثقافة تدعم الابتكار، واستعراض حجة من شأنها إقناع جهات التبرع والتمويل العالمية والحكومات الوطنية بضخ استثمارات كافية.

وبإمكان موظّفين مهرة، يعكفون على تطوير أنظمة بيانات مبتكرة تتسم بالشفافية أن يقدموا بيانات عالية الجودة مُحدَّثَة باستمرار؛ لتسليط الضوء على التغيرات البيئية، والظروف الاجتماعية، والتقلبات الاقتصادية. وفي برامج تجريبية أُجريَت في غرب أفريقيا خلال عام 2014، تعاونت شركات الاتّصالات مع الحكومات لتتبع حركات ترحال السكّان، وانتشار الأمراض. وعندئذ، أمكن استخدام تلك البيانات؛ لوضع تدابير احترازية؛ مثل تثقيف المجتمع وتوعيته، وإنشاء محطّات التطهير في المناطق التي ستحقق فيها أعلى فعالية.

وفي ظل توفر بيانات لعمليات رصد يومية لكوكب الأرض، يمكن للحكومات مراقبة معدلات التعرية، وتعدين الرمال، والتوسّعات الإنمائية غير القانونية، ثمّ اتخاذ إجراء تجاه تسوية الأوضاع في السواحل المعرّضة للضرر. ويمكن أن يساعد وجود أنظمة إدارية مترابطة على وصول الفئات المهمشة إلى المنشآت الصحيّة، وحصولهم على الخدمات الاجتماعية، واستحقاقاتهم. إنّ أنظمة البيانات هي بمثابة عنصر التماسك الذي يدعم بناء كوكب ومجتمع مستدامَين.

وقبل كل شيء، تحتاج الحكومات إلى تعيين الأشخاص المناسبين، وتمكينهم. ومن الأهمية بمكان تعيين كبير إحصائيين، يكون مكلَّفًا بالعمل في مختلف الوكالات الحكومية؛ لتعزيز إتاحة البيانات، وللتشجيع على استخدامها. وتتبوأ الفلبين ونيوزيلندا ريادة هذا المسار، من خلال دمج مهام ذات صلة تحت سقف سلطة مركزية واحدة، وتعيين منسقين؛ للتفاوض على اتفاقيات تبادل البيانات بين الوزارات الحكومية المختلفة، وخارجها.

 ومن الضروري إصلاح اللجنة الإحصائية التابعة للأمم المتحدة، التي تأسست في عام 1947، لكي تستطيع دعم هذه الجهود. وقد تتمثل أولى خطوات الإصلاح في أن تكون اللجنة أكثر شمولية، وأن توظّف مقدّمي بيانات جدد، وأن تبني الثقة فيما بينهم، وأن تضع نصب أعينهم هدفًا مشتركًا، إذ تنبغي - على سبيل المثال - دعوة مجموعات المجتمع المدني، والعلماء، ومقدّمي البيانات من القطاع الخاص؛ للمشاركة في جلسات اللجنة الرسمية.

ويحتاج جامعو البيانات إلى معايير، وسياسات، ومصطلحات واضحة.. فهذه العوامل من شأنها دعم إرادة الحكومات، والشركات الخاصّة في التعاون، وتوطيد العمل المشترك، أو هدمها. وعلى سبيل المثال.. يشير افتقارنا إلى اتفاق جماعي في الآراء حول تعريفات المخاطر الطبيعية، والمخاطر التي من صنع الإنسان إلى أن الحكومات، ومنظمة الأمم المتّحدة، والباحثين، وشركات التأمين، وغيرها من الجهات الخاصة الأخرى تجد صعوبة في مشاركة المعلومات، على الرغم من التزامها بفعل ذلك بموجب أهداف التنمية المستدامة، واتفاقية باريس للمناخ، وغيرها من المواثيق الدولية؛ مثل إطار عمل «سِنداي» للحدّ من مخاطر الكوارث. ومن ثمّ، لا يمكن للحكومات أن تقدِّر بدقّة عدد الذين طالتهم أضرار إثر إعصار ما، أو تسونامٍ، وكذلك لا تعرف الأمم المتحدة قدر المساعدات التي يجب إرسالها.

إننا في حاجة إلى التقدم بخطى ثابتة نحو إنشاء "نظام بيئي رقمي"، يشجع الإسهامات المقدَّمة من الجماهير، والمؤسسات الوطنية، والشركات العالمية، ويحث كذلك على التعاون. وينبغي أن يكون الهدف هو إحصاء كل فردٍ، والبرهنة على أهمية كل فرد.

إنّ الاستثمار في البيانات يجلب عائدات اقتصادية، واجتماعية، وبيئية هائلة. فالبيانات المستمَدَّة من عمليات رصد الأرض - التي تقوم بها أقمار لاندسات الاصطناعية، التابعة لوكالة ناسا، وهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية - تجلب أرباحًا تقدَّر بحوالي 2.19 مليار دولار أمريكي سنويًّا، من استخدامات مثل: التخطيط الذكي لاستغلال الأراضي، والاستجابة للكوارث الطبيعية في الوقت المناسب.

ويتعين على الحكومات والجهات الدولية المانحة تعزيز استثماراتها، والاستفادة بشكل أفضل من الموارد المتاحة حاليًّا. ويتحقق ذلك جزئيًّا من خلال إيجاد سبل تنسيق استخدام الموارد، بما يضمن عدم إغفال أي بلدٍ، أو منطقة.

انقضت أربع سنوات منذ أن تعهَّد زعماء الدول بتحقيق أهداف التنمية المستدامة في بلدانهم بحلول عام 2030. ولا تزال هناك إحدى عشرة سنة متبقية. وفي غياب البيانات، سوف تتعثّر التنمية المستدامة. ولذا.. يجب أن نضع أنظمة البيانات الوطنية في نصابها الصحيح، وإلّا فإن أهداف التنمية المستدامة لن تتجاوز كونها طموحات واعدة.

جيسيكا إيسباي مديرة شبكة «تريندس» TReNDS. وهي شبكة معرفية، تركّز على البيانات، تحت مظلة شبكة حلول التنمية المستدامة، التابعة للأمم المتحدة.