افتتاحيات

لابد من التزام الولايات المتحدة بتعهداتها لمواجهة فيروس إيبولا 

تعمل منظمة الصحة العالمية على القضاء على المرض في جمهورية الكونجو الديمقراطية، لكنْ قد ينتشر الفيروس من دولة إلى أخرى، ما لم تقدِّم الولايات المتحدة الدعم الذي وعدت به.

  • Published online:

على مدار الأسابيع القليلة الماضية، قدمت دورية Nature التقارير من خط المواجهة عن الجهود التي تبذلها جمهورية الكونجو الديمقراطية؛ لمكافحة تفشي فيروس الإيبولا المتصاعد في منطقة تشهد حربًا دائرة.

ويُعتقد أن حوالي 2408 أشخاص قد أصيبوا بالفيروس منذ أغسطس عام 2018، وأن أكثر من 1600 شخص قد لقوا حتفهم من جرّاء المرض. وعليه، قام مراسلنا بزيارة القائمين على الاستجابة لأزمة تفشي الإيبولا ممن يعملون مع منظمة الصحة العالمية في مدن: بيني، وبوتيمبو، وكاتوا في كيفو الشمالية، وهي إحدى مقاطعات شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية. ويعالج هؤلاء القائمون على الاستجابة لمواجهة الأزمة المصابين بالمرض، ويحددون أماكن جميع المخالِطين لهم، ويقدمون إليهم تطعيمات بلقاح جديد، كما يتابعون مئات المتاجر غير الرسمية، التي تعالج المصابين بتشكيلة من الأدوية والأعشاب.

وهذه المهام عسيرة؛ لأن كثيرًا من الناس لا يثقون في نوايا المستجيبين لمواجهة الأزمة. وقد نشأ انعدام الثقة هذا عن عقود من أعمال العنف، وانعدام الاستقرار السياسي، وإهمال تقديم الرعاية الأولية في منطقة تُرِكَت محفوفة بصراع استمر لخمسة وعشرين عامًا.  

إنّ استمرار الهجمات وعمليات الاختطاف في مناطق انتشار فيروس الإيبولا يعني أن غالبية مجموعات الإغاثة الدولية لديها عدد أقل بكثير من الأفراد العاملين في مجال الإغاثة على أرض الميدان، مقارنة بعدد أفراد منظمة الصحة العالمية، ووزارة الصحة بجمهورية الكونجو الديمقراطية. وبالرغم من أن العاملين في كلتا المؤسستين قد قوبلوا بالرصاص، والقنابل اليدوية، والحجارة، فإنهم ظلوا على تفانيهم وعزمهم للقضاء على الوباء المتفشي. أمّا في حال خفض الإنفاق المرصود لهذا الهدف، وفشل منظمة الصحة العالمية في مواصلة عملها، فسوف تتسارع وتيرة تفشي الوباء بصورة شبه مؤكدة، بل إنها تكون مجرد مسألة وقت، قبل أن يتنقل الفيروس عابرًا الحدود من دولة إلى أخرى.

ومع ذلك، لم تكرس حكومات الدول السبع التي تمتلك أقوى اقتصادات في العالم ميزانيات كافية لتمويل منظمة الصحة العالمية. فبين شهرَي فبراير، ويونيو من العام الجاري، طلبت المنظمة تمويلًا قدره 98 مليون دولار أمريكي؛ للاستجابة لمواجهة أزمة تفشي فيروس الإيبولا. وحتى وقت نشر دورية Nature نسختها الدولية المطبوعة من عدد 11 يوليو 2019، كانت المنظمة قد تلقّت أقل من نصف هذا المبلغ فقط. وصمدت جهودها بفضل استغلال أموال من بعض الميزانيات الأخرى داخل المنظمة.

ومِن بين مجموعة الدول السبع، سلكت ألمانيا والمملكة المتحدة المسار الصحيح برصد تبرعات مالية، بلغت في مجملها 16 مليون دولار تقريبًا لمنظمة الصحة العالمية، وذلك بهدف تمويل جهود المنظمة في الاستجابة لمواجهة أزمة الإيبولا في كيفو الشمالية هذا العام. كما أسهمت مؤسسة «بيل آند ميليندا جيتس» Bill and Melinda Gates في سياتل بواشنطن، وغيرها من جهات التبرع غير الحكومية بحوالي ثمانية ملايين دولار خلال هذا العام. أما الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، وفرنسا، وإيطاليا، واليابان، فلم تسهم بنصيبها. ويُعتبر تقاعُس الولايات المتحدة الأمريكية عن المشاركة بحصتها باعثًا على القلق؛ لأنّ العالَم يعوِّل عليها، باعتبارها أكبر ممول لحالات الطوارئ الصحية. ومن المفهوم أن الولايات المتحدة قد أسهمت بمبلغ 31 مليون دولار أمريكي لتمويل الاستجابة لمواجهة أزمة فيروس الإيبولا هذا العام، وأنّ مِن بين المستفيدين من هذه المعونات مجموعات إغاثة، وغيرها من وكالات الأمم المتحدة، لكنْ ليست من بينها منظمة الصحة العالمية.

وهناك بضعة تفسيرات محتمَلة لهذا التخاذل: أولها غير معلن، لكنه حقيقي فيما يتعلق بأكبر تفشٍّ للمرض في العالَم في غرب أفريقيا؛ ألا وهو أن عدوى الإيبولا لم تنتشر بعد في بلدان غنية. ويتمثل تفسير آخر في أن منظمة الصحة العالمية قد تعرضت لانتقادات؛ بسبب فشلها في السيطرة على تفشي المرض بشكل كامل، على الرغم من جهودها الباسلة. وكَرَدّ على مثل هذه التعليقات، بدأت منظمة الصحة العالمية في شهر مايو المشارَكة في مسؤوليات أكثر مع وكالات الأمم المتحدة الأخرى، إدراكًا منها أن الوضع لا يتطلب مساعدة طبية حيوية فحسب، بل خبرات سياسية، وإنسانية أيضًا.

وقد تُمَثِّل المخاوف بشأن نهج منظمة الصحة العالمية في إدارة موازنتها سببًا آخر لإحجام دول - مثل الولايات المتحدة - عن المشاركة في تمويل الاستجابة لمواجهة الأزمة. ففي السادس والعشرين من يونيو من العام الحالي، في حلقة نقاش عُقدت بمعهد «أمريكان إنتربرايز» American Enterprise، وهو بمثابة مؤسسة بحثية، مقرّها واشنطن العاصمة، أشار تيم زيمر - وهو مدير أول في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية - إلى أن منظمة الصحة العالمية لم تتمتع بالشفافية الكافية حول كيفية إنفاق أموالها.

إنّ المَطالِب بالشفافية حيال إنفاق الأموال هي مطالبٌ عادلة، لكنها لا تبرِّر لحكومة الولايات المتحدة، أو حكومات غيرها من البلدان أن تمتنع عن تقديم التمويل في هذا المنعطف الحرج من الأزمة. ويمكن لمؤسسات بعينها - مثل البنك الدولي - أن تتعهد استجابة منظمة الصحة العالمية بالتدقيق المالي، بينما تُواصِل المنظمة تركيزها على الجهود المبذولة في الميدان. وفي نهاية المطاف، عادة ما تؤتي جهود المنظمة ثمارها عندما تُستدام، ولا تتعطل بسبب أعمال عنف.

في آخِر قمة لمجموعة العشرين في اليابان، عُقدت في شهر يونيو عام 2019، أعلنت الدول ذات الدخل المرتفع - ومنها الولايات المتحدة - دعمها الكامل لجهود الاستجابة لمواجهة أزمة الإيبولا. ويجب على هذه الدول الآن أن تلتزم بهذا الوعد تجاه منظمة الصحة العالمية. وإذا سَوَّفَت هذه الدول تنفيذ وعودها بالتمويل، سيصبح العالَم مهدَّدًا بخطر تكرار تفشي جائحة الإيبولا، التي اندلعت في الفترة من عام 2014 إلى عام 2016، عندما أدى التأخر في الاستجابة لمواجهة الجائحة إلى وفاة أكثر من 11300 شخص، وخسارة دافعي الضرائب ما يزيد على ثلاثة مليارات دولار. إنّ منظمة الصحة العالمية تحتاج إلى جزء فقط من هذا المبلغ؛ لحماية العالَم من تكرار هذا الماضي المروع.