تحقيق إخباري

التحكم في التطور

تقنية الدفع الجيني قد تغيِّر جينوم نوع بأكمله. وهكذا، يتعين على الباحثين الإجابة عن هذه الأسئلة المهمة قبل إطلاقه في البرية. 

ميجان سكوديلاري

  • Published online:

Illustration by Ana Kova

دأب أوستن بيرت، وأندريا كريسانتي طيلة ثماني سنوات على محاولة التحكم في جينوم البعوض. كان مرادهما تخطي عملية الانتقاء الطبيعي، وإدخال جين، مِن شأنه أن ينتشر خلال مجموعات البعوض أسرع من الطفرات التي تنتقل إلى الأجيال التالية عبر عملية الوراثة المعتادة. في ثنايا فكرهما كان لديهما تصور عن منع انتشار مرض الملاريا، من خلال نشر جين يقضي على جماعات البعوض؛ حتى لا تنقل المرض.

يتذكر كريسانتي فشلهما مرارًا وتكرارًا، لكنْ أخيرًا، في عام 2011، حصل عالِما الوراثة في جامعة الكلية الملكية بلندن على نتائج الحمض النووي، التي كانا يترقبانها؛ إذ انتشر جينٌ كانا قد أدخلاه في جينوم البعوض بين جماعات البعوض، وطال أكثر من 85% من نسل الحشرات1.

 كانت تلك أول تقنية «دفع جيني» (محرك جيني) مبتكرة؛ ويُقصد بها تعديلٌ جيني يهدف إلى الانتشار في مجموعات نوع ما بمعدلاتٍ وراثية أعلى من الطبيعية. وسرعان ما أصبح الدفع الجيني تقنيةً معتادة في بعض المختبرات، بل ويستطيع العلماء الآن تصميم تقنية محرك جيني في غضون أشهر. تعتمد التقنية على أداة «كريسبر» CRISPR للتحرير الجيني، وبعضٍ من أجزاء الحمض النووي الريبي؛ لاستبدال جينٍ بعينه، أو تعطيله، أو إدخال جينٍ جديد. وفي الجيل التالي، ينسخ محرك الدفع نفسه بالكامل على الكروموسوم الشريك، بحيث يصبح الجينوم لا يحتوي على النسخة الطبيعية من الجين المختار، وإنما على نسختين من محرك الدفع الجيني. وبهذه الطريقة ينتقل التغيير إلى 100% من النسل، بدلاً من حوالي 50% (انظر ملحق «كيف تعمل تقنيات الدفع الجيني»).

ومنذ عام 2014، صمم العلماء تقنيات دفع جيني تعتمد على أداة «كريسبر»؛ لتعديل جينات البعوض، وذباب الفاكهة، والفطريات. وفي الوقت الحالي، يسعون إلى تطويرها؛ بغية تعديل جينات الفئران، لكنْ هذه ليست سوى البداية؛ فالأسئلة حول إمكانية تصميم هذه التقنية واستخدامها قامت مقامها أسئلةٌ أخرى حول فاعليتها، وكيفية اختبارها، وتحديد الأطراف التي ستتولى الرقابة عليها. وكانت تقنيات الدفع الجيني قد اقتُرحت في الأساس كوسيلة للحد من الأمراض التي تنقلها الحشرات، أو القضاء عليها، ومكافحة الأنواع الغازيَة، بل وإبطال مقاومة الآفات لمبيدات الحشرات. ويقول كريسانتي إنَّه حتى الآن لم يُطلق أي كائنٍ مُعدَّل بتقنية الدفع الجيني في البرية، ولكنْ يمكن لتلك التقنية نظريًّا أن تصبح قيد العمل بعد ثلاث سنواتٍ. ويتعاون كريسانتي مع مؤسسة «تارجت ملاريا» Traget Malaria، وهي اتحاد دولي للبحوث غير هادف إلى الربح، يسعى لاستخدام البعوض المُعدَّل بالدفع الجيني؛ لمكافحة الملاريا في أفريقيا. وجديرٌ بالذكر أنَّه في الأول من يوليو هذا العام، أطلقت المجموعة دفعةً اختبارية من البعوض، المُعدَّل جينيًّا، دون أي تقنيات دفع جيني، في قرية في بوركينا فاسو.

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

كبر الصورة

يقول فريدروس أوكومو - مدير العلوم بمعهد إيفاكارا للصحة في دار السلام بتنزانيا - إنَّ الدفع الجيني يختلف عن أي حلٍ بيئي اختُبر من قبل، مضيفاً قائلًا إنّ "تقنيات الدفع الجيني تنتشر من تلقاء نفسها، وعلينا أن نُعِد الناس لاستيعابها، وأن نتبادل المعلومات بصراحة مع جميع البلدان المعنية".

ويقول كيفين إزفلت - مهندس البيولوجيا في مختبر «ميديا لاب» في كامبريدج التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، الذي كان من بين أول مَن صمموا نظام دفع جيني يعتمد على أداة «كريسبر» - إنَّ التحديات التقنية لا تقض مضاجعهم بقدر ما تفعل التحديات الاجتماعية والدبلوماسية، موضحًا: "تترتب على هذه النوعية من التقنيات عواقب حقيقية تؤثر على حياة البشر، وتكاد تكون فورية".

ونظرًا إلى المخاوف المحتملة المثارة حول تقنية الدفع الجيني، تطرح دورية Nature في هذا التقرير خمسة أسئلة رئيسة عن التقنية وتطبيقاتها.

هل سيكون الدفع الجيني فعالًا؟

إنّ بناء نظام دفع جيني؛ للتحكم في مجموعات نوع ما، أو القضاء عليها، يشبه خوض معركةٍ مع الانتقاء الطبيعي، وهي معركة قد يكون من الصعب الفوز بها، فبمجرد أنْ بدأ الباحثون في تصميم تقنيات الدفع الجيني بانتظام في المختبرات، حتى طوَّرت الحيوانات مقاومةً ضدها، مراكمةً طفراتٍ تمنع نظام الدفع الجيني من الانتشار. وعلى سبيل المثال.. في اختبارات نظامَي دفع جيني أُدخلا على جينوم ذباب الفاكهة، لُوحظ أنّ كثيرًا ما كانت تتكون متغيراتٌ جينية تُكْسِب الذباب مقاومةً للنظامين2. وفي معظم الحالات، تغير الطفرات تسلسلًا، صُممت أداة «كريسبر» للتعرف عليه، مما يحول دون تحرير الجين. وفي تجارب على البعوض المحتجَز في المختبر، رصد كريسانتي، وتوني نولان - الباحث في مؤسسة «تارجت ملاريا» - تراجعًا تدريجيًّا في تواتر نظامٍ للدفع الجيني على مدى أجيالٍ متعددة، بسبب طفراتٍ مقاومة في الجين المستهدف3. وقد هزت تلك النتائج الحقل العلمي، فهل تقضي تلك المقاومة على فاعلية الدفع الجيني؟

وللإجابة عن السؤال السابق نقول إنه ليس بالضرورة حدوث ذلك..، إذا أمكن استهداف الجين المناسب، فبعض الجينات يخضع لحمايةٍ مشددة، بمعنى أنَّ أي تغييرٍ فيها من المحتمل أن يقتل الكائن. واختيار هذه الجينات كهدفٍ لنظام الدفع الجيني يعني تكوين عدد أقل من الطفرات، وبالتالي تطوير مقاومة أقل. وفي سبتمبر 2018، تمكَّن كريسانتي وفريقه في المختبر من سحق مجموعة محتجزة من بعوض «الأنوفيلة الجامبية» Anopheles gambiae بكفاءة 100%4، عن طريق تصميم محرك جيني يعطل وظيفة جين خصوبة يُسمَّى Doublesex. وبترسيخ النظام في جينوم البعوض، لا تتمكن الإناث من اللدغ، أو وضْع البيض؛ ومن خلال تواتُر 8 أجيال إلى 12 جيلًا، لم تُنتج المجموعات المحتجزة من البعوض أي بيضٍ على الإطلاق. ولأنَّ جين Doublesex بالغ الأهمية للتكاثر، فإنَّه مقاوِم للطفرات، ومنها تلك التي تُكسِب الكائن مقاومةً لبناء نظام الحث.

يقول كريسانتي إنَّ الفريق أجرى تسع تجارب على مجموعاتٍ محتجزة في المختبر، أدخلوا فيها أكثر من مليون محرك جيني في الجينوم، استهدفت جميعًا جين Doublesex، ولم يشهدوا أي مقاومة. وفي الوقت الحالي، يعدل الفريق المحرك الجيني لقطع جين Doublesex في مكانين، وليس في مكانٍ واحد، مثلما يعالج الطبيب مرضًا ما بتوليفة من العقاقير. ويقول كريسانتي عن ذلك: "أريد التأكد من أنَّ احتمالية تطوير مقاومة ضعيفةٌ للغاية، قبل أن أُصرِّح بأنَّ التكنولوجيا جاهزة للاستخدام الميداني".

وفي عالَم الثدييات، يواجه العلماء تحدياتٍ أكبر بكثير من مسألة المقاومة، ينبغي لهم التعامل معها. ففي العام الماضي، صممت كيم كوبر وزملاؤها - في جامعة كاليفورنيا بسان دييجو - أساسيات نظام دفع جيني في حيوانٍ ثديي، وهو محرك يعطل جين Tyr في الفئران، ويحول فراءها إلى اللون الأبيض5. تقول كوبر إنَّ المحرك الجيني كان فعالًا في نسخ نفسه في الجينوم بنسبة 72% فقط، ولم يكن فعالًا في الخط النسيلي للذكور. وتعتقد أنَّ سبب ذلك هو أنَّ انقسام الخلية يحدث في أوقاتٍ مختلفة أثناء تكوين البويضات والحيوانات المنوية، مما قد يؤثر على قدرة نظام الدفع على نسخ نفسه بنجاح من كروموسوم إلى آخر.

وفي هذه التجربة، لم ينتشر نظام الدفع الجيني ذاتيًّا، ولم تلاحظ كوبر الصفة في عدة أجيال لاحقة، ولذا.. تؤكد أنَّه من الناحية التقنية لا يمكن اعتباره نظام دفع جيني. وتضيف قائلة إنه "لا يزال هناك الكثير من العمل المطلوب، لإثبات أنَّ أمرًا كهذا قابلٌ للتحقيق".

 ما هي الاستخدامات الممكنة الأخرى للدفع الجيني؟

رغم أنَّ تطبيقات البعوض تهيمن على الحقل العلمي، فإن الاستخدامات المقترحة للدفع الجيني تشمل أيضًا الحفاظ على النظم البيئية الحساسة، وتسريع وتيرة العمل في المختبرات.

هناك كائنات حية تحتوي على جينوماتٍ يصعب التحكم فيها، لكنَّ النجاح في ذلك يمكن أن يساعد الباحثين على دراستها. هناك مثلًا «الفطريات المبيضة» Candida albicans، التي هي فطريات مسبِّبة للأمراض لدى البشر، وكثيرًا ما تكون مقاوِمةً للعقاقير. وقد طورت ريبيكا شابير - الباحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراة في معهد برود، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بمدينة كامبريدج في ولاية ماساتشوستس - نظامًا6 لدفع طفراتٍ في تلك الفطريات، بكفاءة تقارب 100%. ويمكنها الآن استيلاد الفطريات؛ لتثبيط جينين مستقلين، وتوريث تلك الطفرات إلى النسل. وتقول شابيرو - التي تعمل حاليًّا في جامعة جيلف بكندا - إنَّ "الأمر نجح بكفاءة هائلة". وتستخدم كوبر في جامعة كاليفورنيا بسان دييجو تقنيات دفع جيني لغرضٍ مشابه، وهو إكساب الفئران خصائص معقدة، ودراستها.

يرغب برنامج المكافحة البيولوجية الجينية للقوارض الغازيَة (GBIRd) في استخدام الدفع الجيني في الفئران لأغراضٍ أكبر من مجرد دراستها في المختبر. وجدير بالذكر أن هذا البرنامج هو شراكة بين جامعات وحكومات ومنظمات غير حكومية، تديره مجموعة «آيلاند كونسيرفيشن» Island Conservation غير الهادفة إلى الربح، ويرغب في استخدام التقنية؛ للقضاء على مجموعات القوارض الغازيَة في الجُزُر، حيث تُلْحِق الدمار بالحياة البرية المحلية. تُستخدم المبيدات الحشرية حاليًّا لهذا الغرض، لكنَّها مُكلفة، ويصعب استخدامها في الجُزُر الأكبر حجمًا التي يسكنها البشر. ويقول مدير البرنامج رويدن ساه إنَّه يمكن استخدامها في حوالي 15% فقط من الجُزُر، ويضيف قائلًا: "نسعى إلى دراسة التقنيات التي يمكنها الاضطلاع بالمهمة في الجُزُر المتبقية، التي تبلغ نسبتها 85%".

لذا.. يعكف اثنان من أعضاء البرنامج - وهما ديفيد ثريدجيل من جامعة تكساس إيه اند إم في مدينة كوليدج ستيشن بولاية تكساس، وبول توماس من جامعة أديلايد في أستراليا - على تطوير تقنيات دفع جيني في الفئران، لكنَّ ساه يعتقد أنَّ الأمر سيستغرق سنواتٍ عديدة، قبل أن تعمل هذه التقنيات بنجاح.

من ناحيةٍ أخرى.. يأمل بعض علماء البعوض في تجربة منهجيةٍ؛ لمنع انتشار الأمراض، تكون أكثر براعةً من القضاء على مجموعات الحشرات بالكامل. وفي طبعةٍ أولية7 لدورية Nature صدرت مؤخرًا، عدَّل عمر عكبري وزملاؤه - في جامعة كاليفورنيا بسان دييجو - بعوض «الزاعجة المصرية» Aedes aegypti وراثيًّا؛ للتعبير عن جسمٍ مضاد يحمي البعوضة من السلالات الأربع الرئيسة لحمى الضنك. ويحاولون حاليًّا ربط هذا الجسم المضاد في محرك جيني؛ لاختبار إمكانية انتشاره. كما يطور عكبري نظام دفع جيني متعدد الأغراض، يُنَشِّط مادةً سامة عندما يُصيب أي فيروس بعوض «الزاعجة المصرية»، وليس فيروس حمى الضنك فحسب. ويقول عكبري عن ذلك: "نود صنع «حصان طروادة» داخل البعوضة. فعندما تصاب بعوضة بفيروس ما، سواء أكان فيروس حمى الضنك، أَم زيكا، أَم  شيكونجونيا،  أَم الحمى الصفراء، أَم أيًّا كان، فإنَّه يُفَعِّل نظامنا الذي بدوره يقتل البعوضة".

هل يمكن التحكم في نظام الدفع الجيني؟

قبل أن يشرع كيفين إزفلت قط في صنع أي نظام دفع جيني يعتمد على أداة «كريسبر»، كانت التداعيات تقضّ مضجعه. ويقول عن تلك الفترة: "أدركتُ أنَّ التقنية لن تتعلق بالملاريا فحسب، ومن المحتمل أن تصبح شيئًا يمكن لأي شخصٍ قادر على إنتاج ذبابة فاكهة معدَّلة جينيًّا أن يصممه لتحرير كل ذباب الفاكهة".

ليس من الغريب إذَن أنَّه في عام 2014، عندما صنع إزفلت وعالِم الوراثة جورج تشرتش نظامهما الأول للدفع الجيني في كلية طب هارفارد بمدينة بوسطن في ولاية ماساتشوستس، صمما في الوقت نفسه نظام دفع معاكس ليحل محل النظام الأصلي، إنْ أصدرا الأمر بذلك8.

واتبع بقية علماء المجال النهج نفسه، فأصبحوا يطورون تقنيات دفع جيني ذات أدوات تحكُّم مدمجة، أو أدوات إلغاء خارجية، أو كليهما. وتموِّل معظم هذه الجهود هيئة المشروعات البحثية المتطورة بوزارة الدفاع الأمريكية (DARPA)، وهي الذراع البحثي لوزارة الدفاع الأمريكية. ففي عام 2017، أعلن برنامج «الجينات الآمنة» Safe Genes - التابع للهيئة - أنَّه كان ينفق 65 مليون دولارٍ أمريكي على سبعة فرق أبحاث مختلفة في الولايات المتحدة، تدرس كيفية التحكم في تقنيات الدفع الجيني، ومواجهة آثارها، وعكسها. وتقول رينيه فانجين، مديرة برنامج «الجينات الآمنة»: "نسعى إلى تقليل احتمال سوء الاستخدام، سواء أكان غير مقصود، أم بِنِيَّةٍ شريرة".

ابتكر إزفلت - الذي تلقَّى تمويلًا في المرحلة الأولى من البرنامج - نظام دفع جيني ذاتي الاستنزاف، يُعرف باسم محرك «ديزي»، وهو مُصمَّم ليفقد رابطًا واحدًا في المرة، مثل قطْف زهرة من سلسلة مرتبطة ببعضها من الرأس إلى الجذع، حتى ينفد تمامًا بعد عدة أجيال9.

وفي جامعة كاليفورنيا بسان دييجو، يعكف فريق عكبري - المموَّل من هيئة المشروعات البحثية المتطورة بوزارة الدفاع الأمريكية - على تطوير محركات جينية، يُفترض أن تعجز عن الانتشار خارج مجموعةٍ مستهدفة بعينها من البعوض أو الذباب. ويتطلب مثل هذا النوع من المحركات استمرار عملية إطلاقه لعدة أجيال. وعندما تتوقف عمليات الإطلاق، يتراجع انتشاره أمام نُسخٍ من النوع البري للجين، ويمحو نفسه خلال أربع سنوات. ويقول عكبري إنَّ هذه الفترة قد تكون طويلة بما يكفي للقضاء على فيروس مثل زيكا، أو حمى الضنك في جماعةٍ بعينها من البعوض. ويعلّق على تلك الفكرة قائلًا: "في رأيي، هذا أكثر أمانًا إلى حدٍ ما، وفعالٌ إلى حدٍ كبير في الوقت نفسه". وأنتج فريقه بالفعل عدة نسخ من تلك المحركات؛ لاستهداف بعوض الزاعجة المصرية، الذي يُعَد الناقل الأساسي لفيروس حمى الضنك10.

ويطور فريق مؤسسة «تارجت ملاريا» أيضًا إجراءً مضادًّا، تموله هيئة المشروعات البحثية المتطورة بوزارة الدفاع الأمريكية، لوقف انتشار نظام الدفع الجيني، الذي يستهدف جين doublesex في مجموعةٍ ما.

كيف يمكن اختبار تقنية الدفع الجيني؟

بدلًا من إجراء الاختبارات الميدانية - التي يحظرها صراحة عقد برنامج «الجينات الآمنة»، التابع لهيئة المشروعات البحثية المتطورة بوزارة الدفاع الأمريكية، فضلًا عن الباحثين الذين يتفقون على أنَّ التقنية ليست جاهزةً لإجرائها - تعمل الفرق البحثية على توسيع نطاق التجارب على المجموعات المحتجزة في المختبر، وبناء نماذج بيئية؛ لاستكشاف فوائد نشر التقنية في البرية بشكل آمن، واستكشاف مخاطرها أيضًا.

وفي بلدة تيرني بوسط إيطاليا، طبَّق كريسانتي ونولان ظروفًا بيئية متغيرة على مجموعات البعوض المحتجزة في المختبر. ويقول نولان، الذي يدير حاليًّا مختبرًا في كلية ليفربول للطب الاستوائي بالمملكة المتحدة: "نرغب في توسيع نطاق التجارب، بغية اختبارها في ظروفٍ جينية مختلفة، وفي ظل سيناريوهاتٍ أكثر واقعية". ويود هو وكريسانتي محاكاة سلوك التزاوج الطبيعي، كأنْ تشكِّل الذكور أسرابًا لاجتذاب الإناث، ليستكشفا كيف سيؤثر ذلك على انتشار نظام الدفع الجيني.

ويقول كريسانتي إنَّ ديناميكيات انتشار نظام الدفع بين تلك المجموعات المحتجزة في المختبر "واعدة" حتى الآن، إذ يُورَّث بفاعلية، دون وجود أمارات على المقاوَمة. وإذا لم تظهر أي أمور مزعجة في التجارب الأوسع نطاقًا في المختبر، سيسلم الفريق التقنية إلى مجموعاتٍ مستقلة؛ لاختبارها، على أمل الحصول على موافقة الجهات التنظيمية خلال ثلاث سنواتٍ تقريبًا، حسب قوله.

ويبني أيضًا فريق مؤسسة «تارجت ملاريا» نماذج بيئية لمواقع الإطلاق المحتملة، لاستكشاف ديناميكيات انتشار تلك التقنيات في الواقع. وتقوم أحدث دراسات11 المؤسسة بعمل نماذج لمجموعات البعوض في أكثر من 40 ألف مستوطنة في بوركينا فاسو والبلدان المحيطة بها، وتأخذ في الاعتبار الأنهار، والبحيرات، وتساقُط الأمطار، بالإضافة إلى بياناتٍ ميدانية حول حركة البعوض. وتشير النتائج11 إلى أنَّه لتقليل العدد الإجمالي للحشرات، ستكون هناك حاجة إلى تكرار عملية إطلاق البعوض المُعدَّل في أنحاء القرى على مدار بضع سنوات، وليس إطلاقه مرةً واحدة فقط.

ويقول تشارلز جودفراي، وهو عالِم أحياء متخصص في مجموعات الأنواع بجامعة أوكسفورد في المملكة المتحدة، وهو أحد المتعاونين مع مؤسسة «تارجت ملاريا»، والباحث الرئيس في الدراسة: "تشير النظرية إلى أنَّه مِن المفترَض إذا أطلقتَ البعوض مرةً واحدة؛ فسينتشر في جميع أنحاء القارة، غير أنَّ هذا يحدث ببطءٍ شديد في الواقع".

وما يثير القلق أيضًا هو أنَّ تقنيات الدفع الجيني تمتلك القدرة على تغيير مجموعاتٍ بأكملها من الأنواع، وبالتالي تغيير أنظمةٍ بيئية كاملة. كما يمكنها - من الناحية النظرية - التأثير سلبًا على صحة الإنسان، من خلال دفع طفيل الملاريا للتطور؛ ليصبح أشد فتكًا، أو ليكون في الإمكان نقله عن طريق عائلٍ آخر، حسبما تقول ناتالي كوفلر، عالمة البيولوجيا الجزيئية والأخلاقيات البيولوجية. وكوفلر هي المديرة المؤسِّسة لمجموعة «إيديتنج نيتشر» Editing Nature بجامعة ييل في نيو هيفن بولاية كونيتيكت، التي تهدف إلى دراسة التقنيات الجينية البيئية في جميع أنحاء العالم. وتقول كوفلر إنَّ "هذه التقنية يمكنها أن تكون قويةً للغاية، وأن تغيِّر مسار الأمور التي قد لا نكون قادرين على توقعها".

مَن الذي يقرر توقيت استخدام الدفع الجيني؟

بالنسبة إلى تجارب الأدوية، يمكن لشركة أن تبدأ في الإعداد للاختبار الميداني قبل عامٍ أو عامين فقط من إجرائه، لكنَّ تقنية الدفع الجيني تحتاج إلى مزيدٍ من الوقت، حسبما يوضح أوكومو. وفي العام الماضي، كان أوكومو عضوًا في مجموعة عمل علمية، مكونة من 15 عضوًا، نظمتها مؤسسة معاهد الصحة الوطنية الأمريكية، حيث تقدمت بمجموعة من التوصيات12 لاستخدام البعوض المُعدَّل بتقنية الدفع الجيني في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

يشدد تقرير المجموعة على أنَّ الحكومات والمجتمعات والعلماء المحليين سوف يحتاجون إلى بعض الوقت، لاستيعاب الأسس العلمية وراء هذه التقنية، ولتمكينهم من ضبط استخدامها. ويقول أوكومو عن ذلك: "أقول ذلك بكل اقتناع. وفي النهاية.. أفضل مَن يتخذ مثل هذه القرارات.. الدول نفسها".

وفي عام 2017، جمعت كوفلر مجموعةً من العلماء والمتخصصين في مجال الأخلاقيات؛ لمناقشة الأسئلة المجتمعية المتعلقة بتقنيات الدفع الجيني13. وتقول كوفلر إنَّ "الأسئلة الرئيسة تمحورت حول العدالة". وهي ترى أنَّه في النقاشات المتعلقة بإطلاق كائن مُعدَّل جينيًّا في بيئة أفريقية، يحق للمجموعات التي تعرضت للتهميش على مرّ التاريخ أن تكون جزءًا من عملية صنع القرار.

ويرغب أوكومو في أن يصمم العلماء الأفريقيون تقنيات دفع جيني ويختبرونها محليًّا، وهو ما يتطلب احترام الممولين لتلك الجهود، واستعدادهم لدعمها. ويضيف موضحًا بقوله إنّ "البشر يخشون المجهول، وفي الوقت الحالي يأتيهم هذا المجهول من منظورٍ غربي. أتطلع إلى اليوم الذي نتمكن فيه من بناء هذه الأنظمة في مختبراتنا، وبهذه الطريقة نحوز ثقة السكان المحليين".

وفي أغسطس 2018، سمحت الوكالة الوطنية للسلامة الحيوية في بوركينا فاسو لمؤسسة «تارجت ملاريا» بإطلاق سلالة عقيمة من ذكر البعوض المُعدَّل جينيًّا، في سابقةٍ هي الأولى من نوعها في القارة الأفريقية. وفي يوليو 2019، أطلق الفريق حوالي 6400 بعوضة مُعدَّلة جينيًّا، لكنَّ جينوماتها لا تحتوي على محركات جينية. ويأمل العلماء أن يؤدي هذا الإطلاق إلى تحسين النظرة إلى تلك الأبحاث، بالإضافة إلى توفير بياناتٍ لعمليات الإطلاق المستقبلية.

ورغم أنَّ الفئران المعدلة بالدفع الجيني ليست جاهزةً لعملية الإطلاق، يعمل برنامج المكافحة البيولوجية الجينية للقوارض الغازيَة بالفعل مع متخصصي تقييم المخاطر، والمتخصصين في مجال الأخلاقيات، وعلماء النظم البيئية، لتحديد جزيرة؛ لإجراء تجربة ميدانية أولية فيها. ويقول ساه: "نريد أن نتأكد من تنفيذ الأمر بشكٍل صحيح. وبغضّ النظر عن السرعة التي تتطور بها التقنية، يمكننا الآن تطوير العلوم الاجتماعية والأخلاقية".

References

  1. Windbichler, N. et al. Nature 473, 212–215 (2011). | article
  2. Champer, J. et al. PLoS Genet. 13, e1006796 (2017). | article
  3. Hammond, A. M. et al. PLoS Genet. 13, e1007039 (2017). | article
  4. Kyrou, K. et al. Nature Biotechnol. 36, 1062–1066 (2018). | article
  5. Grunwald, H. A. et al. Nature 566, 105–109 (2019). | article

  6. Shapiro, R. S. et al. Nature Microbiol. 3, 73–82 (2018). | article
  7. Buchman, A. et al. Preprint at bioRxiv https://doi.org/10.1101/645481 (2019). 
  8. DiCarlo, J. E., Chavez, A., Dietz, S. L., Esvelt, K. M. & Church, G. M. Nature Biotechnol. 33, 1250–1255 (2015). | article
  9. Noble, C. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 116, 8275–8282 (2019). | article

  10. Li, M. et al. Preprint at bioRxiv https://doi.org/10.1101/645440(2019).

  11. North, A. R., Burt, A. & Godfray, H. C. J. BMC Biol. 17, 26 (2019). | article
  12. James, S. et al. Am. J. Trop. Med. Hyg. 98 (Suppl. 6), 1–49 (2018). | article
  13. Kofler, N. et al. Science 362, 527–529 (2018). | article

ميجان سكوديلاري صحفية علمية مقيمة في بوسطن بولاية ماساتشوستس.