مستقبليات

الباحثون عن الماء

فخ كارثي

كورت بانكو

  • Published online:

Illustration by Jacey

كان الضوء ظاهرًا للعيان في أثناء الليل، حتى من على بُعْد ميل. ودَلّ وجوده على وجود الكهرباء، وهذا يعني أن شخصًا ما يقطن هناك، وأننا سنجد ماء يمكن شراؤه بالمقايضة. وبالتالي، ذهبنا لتحري الأمر. فقد غادرنا نيو شيكاجو قبل ثلاثة أيام، وقررنا أن نشد الرحال؛ بحثًا عن الإمدادات، ثم العودة، لكنْ في حقيقة الأمر، لم أكن أعتزم العودة. فقد دارت شائعة حول نقص المياه، وتقنين إمدادها، وهو ما سيسفر حتمًا عن شيوع حالة من الذعر، المدفوع بغريزة البقاء، يندثر على أثرها الوجه الراقي للمجتمع  بأخلاقه وآدابه تمامًا.

أُقْسِم بأنني أتساءل أحيانًا عمّا إذا كانت الحضارة تستحق عناء الإنقاذ، أم لا، فإذا كنتِ امرأة، فسوف تنتظرين طويلًا حتى الرحيل، لتكتشفي أنهم لن يأذنوا لكِ به. وقد تعلمتُ هذا الدرس بالطريقة الصعبة في نيو بيتسبيرج، قبل أن ألتقي بليزي.

صاحت ليزي بحماس أعوامها التسعة، قائلة: "شينا! لقد وجدتُ بابًا!"، فتتبعت صوتها، وبالفعل، كانت هناك فتحة في جانب نتوء صخري، وكان اتساعها يسمح بدخول الرمال، والغبار. وتوهج بداخلها مصباح هالوجيني مُوَجَّه نحو السماء. لقد رغب أيٌّ ممن عاش هنا في أنْ يُعثَر عليه.

قُلت لليزي: "على رسلك يا فتاة"، إذ كانت صغيرة السن للغاية، لدرجة جعلتها لا تدرك خطورة العالم الحقيقية، وافتقرت لما اعتدنا أن نطلق عليه "حنكة أهل الشارع"، وذلك حينما كان للشوارع وجود، لكنها كانت فتاة تُعنَى بالآخرين، ولهذا..  صار قلبي معلقًا بها.

دخلنا فيما بدا وكأنه مخبأ لأشخاص أعدُّوا العتاد للبقاء. وقد رأيت هذه المخابئ من قبل، بعد أن انتهى المشردون من عَيْث الخراب بها؛ بحثًا عن الموارد، لكن هذا المخبأ بدا وكأنه لم يُمس، فناديت: "مرحبًا!، جئنا في سلام!" وأومأت لليزي لتغلق الفتحة خلفنا، وأنزلت قناعي من على وجهي. كانت الرمال قد أخذت في التراكم في النفق المؤدي إلى المدخل، إذ من الواضح أن ذلك الباب ظل مفتوحًا لبضعة أيام، ورغم ذلك.. كانت رائحة الهواء نظيفة ومنعشة. إنّ هذا المكان ذو تهوية منضبطة. وقد اصطفت مصابيح فلورية على السقف، ارتعش ضوؤها، لكنها ظلت تشع ضوءًا جيدًا. ناديت مجددًا: "مرحبًا!"؛ فلم يُجِبْني أحد.

وصلنا إلى نهاية الممر، وشعرت كما لو أنني أدلف إلى بُعْد بديل. كانت هناك غرفة معيشة، وكأنها من منزل حقيقي! كان على أرضها بساط، وحَوَت تلفازًا مع أكوام من أقراص الفيديو الرقمية المدمجة (DVD)، ورفوفًا ضمت كتبًا، وألعابًا لوحية، وأريكة، وكرسيًّا للاسترخاء. كانت غرفة مثالية.. بل كادت أن تكون كذلك أكثر مما يجب، فأوحت بأنها فخّ، أو شيء من هذا القبيل.

ركضت ليزي فجأة نحو باب جانبي، وهي تقول: "أود أن أستطلع المكان!".

صحت قائلة: "ليزي، إياكِ أن..." لكنْ تلاشت كلماتي عندما وقعت عيني على حوض أسماك. حوض أسماك حقيقي. لقد قرأت عن هذه الأحواض في الكتب، لكنْ لم يتسن لي رؤية أي منها في الواقع.

صاحت ليزي بعد ذلك: "توجد حديقة هنا"، "إنها ضخمة". وركضت مسرعة نحو غرفة أخرى.

أخذتُ أحدّق في حوض الأسماك، والماء الوفير بداخله. من المؤكد أنه حوى بضع عشرات الجالونات على الأقل، مع آلات لتنظيفه وتكوين الفقاقيع به. كما حوى صخورًا في أرضيته، وقليلًا من الزينة، لكنْ أين كانت الأسماك؟

صاحت ليزي: "لم أرَ قط سريرًا بهذا الحجم!". واستمرت في الركض في المكان.

انحنيتُ على أعلى الحوض؛ لأشتمّ ما إذا كانت مياهه مالحة، أم عذبة، وعندها وجدتُ الأسماك. كانت تطفو على سطح المياه.

صرخت ليزي بعد ذلك صرخة حادة.

هرعت نحو صوتها، وقبل أن أدرك ما الذي كان يحدث، طوقتني بذراعيها، ثم أدركت أننا كنا في حمام. وأجهشت ليزي بالبكاء.

قلت لها: "أنتِ في أمان". "لن أَدَع أي شخص يؤذيك". ونظرتُ من فوق كتفها، فوجدتُ ما أفزعها. ومن ثم، همست في أذنها قائلة: "اذهبي إلى غرفة المعيشة". فتذمرت ليزي، لكنها فعلت ما قيل لها.

كان هناك حوض استحمام ضخم يحوي جثة لرجل عار، ربما في الخمسينات من عمره. وقد كان أميل إلى السمنة قليلًا. ولا شك أنه أضخم شخص رأيته منذ عقود، وقد زحف بعض الشيب على شعره الأسود.

تعذرت رؤية ملامح وجهه بوضوح؛ بسبب الثقب الذي خلّفته الرصاصة في منتصفه.

كانت البندقية لا تزال في يده. وبدا أنه لقى حتفه مؤخرًا، لكنني لا أعرف الكثير عن هذه الأمور، إذ لم تفح من الجثة رائحة كريهة. ومن المؤكد أنّ لديه منقيًا رائعًا للهواء.

وجدتُ ليزي جالسة على الأريكة وهي ترتعش. وسألتني: "لِمَ يفعل ذلك بنفسه؟".

أجبتها قائلة: "لا أعرف".

وأضفت: "أعتقد أنه كان وحيدًا".

تساءلت ليزي: "لماذا تعتقدين ذلك؟"

أجبتها: "لقد ترك الباب مفتوحًا؛ لعلّ شخصًا ما يجده"؛ فحدقت ليزي فيَّ بتبلُّد.

سألتها: "هل أنتِ على ما يرام؟"

أجابتني: "لا يراودني شعور جيد حيال هذا الأمر". "لنملأ أباريقنا، ونعود إلى ديارنا".

جلست بجوارها، ورَبَتُّ على ظهرها، وقلتُ: "لا يمكننا العودة إلى الديار".

تساءلت ليزي: "لِمَ لا؟"

أجبتها: "ديارنا لم تعد آمنة.. فلا يوجد بها ما يكفي من الماء".

قالت ليزي: "لذلك.. سنعود بالماء، وسنُعْلِم الناس بوجود هذا المكان، حتى يتمكنوا من إنقاذ ما تبقى منه، والاستفادة به".

تنهدت. وقُلت لها: "نعم". وأردفت: "نستطيع أن نفعل ذلك، بل هذا ما يتوجب علينا فعله"، فارتجفت ليزي تحت يدي. وانهمرت دموعها في خطوط اخترقت الاتساخ الذي غطي وجهها، فمسحت دمعة منها. وقلت لها: "لكنْ ماذا لو قررنا – ببساطة - البقاء؟"

نظرت إليَّ، وكأنها لم تفهم ما قلته.

قلت: "ما رأيك؟". وأضفت: "لن يكون هذا تصرفًا جنونيًّا إلى هذا الحد.. فهناك الكثير من الطعام والماء، وسنكون في أمان. وأنتِ ستكونين في أمان".

نظرت ليزي إلى الباب المؤدي إلى الحمام، وقالت: "في أمان!، كما كان هذا الرجل؟"

أجبتها: "هذا أمر مختلف".

قالت ليزي: "في الواقع لا. الموت هو الموت".

قلت لها: "أنا أعتني بك". وقد قطعنا وعدًا بأنْ يعتني كلٌّ منا بالآخَر".

ردت ليزي: "أعرف. كما قطعنا الوعد نفسه لجميع مَن في ديارنا".

قلت: "لكنّ هذا وضْع مختلف".

أومأت ليزي برأسها، ثم نظرت إلى الحمام، وإلى الرجل الميت به، وقالت: "لا شك أنه اعتقد ذلك أيضًا".

شرعت في الاعتراض، بل بالأحرى هممتُ بذلك. كان هذا المكان رائعًا، لكنه كان فخًّا. فقد بناه رجل ما، معتقِدًا أنه لم يكن بحاجة إلى مساعدة أي أحد، وأصبح الآن في عداد الموتى. والأشخاص مثله هُم مَن جلبوا الخراب على العالم في المقام الأول. إذَن، ربما إذا اعتنينا ببعضنا بعضًا، وأعني بذلك أن نعتني جميعًا ببعضنا بعضًا، فستكون هذه هي الطريقة التي سننقذ بها العالم.

بدأتُ أملأ أباريق الماء؛ استعدادًا لرحلة العودة إلى الديار.

كورت بانكو يعيش مع عائلته في مدينة سانت لويس بولاية ميسوري. وهو يهوى الألعاب اللوحية، والنكات البسيطة التي يلقيها الآباء، وقصص السفر عبر الزمن. وهو ينشر «تغريداته» على: kurtpankau@، ومدوناته على: kurtpankau.com