أنباء وآراء

علم الوراثة: كيف تُعبِّر الطفرات عن نفسها

طريقةٌ للكشف عن الطفرات وقياس مستويات التعبير الجيني في الخلية نفسها، تتيح إمكانية دراسة تأثيرات طفرات جينٍ معين على نشوء أحد أنواع سرطان الدم. 

سيدارث راجو، وتشون جيمي يي
  • Published online:

تؤدي الخلايا التي تدور في مجرى الدم وظائف مختلفة. وتنحدر هذه الخلايا في البالغين من خلايا سلفية في نخاع العظم. ويمكن أن تؤدي الطفرات التي تحدث في تسلسلات الحمض النووي الخاص بهذه الخلايا السلفية إلى تغَيراتٍ في تطوُّر خلايا الدم، وهو ما يؤدي أحيانًا إلى الإصابة بالسرطان. وقد مَثَّل توضيح تأثير طفرات هذه الخلايا السلفية على تطوُّر خلايا الدم تحديًا صعبًا، بسبب بعض العقبات التقنية، لكن في بحثٍ نُشر مؤخرًا بدورية Nature، أفادت نام وزملاؤها1 بوجود طريقة للكشف عن الطفرات وقياس التعبير الجيني في خلايا الدم السلفية المفردة. ويستخدم الباحثون هذه الطريقة لتحليل مزيجٍ من الخلايا السلفية المحتوية على طفرات، وتلك التي لا تحتوي على أي طفرات في جينٍ مرتبط بالسرطان. وأوضح الباحثون أنَّ الخلايا السلفية المحتوية على الطفرة نفسها يمكن أن تُنتِج خلايا ذات أنماط تعبير جيني مختلفة.

وتخضع عملية تكوُّن الدم - التي تتكون بها خلايا الدم الناضجة من الخلايا السلفية - لتنظيمٍ شديد الإحكام. وبشكل عام، يعتمد «القرار» الذي تتخذه الخلايا السلفية بأنْ تتحول إلى نوعٍ بعينه من خلايا الدم على الإشارات التي تستقبلها تلك الخلايا السلفية من بيئتها المحيطة. غير أنَّ الطفرات التي تنشأ أحيانًا في تلك الخلايا السلفية يمكن أن تؤدي إلى حجْب هذه الإشارات، أو إلى تضخيمها بدرجةٍ كبيرة، أو إلى تجاهلها فحسب، وهو ما يؤدي إلى زيادة أو نفاد أنواعٍ معينة من الخلايا. كما قد يُسفِر في بعض الحالات عن إنتاج نُسخٍ سرطانية من هذه الخلايا. ولهذا.. فإنَّ فهْم الكيفية التي تؤدي بها الطفرات التي تحدث في الخلايا السلفية إلى تغيُّراتٍ في إنتاج أنواع الخلايا المختلفة هو مسألةٌ جوهرية.

إن دراسة كيفية تأثير الطفرات التي تحدث في خليةٍ سلفية على التعبير الجيني، ومن ثم على هوية الخلية ووظيفتها، قد مثلت تحديًا كبيرًا؛ ويرجع ذلك - إلى حد كبير - إلى أن الخلايا الطافرة قد تكون نادرة، وإلى أنَّها في معظم الأحيان لا تعبِّر عن الواسماتٍ الجزيئية التي يمكن استخدامها لفصل تلك الخلايا ماديًّا عن الخلايا غير الطافرة. وقد سبق استخدام استراتيجياتٍ لتحديد الاختلافات الجينية، وقياس التعبير الجيني في خلايا مفردة في الوقت ذاته، وذلك لنَسْب الخلايا في مزيجٍ من خلايا الدم المناعية إلى الشخص المتبرع بها أساسًا2 ولدراسة التغيرات التي تحدث في مجموعات الخلايا، سواءً من الشخص المضيف، أم من الشخص المانح لدى الأفراد المصابين بنوعٍ من سرطان الدم، ممن خضعوا لعمليات زراعة خلايا جذعية3، لكنْ لم يُستخدم مزيج من المقاربات على نطاقٍ واسع لفحص تأثير الطفرات في الجينات المرتبطة بالسرطان على تطور خلايا الدم.

من هنا، صمَّمت نام وزملاؤها طريقةً تسمَّى «تحديد النمط الجيني للترانسكربتومات» GoT، عن طريق الجمع بين تقنيةٍ موجودةٍ بالفعل؛ لتحديد نمط التعبير الجيني3، وتقنية أخرى لتضخيم تَسَلْسُلٍ جيني معين؛ لاكتشاف الطفرات الموجودة به (شكل 1). واستخدم أولئك الباحثون هذه الطريقة لتحليل آلاف الخلايا السلفية المجموعة من نخاع عظام خمسة أشخاص مصابين بنوعٍ معين من سرطان الدم، ينجم عن طفراتٍ في جين CALR، ويتسم بالإفراط في إنتاج خلايا الصفائح الدموية. ومكَّنت هذه الطريقة الباحثين من معرفة أيٍّ الخلايا تحديدًا كان يحمل طفراتٍ في جين CALR، وأيها كان خاليًا من الطفرات.

شكل 1. تحليل حالة الطفرات والتعبير الجيني في الخلايا المفردة. أخذت نام وزملاؤها1عيناتٍ من الخلايا السلفية التي تكوِّن خلايا الدم من أشخاصٍ مصابين بنوعٍ من سرطان الدم، تسببه الخلايا السلفية المحتوية على طفراتٍ في جين CALR. وللتمييز بين الخلايا الطافرة وغير الطافرة، ضخَّم الباحثون جين CALR في خلايا مفردة وعينوا تسلسله، وقاسوا أيضًا مستويات التعبير الجيني في كل خلية. واكتشفوا أنواعًا مختلفة من الخلايا، اعتمادًا على تحليلٍ إحصائي لأنماط التعبير الجيني للخلايا (الدوائر المنقطة تمثل التصنيف الإحصائي، وليس التصنيف المادي للخلايا)، وفحصوا الخلايا في تلك الأنواع المختلفة، لتحديد أيها يحتوي على طفراتٍ في جين CALR. وكان بعض أنواع الخلايا يضم عددًا وفيرًا من الخلايا المحتوية على طفراتٍ في جين CALR، وكانت للطفرات في هذا الجين تأثيراتٌ مختلفة على الأنواع المختلفة من الخلايا (على معدل التكاثر مثلًا).

شكل 1. تحليل حالة الطفرات والتعبير الجيني في الخلايا المفردة. أخذت نام وزملاؤها1عيناتٍ من الخلايا السلفية التي تكوِّن خلايا الدم من أشخاصٍ مصابين بنوعٍ من سرطان الدم، تسببه الخلايا السلفية المحتوية على طفراتٍ في جين CALR. وللتمييز بين الخلايا الطافرة وغير الطافرة، ضخَّم الباحثون جين CALR في خلايا مفردة وعينوا تسلسله، وقاسوا أيضًا مستويات التعبير الجيني في كل خلية. واكتشفوا أنواعًا مختلفة من الخلايا، اعتمادًا على تحليلٍ إحصائي لأنماط التعبير الجيني للخلايا (الدوائر المنقطة تمثل التصنيف الإحصائي، وليس التصنيف المادي للخلايا)، وفحصوا الخلايا في تلك الأنواع المختلفة، لتحديد أيها يحتوي على طفراتٍ في جين CALR. وكان بعض أنواع الخلايا يضم عددًا وفيرًا من الخلايا المحتوية على طفراتٍ في جين CALR، وكانت للطفرات في هذا الجين تأثيراتٌ مختلفة على الأنواع المختلفة من الخلايا (على معدل التكاثر مثلًا).

كبر الصورة

كما استخدم الباحثون تحليلًا إحصائيًّا لـ"تصنيف" عينات الخلايا السلفية إلى أنواعٍ مختلفة، اعتمادًا على أنماط التعبير الجيني الخاصة بها (شكل 1). وكانت الأنواع كلها التي حَدَّدوها تحتوي على خلايا حاملة لطفرات جين CALR، وعلى خلايا غير حاملة لها، لكنَّ احتمالية أن تسلك الخلايا المحتوية على طفراتٍ في جين CALR مسارات تمايز معينة كانت أكبر منها في الخلايا غير الحاملة لطفرات، ومن ثم كان هناك احتمال بشكل أكبر أن تتحول إلى أنواعٍ محددة من خلايا الدم. وإضافةً إلى ذلك.. وَجدت نام وزملاؤها أنَّ تأثيرات الطفرة عندما توجد في الخلايا السلفية لا يمكن ملاحظتها إلا في المراحل المتأخرة فقط من التمايز الخلوي، وأنَّ نسل الخلايا المحتوية على طفرات جين CALR كان أكثر وفرةً من نسل نظائرها من الخلايا غير الطافرة، واتسم بنمط تعبير جيني محدد. وهذه الملاحظات لم يكن من الممكن التوصل إليها باستخدام التقنيات التقليدية، وهو ما يوضح مدى أهمية الطريقة المستخدَمة.

ورغم وجود بعض أوجه القصور في تلك الطريقة، يمكن معالجة هذا القصور - على الأرجح - بتطويع التقنية؛ لتلائم الطرق الحديثة للعمل على الخلايا المفردة. فأولًا، تتطلب تقنية «تحديد النمط الجيني للترانسكربتومات» حاليًّا معرفةً مسبقة بهوية الجين الطافر، أو هوية مجموعة صغيرة من الجينات التي يُحتمَل وجود طفرات بها. وكمثال على ذلك.. استخدم الباحثون نسخةً من تقنية التحليل خاصتهم، تتناول بالدراسة عناصر متعددة، ويمكنها أن تَستهدف في وقتٍ واحد أجزاءً عديدة محددة سلفًا من التسَلْسُلات الجينية، لفحص ثلاثة من الجينات. وفي حال عدم تحديد طفرات أو جينات أو مناطق بعينها من الجينوم مسبقًا ليستهدفها التحليل (اعتمادًا على ارتباط الطفرة بانتشار مرض ما، على سبيل المثال)، فإنَّ هذا التحليل يمكن أن يُستخدم نظريًّا لتغطية مجموعاتٍ أكبر من الجينات، لكنَّ ذلك ربما لا يكون نهجًا عمليًّا من حيث التكلفة.

ثانيًا، التقنية أقل كفاءة في كشف الطفرات التي تحدث قرب منتصف الجين، مقارنةً بتلك التي تحدث قرب أطرافه. ومن الحلول الممكنة لهذه المشكلة استخدام منصةٍ أقل إنتاجية، تسمح بتحليل نسخٍ كاملة من الحمض النووي الريبي في الخلايا المفردة4،5. ونظريًّا، يمكن لهذه الطريقة كشف الطفرات في أي مكانٍ بالأجزاء المُرمِّزة للحمض النووي الريبي من الجين، لكنّ نام وزملاءها يطرحون طريقةً بديلة، من خلال توضيح أنَّ هناك تقنيةً متوافقة مع منصتهم عالية الإنتاجية، وهي تقنية تسمَّى «تعيين تسلسل الحمض النووي بالثقب النانوي»، التي يتم فيها تعيين تسلسل نُسَخ كاملة من الحمض النووي عبر تمريرها خلال ثقبٍ دقيق.

ثالثًا، لا تستطيع تقنية الباحثين كشف الطفرات في التسلسلات الجينية غير المنسوخة، التي يمكنها التأثير على التعبير الجيني، لكن ربما يمكن دراسة مثل هذه التسلسلات بالجمْع بين تقنية «تحديد النمط الجيني للترانسكربتومات»، وتقنيةٍ أخرى تقيس مدى إمكانية وصول الإنزيمات إلى تَسَلْسُلاتٍ محددة من الحمض النووي في الخلايا6.

وقد استخدم بحثٌ حديث7 مقاربةً أخرى عالية الإنتاجية؛ لتطبيق استراتيجية تضخيم موجَّه مشابهة، بغرض دراسة نوعٍ من سرطانات الدم يُعتقَد أنَّه ينجم جزئيًّا عن خللٍ في عملية تكوُّن الدم، تتسبب فيه طفرات الخلايا السلفية. وحدد مؤلفو ذلك البحث أيضًا مجموعةً من الجينات التي عُبِّر عنها معًا في الخلايا السلفية الخبيثة فقط (أي الخلايا السلفية التي بها طفرة مرتبطة بسرطان)، ووصفوا نهجًا لتَعَلُّم الآلة يَستخدِم البيانات الخاصة بالتعبير الجيني؛ لتمييز الخلايا الخبيثة من الخلايا غير الخبيثة، حتى بدون استخدام معلوماتٍ محددة مسبقًا عن تَسَلْسُل الجين. وسيكون من المثير للاهتمام أن نرى ما إذا كان نهج تعَلُّم الآلة هذا يمكن أن يَستخدِم بيانات التعبير الجيني التي حصلَتْ عليها نام وزملاؤها لتمييز الخلايا الخبيثة من الخلايا غير الخبيثة، بيد أنَّ الحصول على معلوماتٍ حول تسلسل الجينات في خلايا مفردة يظل أكثر صعوبة من قياس التعبير الجيني. ومن ثم، فإن الطرق التي تتنبأ بوجود خلايا خبيثة، اعتمادًا على التعبير الجيني للخلايا المفردة فقط، قد تكون لها دلالات إكلينيكية واسعة.

ومن الناحية النظرية، يمكن استخدام تقنية «تحديد النمط الجيني للترانسكربتومات»، والمقاربات المشابِهة لها؛ لدراسة أي نوعٍ من السرطان. وتتميز هذه المقاربات بالقدرة على أنْ تحدِّد بدقة تأثير الطفرات في جيناتٍ معلومة على تطوُّر الخلايا اللاحق، كما تتسم بالقدرة على تحديد ما إذا كانت طفراتٌ معينة كافية لنشوء السرطان، أم لا. ويمكن لمعلوماتٍ مهمة كهذه أن تسلط الضوء على الآليات الكامنة وراء نشوء سلالات نسيلية من الخلايا في مرض السرطان.

References

  1. Nam, A. S. et al. Nature 571, 355–360 (2019) | article
  2. Kang, H. M. et al. Nature Biotechnol. 36, 89–94(2018). | article
  3. Zheng, G. X. Y. et al. Nature Commun. 8, 14049 (2017). | article
  4. Gupta, I. et al. Nature Biotechnol. 36, 1197-1202 (2018). | article
  5. Macaulay, I. C. et al. Nature Methods12, 519-522 (2015). | article
  6. Buenrostro, J. D. et al. Nature523, 486-490 (2015). | article
  7. van Galen, P. et al. Cell176, 1265-1281 (2019). | article

سيدارث راجو، وتشون جيمي يي يعملان بقسم الطب في معهد الوراثة البشرية، ومعهد باكار للعلوم الصحية الحاسوبية بجامعة كاليفورنيا، الواقعة في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا، 94143، الولايات المتحدة.

البريد الإلكتروني: Jimmie.ye@ucsf.edu