تحقيق إخباري

معركة أب

 إن سَعْي أحد الآباء لإعطاء أبنائه مبيدات حشائش ضارة كدواء، قد يساعد آلافًا من الذين يعانون حالات مرضية وراثية نادرة.

ديفيد آدم

  • Published online:
نِك سيرو تخلَّى عن وظيفته، للمساعدة في إيجاد علاج فعّال لمرض البول الأسود.

نِك سيرو تخلَّى عن وظيفته، للمساعدة في إيجاد علاج فعّال لمرض البول الأسود.

Brian David Stevens

كرنب أحمر؟ لم يستطع نِك سيرو أن يفهم المغزى من سؤال الطبيب عن الكرنب الأحمر. كان الوقت متأخرًا في إحدى ليالي شهر أكتوبر من عام 2000، وكان نِك وزوجته سونيا قد اكتشفا للتوّ ما أقلقهما؛ فقد تَحَوَّل لون بول ابنهما جوليان - البالغ من العمر أسبوعين - فجأة إلى اللون الأحمر الداكن، بل كان اللون أقرب ما يكون إلى الأسود. طمأنهما الطبيب، الذي زارهما في شقتهما الضيقة الواقعة في لندن، إلى إنّ ذلك ليس دمًا. ورجَّح أن مصدر تلك الصبغة قد يكون بعض الكرنب الأحمر الذي تناولته سونيا على الغداء، وأن الصبغة تسربت إلى حليب ثديها، وكانت السبب في اصطباغ بول الطفل بذلك اللون. وأخبرهما الطبيب أنه ليس هناك ما يدعو للقلق.

لم يكن نِك قد درَس علم الأحياء منذ أن أنهى دراسته في المدرسة، لكنّ ثمة ما بدا غير صائب في تفسير الطبيب. لذا، سعى هو وزوجته للحصول على رأيٍ ثانٍ. ومن ثم، أُحِيلا إلى أخصائي في أحد مستشفيات لندن.

لم يكن الكرنب الأحمر مصدر اللون؛ فقد كشفت الاختبارات أن جوليان مصاب بمرض وراثي نادر يُسمَّى «مرض البول الأسود»، أو «البيلة الكابتونية» Alkaptonuria (اختصارًا AKU). وقد جاء تلوُّن البول من مُستَقلَب كيميائي شاذ، هو منتَج ثانوي، ناشئ عن عدم القدرة على معالجة بروتينات معينة بصورة كاملة. وكان جسد الرضيع يتخلص من كميات هائلة من تلك المادة عبر البول الذي تحول لونه إلى اللون الأحمر عند تعرضه للهواء.

الأسوأ من ذلك، أن تلك المادة الكيميائية كانت تسري في مجرى الدم، وتتراكم في مفاصل الرضيع، وأنسجته الرخوة... في عينيه، وأوتاره، بل وحتى في قلبه. ومع وصول هذا الرضيع إلى سن البلوغ، سوف تبدو على جسده – حسب آراء الأخصائيين – مظاهر تشير إلى أنه أكبر سنًّا بكثير. وفي العادة، لا يُعد مرض البول الأسود مرضًا مميتًا، لكنّ الأشخاص المصابين به غالبًا ما يضطرون إلى استبدال مفاصل المرفقين، والركبتين، والفخذين عندما يصلون إلى سن الأربعين. وقد استطاع نِك وسونيا تقليل كمية البروتين في طعام جوليان؛ لإبطاء تلك التأثيرات، لكنْ لم يكن بوسعهما فعل أي شيء أكثر من ذلك، أو بعبارة أخرى... لم يكن هناك علاج متاح.

حول ذلك، يقول نِك: "لقد كانت صدمة حقيقية. لم نسمع بذلك المرض من قبل، ولم يكن لدينا أيّ فكرة عما ينبغي لنا فعله. طلب منّا الأطباء ألا نبحث عن المرض على الإنترنت، ولكنّ ذلك بالطبع هو أول ما فعلناه. كان مريعًا."

انبرى نِك بكل كيانه للعثور على وسيلة لتخفيف معاناة ابنه الصغير. وكما اتضح فيما بعد، كان الباحثون قد توصلوا إلى علاج محتمَل، لكن ذلك الدواء كان يُعطَى آنذاك للرضع؛ لمساعدتهم على التغلب على حالة مرضية مختلفة. بعبارة أخرى، لم يحصل الدواء على موافقة لاستخدامه مع «مرض البول الأسود». وكان الطريق نحو الحصول على هذه الموافقة تعترضه عقبة كؤود، ألا وهي ضرورة إجراء تجربة إكلينيكية عشوائية شاملة. وهذا وصعب ومكلف بما فيه الكفاية فيما يخص الأدوية المستخدَمة لعلاج الأمراض الشائعة، وبالتالي كان الموقف أصعب بكثير فيما يتعلق بحالةٍ كتلك، لم يُسمع عنها تقريبًا من قبل.

لكن اليوم، والفضل يعود بدرجة كبيرة إلى جهود نِك، قد يصبح ذلك العلاج متاحًا على نطاق واسع للأشخاص المصابين بمرض البول الأسود في أوروبا في غضون السنوات القليلة المقبلة. وقد تكون تلك أول وسيلة فعالة لوقف هذا المرض، الذي تعرَّف عليه الباحثون قبل أكثر من قرن. لكنّ شبكة التحديات التي واجهها نِك تُعد بمثابة عِبرة للمرضى، والباحثين الساعين لمحاربة اضطرابات نادرة أخرى. ولا شك أن عدد تلك الحالات سوف يستمر في التزايد بشكل متزامن مع تطورات علم الوراثة، التي ستكشف الحاجة إلى علاجات تستهدف مجموعات سكانية أصغر فأصغر.

ويقول آلستر كينت، المدير السابق لمؤسسة «اتحالف مكافحة الأمراض الوراثية بالمملكة المتحدة» Genetic Alliance UK، وهي مؤسسة جامعة لأكثر من 200 مجموعة لمرضى مصابين بأمراض نادرة: "نحتاج بالفعل إلى إجراءات علمية صارمة، ومُحْكَمة، لكننا أيضًا بحاجة إلى طرق جديدة؛ لإثبات جودة الأدوية الجديدة، وأمانها، وفعاليتها". وفي الوقت الحالي، يحاول نِك أن يضمن أن الرحلة ستكون أكثر سلاسة للآخرين، مقارنةً بما كان عليه الأمر بالنسبة إليه وإلى عائلته.

عدو تاريخي

وضع أرتشيبالد جارود وصف مرض البول الأسود - لأول مرة عام 1902، وكان ما لفت نظره إلى المرض هو تغيُّر لون البول الناجم عن تراكم حمض الهوموجنتيزيك1. وقد لاحظ جارود أن المرض يتبع «أنماط الوراثة المندلية»، ومن ثم أصبح المرض أول مرض يُعزى إلى سبب وراثي، على الرغم من أن جزء الجينوم المسؤول عن حدوث المرض لم يُكتشَف إلا بعدها بـ90 عامًا، أو نحو ذلك2.

ويحدث المرض عندما يتعرض شخص ما لطفرات في كلتا نسختَي الجين المسؤول عن تكوين إنزيم يُعرف باسم HGD. ويوجد هذا الإنزيم في الكبد والكلى، ويساعد الخلايا على تكسير الحمض الأميني «تايروسين» Tyrosine3. وقد أصبح مرض البول الأسود أحد الموضوعات الأساسية في الكتب الدراسية التي تتناول علم الوراثة، لكن الوصف المبكر الذي وضعه جارود للمرض تم اعتباره مثار فضول لا ضرر منه، لكنْ مع الأسف، ظلت الحال كذلك.

مرض البول الأسود – مثله مثل العديد من الحالات النادرة – لم يُنظر إليه على أنه مرض مهم، أو مُربِح بما يكفي، لكي يسترعي قدرًا كبيرًا من الاهتمام من جانب مطوِّري الأدوية. ولم ينظر الأطباء إلى المرض على أنه خطير، وكان المصابون به قليلين جدًّا، ومتفرقين هنا وهناك، إلى حد لا يسمح بممارسة الضغط لإحداث تغيير. لذا، عندما بدأ نِك البحث على الإنترنت للحصول على مساعدة بشأن حالة ابنه التي تم تشخيصها حديثًا، لم يجد من المعلومات سوى أقل القليل الذي يمكن الاعتماد عليه؛ فلم يعثر إلا على بعض المعلومات التي نشرها مريض من مدينة ليفربول بالمملكة المتحدة. فاستقل قطارًا، متجهًا شمال البلاد، ليزور هذا المريض.

كان بوب جريجوري شخصًا مباشرًا وصادقًا في حديثه، وهو مسؤول سابق في نقابة عمالية، وفي مجلس مدينة ليفربول. وقد تم تشخيصه بالإصابة بمرض البول الأسود في وقت لاحق من حياته. وكما حدث مع نِك وسونيا، قيل لجريجوري إنه لا يوجد علاج لحالته، لكن جريجوري أخبر نِك أنه يسعى جاهدًا لتغيير ذلك الوضع. سبق لجريجوري أن التقى بأحد الاستشاريين في مستشفى جامعة ليفربول، وعبَّر في ذلك اللقاء عمّا يدور بداخله من إحباط وخيبة أمل. لماذا تخلّى الطب عن الأشخاص المصابين بهذا المرض؟ كان المرض - حسب قول جريجوري - قد أدى إلى تيبُّس مفاصله، وجعله يشعر وكأنه يعيش حياته مرتديًا بذلة مدرعة ثقيلة. لماذا لم يحاول العلماء إيجاد علاج للمرض؟

قال الطبيب لاكشمينارايان رانجاناث - المعروف للكثيرين باسم رانجا – لجريجوري، إنه سيفعل ما في وسعه للمساعدة، أو كان هذا – على الأقل - ما يتذكر جريجوري أن رانجا قاله. فأسرع جريجوري بتسجيل اسم رانجا - دون أن يخبره في البداية - كمدير طبي لمؤسسة خيرية أراد جريجوري تأسيسها. وانضم نِك أيضًا إلى تلك المؤسسة، ووعد بجمع أموال التبرعات؛ لدعم أبحاث رانجا.

ووافق رانجا على المشاركة، لكنه لم يخطط فعليًّا لإجراء الكثير من الأبحاث؛ فقد كان منشغلًا بأبحاثه على مرض السكري، وعلى السمنة، وقد وعى إلى أن الأطباء الأمريكيين يخططون لإجراء تجربة إكلينيكية على عقار واعد لعلاج المرض. في ذلك، يقول رانجا: "كنت أعتقد فعلًا أن الأمر سوف يأخذ جزءًا ضئيلًا جدًّا من وقتي. وكنت أرى أن التحدي الرئيس سيتمثل في كيفية إتاحة الدواء بمجرد انتهاء التجربة".

أُجريت تلك التجربة على عقار يُدعى «نيتيسينون» Nitisinone، وهو عقار تم تطويره - في الأصل - كمبيد للحشائش في ثمانينيات القرن الماضي، لكن اتضح أن له تأثيرات سامة على الأسماك، والجرذان. فتم وقف تطويره كمبيد للحشائش، لكن الشركة التي تملكه - وهي شركة «زينيكا آجروكيميكالز» Zeneca Agrochemicals - طلبت من بعض الأخصائيين في المملكة المتحدة دراسة طريقة عمله. فاكتشف الباحثون أن «نيتيسينون» يقتل النباتات بطريقة غير متوقعة، إذ يمنع إمدادات الكلوروفيل في هذه النباتات، عن طريق تعطيل إنزيم يُسمى HPPD. ووفقًا للأدبيات العلمية، كان الخبير الأبرز على مستوى العالم فيما يخص ذلك الإنزيم هو سفين ليندستيدت، الطبيب السريري بأحد مستشفيات مدينة جوثنبرج السويدية. ومن ثم، أجرى الباحثون اتصالًا هاتفيًّا بليندستيدت عام 1991. وكان رد فعله صاعقًا للباحثين، فقد أراد إعطاء «نيتيسينون» للأطفال.

كان ليندستيدت يبحث عن طريقة لتثبيط هذا الإنزيم؛ لإنقاذ حياة الرُّضَّع والأطفال الذين يعانون حالة مرضية تُسمى «فرط تايروسين الدم الوراثي من النوع الأول» (HT1)، وهي حالة تنتج عن اختلال يحدث في المسار الاستقلابي نفسه الذي يتضرر في مرض البول الأسود. وعلى الرغم من أن مبيد الحشائش كان سامًّا، كانت تأثيرات «فرط تايروسين الدم الوراثي من النوع الأول» مدمرة ومميتة، لدرجة جعلت الأمر جديرًا بالمحاولة. ووصف ليندستيدت هذه النتائج التي خلص إليها في ورقة بحثية نُشِرَت في دورية «ذا لانسيت»  The Lancet عام 1992، وقال إن مفعول العلاج كان أفضل مما كان يأمله أي شخص4.

وبموجب القوانين التي ظهرت في شتى أنحاء العالم في ثمانينيات القرن الماضي، سُمح للشركات بالحصول على حوافز مالية، مثل تمديد فترة حماية براءات الاختراع؛ للمساعدة في التسويق التجاري لعلاجات خاصة بأمراض نادرة، مثل مرض «فرط تايروسين الدم الوراثي من النوع الأول». وأمكن لهذه "الأدوية اليتيمة" (المخصصة لأمراض نادرة) أن تكون باهظة السعر. وعليه، استحوذت شركة «سويديش أورفان بايوفيتروم» Swedish Orphan Biovitrum - ومقرها ستوكهولم - على ترخيص «نيتيسينون»، وقامت بتسويقه تحت اسم «أورفادين» Orfadin.

والآن، هذا المُركَّب – الذي كان رخيصًا للغاية لحد أنه صُنع ليتم نثره على الأرض – صار مُركَّبًا تدر مبيعاته ملايين الدولارات، فبلغت قيمتها 96 مليون دولار أمريكي في عام 2017. وقد تم كل ذلك من دون إجراء تجربة عشوائية مُضبطة. إذ اعتُبر داء «فرط تايروسين الدم الوراثي من النوع الأول»خطيرًا، لحد أنه سُمِح باستخدام الدواء - في البداية - بموجب إعفاء للاستعمال بداعي الرأفة، ثم أجيز في وقت لاحق، بموجب اتفاق يقضي بأن تجمع الشركة المنتجة له البيانات الضرورية المتعلقة بأمانه وفعاليته.

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

SPL

مرض البول الأسود معروف منذ أكثر من قرن، ويُعَد من الأمراض البارزة في سياق علم الوراثة الطبي الحديث.

1500 قبل الميلاد

شوهدت علامات للمرض على المومياء المصرية "حاروا".

1902

أرتشيبالد جارود (في الصورة) اقترح أن مرض البول الأسود يتبع أنماط الوراثة المندلية1، وهو ما يجعل المرض أول مرض وراثي يتم التعرف عليه.

1958

أوضح  بيرت لا دو وزملاؤه بالطرق البيوكيميائية أن إنزيمًا واحدًا مفقودًا هو المسؤول عن تلك الحالة المرضية3.

1993

حَدَّد مارتن بولاك وزملاؤه الكروموسوم 3 كموقع للجين المسؤول عن ترميز ذلك الإنزيم2.

2003

 أَسَّس بوب جريجوري جمعية مرض البول الأسود، بالتعاوُن مع الطبيب لاكشمينارايان رانجاناث.

2005-2008

توصلت تجربة إكلينيكية أمريكية، مصممة لدراسة استخدام العقار «نيتيسينون»، إلى أن العقار أظهر بعض الفوائد الإكلينيكية في علاج مرض البول الأسود، لكن التجربة لم تتمكن من تحقيق نقاط الانتهاء المبدئية المحددة لها5.

2012  

تم تدشين المركز الوطني لمرض البول الأسود في كامبريدج بالمملكة المتحدة، وإتاحة «نيتيسينون» للسكان المقيمين، كجزء من دراسة رصدية.

2015

بدأَتْ تجربة عشوائية مُضبطة، وواسعة النطاق، في اختبار عقار «نيتيسينون» في أوروبا. وتضمنت التجربة نقاط انتهاء بديلة، واستبعدت العلاج الوهمي، لكنْ من المنتظر أن تكون تجربة مُرضِية للجهات التنظيمية الأوروبية.

2019

التاريخ المتوقع لانتهاء التجربة الأوروبية.

نقاط انتهاء غير مرنة

أدرك الأطباء أن ما نجح مع «فرط تايروسين الدم الوراثي من النوع الأول» يُتوقع - من الناحية النظرية - أن ينجح مع مرض البول الأسود، إذ إن تعطيل إنزيم HPPD يوقف تكسُّر الحمض الأميني تايروسين، كما أن إبطاء عملية استقلاب التايروسين لدى الأشخاص المصابين بمرض البول الأسود يفترض به أن يوقف إنتاج حمض الهوموجنتيزيك بكميات كبيرة لديهم.

وعى المرضى ذلك أيضًا، وكان الكثير منهم يتوقون بشدة إلى الحصول على هذا الدواء. وقد نجح بعضهم في ذلك، وأبلغوا عن حدوث تحسُّن في حالاتهم، لكن معظم محاولات الأطباء لوصف الدواء لمرض غير المرض الأصلي الذي تم ترخيص الدواء له قوبل بالرفض من جانب شركات التأمين الطبي وغيرها من الجهات الرقابية، لأن الدواء كان مُكلفًا للغاية. فيقول رانجا: "لم أستطع الحصول على «نيتيسينون» لبوب. إذ كانت تكلفته تبلغ 4000 جنيه إسترليني [5000 دولار أمريكي] في السنة". وفي الولايات المتحدة، كان سعر الدواء أقرب إلى 30 ألف دولار. وللحصول على تغطية تأمينية تشمله، كان لا بد من الحصول على موافقة على الدواء، وهو ما كان يعني ضرورة إجراء تجربة.

وعندئذ، جاء التدخل من جانب الحكومة الأمريكية. ففي الفترة ما بين عامي 2005، و2008، قام باحثون من معاهد الصحة الوطنية (NIH) بتجربة «نيتيسينون» على أشخاص مصابين بمرض البول الأسود. وكانت تلك هي التجربة التي أمِل رانجا أن تُسفر عن نتائج إيجابية، لكن بالنظر إلى ما حدث، تبين أن الدراسة كان محكومًا عليها بالفشل منذ البداية؛ فقد تم اختيار 40 مريضًا فقط، ونصفهم لم يُعْطَ الدواء. وتم وضع تعريف لمدى نجاح العلاج - أي نقطة الانتهاء الإكلينيكية - من منظور ضيق للغاية؛ فقد قاس الأطباء مرونة الفخذ لدى المشاركين، وعندما لم تُظهِر مجموعة العلاج فرقًا ملحوظًا، مقارنةً بالمجموعة المضبطة فيما يتعلق بهذا المقياس، اعتُبرت التجربة فاشلة.

وتقول ويندي إنترون، العالمة التي قادت الدراسة بمعاهد الصحة الوطنية: "لقد كان خبرًا مؤلمًا للغاية. كنتُ أعلم أن المجتمع العلمي ينتظرالنتيجة، وكنا نتوقع جميعًا أن تسفر التجربة عن نتائج إكلينيكية طيبة".

وقد تمثَّل جزء من المشكلة في أن حركة الفخذ في المجموعة المضبطة لم تتدهور بالقدر المتوقع. ووفقًا لتخمين إنترون، نتج ذلك عن حصول جميع المشاركين في التجربة على جلسات منتظمة من العلاج الطبيعي، كجزء من الدراسة. وحسب قول إنترون، كان فشل التجربة محبِطًا بشكل خاص، لأن مفعول «نيتيسينون» جاء بالضبط كما هو متوقَّع منه من المنظور البيوكيميائي؛ فقد انخفضت مستويات حمض الهوموجنتيزيك بشكل حاد لدى المشاركين الذين تلقوا العلاج5.

ومع هذا، ما كان «نيتيسينون» ليحصل على الموافقة في الولايات المتحدة من دون أن يحقق الأهداف المرجوة منه بانتهاء الدراسة. كما أن شركات التأمين وغيرها من المسؤولين الصحيين الذين يرفضون تغطية تكاليف استخدام الأدوية لغير الأمراض التي صُرِّح بالأدوية لها صار لديهم الآن سبب آخر، فالأدلة أشارت إلى أن الدواء غير فعال. وفجأة، أصبحت المؤسسة الخيرية في ليفربول تمثل الأمل الكبير التالي في علاج هذا المرض. حول ذلك، يقول رانجا: "كنا نعلم أنّ بإمكان الدواء أن ينجح، وكنا نعلم أننا نستطيع إثبات ذلك".

تجربة كبيرة

لكي تنجح أيّ تجربة إكلينيكية، ولكي تتمكن من إقناع الجهات التنظيمية، كان على فريق مؤسسة «ليفربول» إيجاد نقطة انتهاء يُعول بصورة أكبر عليها. وكان ذلك يعني تتبُّع الكيفية التي يتطور بها المرض في كل من الحيوانات والبشر. وقد تطلب ذلك إجراء المزيد من الأبحاث، وهوما استلزم توفير المال.

ربما لم تكن محاولة نِك الأولى في جمع التبرعات، كما تصورها في بادئ الأمر. ففي عام 2005، خاض سباق ماراثون نصفي برعاية إحدى الجهات؛ لجمع الأموال اللازمة لنقل جثمان مريضة كانت مصابة بمرض البول الأسود، توفت عن عمر 74 عامًا، وذلك من نوتنجهام إلى ليفربول. وقد علق رانجا على ذلك قائلًا: "كلف ذلك 450 جنيهًا إسترلينيًّا. ولا زلت أحتفظ بالإيصال حتى الآن".

كانت نتائج عملية تشريح الجثة مثيرة للاهتمام، فبالرغم من أن الأنسجة الرخوة للمتوفاة كانت صلبة وسوداء تمامًا، نتيجة لتراكم حمض الهوموجنتيزيك، كان نمط تراكمه في أنسجة مثل العظام يأخذ شكل رُقَع. وقد أشار هذا إلى وجود آلية معقدة، تتراكم من خلالها الرواسب المُسبِّبة للأضرار. فيقول رانجا: "كانت تلك هي نقطة البداية. وقد بدأت أفكارنا المتعلقة بدراسة مرض البول الأسود انطلاقًا من نتائج هذا التشريح".

نِك – الذي تخلى عن وظيفته، وبدأ في عام 2010 تكريس كل وقته لجمع التبرعات لـصالح أبحاث علاج مرض البول الأسود – نجح في الحصول على 500 ألف جنيه إسترليني (633 ألف دولار أمريكي) من «صندوق اليانصيب الكبير» Big Lottery Fund في بريطانيا. وذهبت تلك الأموال إلى جيمس جالاجر، باحث الجهاز العضلي الهيكلي بجامعة ليفربول، من أجل تطوير نموذج لفئران مصابة بتلك الحالة المرضية. وعَبْر تعطيل جين معين، ظهر لدى الفئران التراكم المتوقع لحمض الهوموجنتيزيك، وكذلك حدث التراجع المتوقع في مستوى تلك المادة الكيميائية عندما أُعطيت الفئران عقار «نيتيسينون»6.

وتمكنت مجموعة ليفربول آنذاك - عن طريق مكاتبة الممارسين العموميين في بريطانيا، البالغ عددهم 60 ألفًا - من تحديد الأعراض الموجودة لدى 81 شخصًا مصابًا بمرض البول الأسود في المملكة المتحدة، وتحليلها. و(يُعتبر هذا العدد كبيرًا جدًّا بالنظر إلى أن هناك فقط ما يتراوح بين 70، و280 مصابًا بهذا المرض في المنطقة بأكملها). وقد استخدم الباحثون تلك الملاحظات لوضع مؤشر لشِدَّة الأعراض، وتقييم آثارها ككل.

وبعدها، حان وقت الخطوة الكبرى، والتي تمثلت في إجراء تجربة إكلينيكية واسعة النطاق. ويقول رانجا: "بحلول ذلك الوقت، كانت معلوماتنا عن مرض البول الأسود تفوق معلومات معاهد الصحة الوطنية. وخالجنا شعور بأننا نستطيع القيام بالتجربة بشكل صحيح". وفي عام 2012، وافقت المفوضية الأوروبية على التجربة، وأعلنت أنها سوف ترصد خمسة ملايين جنيه إسترليني لتمويل إجراء التجربة واسعة النطاق.

رغم ذلك، ظهرت إشكالية جديدة؛ فبفضل الضغوط التي مارسها نِك بشكل جزئي، وافقت هيئة الخدمات الوطنية الصحية بالمملكة المتحدة (NHS) على إتاحة «نيتيسينون» بالمجان لجميع المرضى الذين تزيد أعمارهم على 16 عامًا في إنجلترا وأسكتلندا، طالما كان بوسعهم السفر إلى أحد المراكز في ليفربول (يحمل هذا المركز حاليًّا اسم جريجوري، الذي توفي عام 2014).

ويمكن القول إن نِك حقق هدفه الأصلي، فابنه جوليان، وكذلك ابنه الأصغر دانيال – الذي كان بدوره مصابًا بالمرض – أمكنهما الحصول على عقار «نيتيسينون». هذا من ناحية، لكنْ من ناحية أخرى، عني هذا أن المرضى في المملكة المتحدة لن يتمكنوا من الانضمام إلى التجربة؛ فقد حصل عدد كبير جدًّا منهم على الدواء من خلال هيئة الخدمات الوطنية الصحية. لذلك، وَجَّه الفريق أنظاره إلى خارج البلاد، وتعرف على 400 شخص آخرين مصابين بالمرض في بلدان في أوروبا وخارجها. وتضمنت الحصيلة الجديدة من المتطوعين مجموعة من 19 مريضًا من الأردن، حيث ينتشر مرض البول الأسود على نحو غير معتاد في بعض قرى الريف. ويقول محمد السبوع - الذي يتولى تنسيق الجهود هناك - إنه اكتشف بؤرًا كبيرة من انتشار هذا المرض، ويتابع قائلًا: "كثير منهم أقارب لي من قريتي في جنوب البلاد".

قد يؤدي حمض الهوموجنتيزيك إلى إزالة غضاريف العمود الفقري مع تطور مرض البول الأسود (من اليمين إلى اليسار).

قد يؤدي حمض الهوموجنتيزيك إلى إزالة غضاريف العمود الفقري مع تطور مرض البول الأسود (من اليمين إلى اليسار).

Lakshminarayan Ranganath

وفي عام 2015، بدأت تجربة «نيتيسينون» في أوروبا على 138 مريضًا، وتمكّن الباحثون من توسيع مدى بعض الحدود المعتادة للتجارب العشوائية. فعلى غير المعتاد، لم يكن هناك دواء وهمي، فالدواء يوقف تحوُّل لون البول إلى اللون الأسود. من هنا ، كان المرضى يعلمون بوضوح ما إذا كانوا قد تلقوا الدواء، أم لا. وبدلًا من ذلك، تُركت المجموعة المضبطة دون علاج، وكان أفرادها يعلمون ذلك جيدًا. عن ذلك، يقول نِك إن هذا كان قرارًا "محزنًا". ومع ذلك، انسحب ما يقرب من اثني عشر شخص فقط من هؤلاء المرضى من الدراسة، وهو ما أوضح – حسب قول رانجا – تفاني المشاركين في السعي لإيجاد علاج. ويتابع رانجا قائلًا: "كان هؤلاء المرضى متحمسين، لأنهم عانوا عزلة تامة في السابق".

لقد كانت التجربة الأوروبية أكبر من الجهود التي بذلتها معاهد الصحة الوطنية، لكنْ هناك فَرْق آخر أكثر أهمية؛ فبدلًا من الاضطرار إلى إثبات حدوث فائدة إكلينيكية ملموسة (في دوران الفخذ، أو أي مقياس تشريحي آخر)، اقترحت الجهات التنظيمية أن يتم الحكم على التجربة بشكل أساسي استنادًا إلى نقطة انتهاء بديلة، ألا وهي وجود مستويات منخفضة من حمض الهوموجنتيزيك، على أن تكون مصحوبة بـ"منحى إيجابي" غير محدد فيما يتعلق بتخفيف حدة الأعراض. وإذا أمكن تحقيق هذين الهدفين، فسيحظى «نيتيسينون» بالموافقة على استخدامه كعلاج لمرض البول الأسود في أوروبا.

ويقول كينت إن هذا يُعَد مثالًا جيدًا على المرونة في إجراء التجارب، ويقترح أنْ تأخذ الجهات التنظيمية في اعتبارها أيضًا حالات الاختلاف، مثل التجارب التي تُجرى على شخص واحد، والتي يتم فيها تقديم العلاج إلى مريض واحد في كل مرة؛ لبناء اتجاه معين. وكذلك يؤيد كينت الجهود التي تتحرك بسرعة أكبر نحو الحصول على موافقة مشروطة، تقضي بجمع المزيد من البيانات، بعد حصول المرضى على الدواء. وحسب قول كينت، ستصبح مثل هذه الخطوات أكثر أهمية في حال الأمراض الشائعة أيضًا، لأن التحليلات الوراثية تقسم مجموعات المرضى إلى مجموعات فرعية متمايزة أصغر حجمًا. ويضيف كينت: "عند تلك النقطة، يبدأ النهج التقليدي في التفكك والانهيار".

في جميع أنحاء العالم، تخضع الجهات التنظيمية لضغوط تتمثل في تسريع الموافقة على العلاجات، من دون التضحية باختبارات تقييم الأمان والفعالية. وبعض الجهود تكون مثير للجدل. فعلى سبيل المثال، هناك خطة في اليابان للموافقة على علاجات باستخدام الخلايا الجذعية، قبل التأكد من مدى فعالية هذه العلاجات. وثمة قوانين في الولايات المتحدة يُطلق عليها "الحق في التجربة"، وهي تسمح للمرضى الميؤوس من شفائهم بتعاطي أدوية غير مصرح باستخدامها. وفي عام 2012، شارك نِك في تأسيس مؤسسة خيرية أخرى؛ لمساعدة الأشخاص المصابين بأمراض نادرة، وكذلك مساعدة القائمين على رعايتهم، في دعم جهود تطوير الأدوية اليتيمة.

ويتوقع جميع المشاركين في تجربة مرض البول الأسود أن تظهر على الأشخاص الذين يتلقون العلاج علامات التحسن الضرورية، لأسباب من أهمها بعض النتائج الإيجابية التي أشارت إليها  في وقت سابق من هذا العام هيئة الخدمات الوطنية الصحية، والتي أطلقت  بشكل رسمي على برنامجها الخاص بإتاحة العلاج اسم «دراسة رصدية». إنّ النتائج لم تُظهِر حدوث الانخفاض المتوقع في مستويات حمض الهوموجنتيزيك في مسار الدم فحسب، بل أظهرت أيضًا حدوث انخفاض في سرعة تطور المرض، وهو ما تم قياسه باستخدام مؤشر شدة الأعراض، الذي طوره فريق العمل في ليفربول7. إنّ هذه الورقة البحثية تستنتج – ببساطة - أن "الـ«نيتيسينون» علاج مفيد لمرض البول الأسود".

من هنا يقول رانجا: "بإمكاني أن أجزم بأن الفارق هائل. وأعتقد أننا أحدثنا تغييرًا حقيقيًّا. ومِن الرائع أن يكون المرء قادرًا على فعل ذلك".

تلقّى جوليان سيرو، الذي يبلغ عمره الآن 18 عامًا، جرعته الأولى من «نيتيسينون» في أغسطس من العام الماضي. ويعود الفضل في هذا – بدرجة كبيرة – إلى أبيه. ومن المنتظر كذلك أن يحصل دانيال – شقيق جوليان – على العلاج قريبًا. وإذا سارت جميع الأمور على ما يرام في الدراسة الأوروبية، فإن الموافَقة على الدواء سوف تسهم في تأمين الإمداد بما يُعَد الآن موردًا مؤقتًا في المملكة المتحدة، وسوف يتمكن المرضى في شتى أنحاء أوروبا من الحصول على الدواء.

لكن الوضع مختلف في أماكن أخرى؛ فلا يزال «نيتيسينون» بحاجة إلى موافقة إدارة الغذاء والدواء في الولايات المتحدة؛ لكي يصل إلى المرضى هناك. وعلى عكس الأوروبيين، أشار المسؤولون الأمريكيون إلى أن اقتراح نقطة انتهاء بديلة لن يكون أمرًا مقبولًا. عن ذلك، تقول إنترون: "لم أستسلم بعد. ولا زلت متفائلة بشأن هذا الدواء"، لكن بالنسبة إلى العديد من الآباء والأمهات الذين يجدون بول أطفالهم يتلون بلون أحمر قاتم يميل إلى السواد، لا تزال رحلتهم الطويلة عبر دهاليز الأنظمة القائمة، وفي مواجهتها، في بدايتها.

References

  1. Garrod, A. E. Lancet 160, 1616–1620 (1902).| article

  2. Pollak, M. R. et al. Nature Genet. 14, 201–204 (1993).| article
  3. La Du, B. N., Zannoni, V. G., Laster, L. & Seegmiller, J. E. J. Biol. Chem. 230, 251–260 (1958).| article
  4. Lindstedt, S., Holme, E., Lock, E. A., Hjalmarson, O. & Strandvik, B. Lancet 340, 813–817 (1992).| article
  5. Introne, W. J. et al. Mol. Genet. Metab. 103, 307–314 (2011).| article
  6. Preston, A. J. et al. Ann. Rheum. Dis. 73, 284–289 (2014).| article
  7. Ranganath, L. R. et al. Mol. Genet. Metab. 125, 127–134 (2018). | article

ديفيد آدم محرر المقالات الافتتاحية بدوريةNature، ويعمل حاليًّا على تأليف كتاب عن مرض البول الأسود، بالتعاوُن مع نِك سيرو