افتتاحيات

صورة «شروق الأرض» بعد خمسين عامًا من التقاطها

في ديسمبر عام 1968، التقط رائد الفضاء ويليام أندرز – الذي كان على متن رحلة أبوللو 8 - صورةً تاريخيةً لكوكب الأرض من مدار القمر. لقد ألهمت تلك الصورة الجميع حينها، ويمكنها أن تلهمنا الآن مرة أخرى. 

  • Published online:

يتطلب الأمر عينًا قادرة على التقاط تفاصيل معيّنة؛ لإمعان النظر في صورة الأرض المتلألئة وهي مُعَلّقة في السماء فوق سطح القمر القاحل، ولرؤية هشاشة موطن البشرية الوحيد، بالإضافة إلى فوهة قمرية مجدبة. دقق النظر؛ وستراها هناك. واليوم، تَحمِل هذه الفوّهة اسمًا جديدًا، هو: «شروق أرض أندرز».

وقد أقرّ فريق العمل المعنِيّ بتسميّات النظام الكوكبي - التابع للاتحاد الفلكي الدولي (IAU) - تسمية الفوهة – إلى جانب فوهةٍ أخرى مجاورة، أُطلِق عليها اسم «8 هوموارد» 8 Homeward – احتفالًا بالذكرى الخمسين لمهمة «أبوللو 8» Apollo 8 التي دارت حول القمر، وعلى وجه الخصوص.. تخليدًا للصورة الشهيرة الملتقَطة من المَركَبة لشروق الأرض فوق سطح القمر. التقط الصورة رائد الفضاء ويليام أندرز في 24 ديسمبر عام 1968، وقد أُطلق عليها اسم «شروق الأرض» Earthrise، وكثيرًا ما تُوصف بأنها إحدى أهم الصور الفوتوغرافية وأَبْلغها تأثيرًا في تاريخ العلم، إنْ لم يكن في تاريخ البشرية بأكمله.

وغَنِيّ عن القول أن ما تحظى به الصورة من مكانة لا يرجع إلى تلك الفجوة المستديرة التي تظهر في إحدى زواياها؛ وإنما تُعزى إلى أن الصورة الفوتوغرافية، التي تُظهِر الأرض وهي تشرق فوق أفق القمر، يرجع إليها الفضل في تدشين الحركة البيئية. مَن قرأوا كتاب «الربيع الصامت» Silent Spring، للكاتبة راشيل كارسون – الذي يلقي الضوء على الآثار المدمرة لمبيدات الآفات على الطبيعة، قبل ست سنوات من التقاط الصورة – ربما سيختلفون مع هذه المبالغة الشائعة، إلا أنه - في جميع الأحوال - يصعب إنكار الدور بالغ الأهمية الذي لعبته صورة شروق الأرض في رفع الوعي، وشحذ العقول؛ فقد تمكَّن البشر - لأول مرة في التاريخ - من رؤية كوكبهم على خلفية الفراغ المعتم للفضاء السرمدي، وأن يقدّروا جمال كوكبهم متألق الألوان، وأن يدركوا أيضًا ضآلته المطْلقة وسط هذا الكون.

"نحن لسنا مجبَرين على الاكتفاء بدور المتفرج السلبي، والشعور بأننا مكتوفو الأيدي، بسبب نطاق وضخامة هذا الكون ومشكلاته".

فجأةً، رأى جيل كامل هذا الكوكب منعزلًا، وهَشًّا، وأدرك مدى صعوبة العثور على بديل له. (إنها الحقيقة التي سوف يدركها جيل لاحق بنفسه، بالتزامن مع نشر صورة تاريخية أخرى للكوكب: «النقطة الزرقاء الباهتة» Pale Blue Dot، التي التقطها المسبار «فويجر 1» Voyager 1 في يوم عيد القديس سانت فالنتاين في عام 1990 من مسافة 6 مليارات كيلومتر).

لا يوجد فارق كبير بين منظر الأرض من الفضاء الآن، وما كانت عليه في السابق. (ما عليك سوى مشاهدة الصور المذهلة التي التقطها القمر الصناعي GOES-16، المنشورة في بداية هذا العام، ويَظهر فيها الكوكب بدقة استثنائية)، بيد أن تفكيرنا في مثل هذه الصور قد تَغَيّر تغيرًا جذريًّا.

بالنسبة إلى عدة ملايين من البشر، شهدت نهاية عام 2018 عالَمًا أفضلَ، وأكثر ازدهارًا، بالمقارنة بذاك العالَم الذي عاد إليه روّاد فضاء رحلة أبوللو 8 بعد أداء مهمّتهم قبل 50 عامًا؛ فالتقدم البشري - مدفوعًا بالإنجازات العلمية، والطبية، والتكنولوجية - قد أسهم في تحسّن متوسطات المعيشة، والصحة، والأعمار تحسّنًا جوهريًّا، غير أن كوكبنا نفسه يكافح من أجل الصمود.. فمنذ شهرين فقط، أصدرت اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ أشد تحذيراتها إلحاحًا حتى الآن بشأن تأثيرات تغيُّر المناخ، منذِرَةً بأنّ ارتفاعًا في درجات الحرارة، قدره 1.5 درجة مئوية فقط – وهو ارتفاع يتفق أغلب الخبراء على أنه لا مفر من حدوثه – سوف يسفر عن موجات مدمرة من الجفاف والفيضانات.

وعلى الأرجح سيكون الأمر أسوأ من ذلك، إذ شهد منتصف شهر ديسمبر من عام 2018 لقاء ساسة العالم في بولندا؛ لمناقشة الخطوات المقبلة بشأن الوصول إلى اتفاق عالمي حول المناخ، كان بمثابة الأمل الأخير والأمثل لكبح جماح التغيّر المناخي. وكان من شأن الصفقة المتمخِّضة عن الاتفاق إجراء تغييرات غير كافية في كميات انبعاثات غازات الدفيئة الضارة التي نطْلِقها في غلافنا الجوي.

تُظْهِر الصور المؤثرة ما قد نخسره، ولكنها تُظهِر كذلك الذي ما زال بإمكاننا تحقيقه؛ فنحن لسنا مجبرين على الاكتفاء بدور المتفرج السلبي، والشعورُ بأننا مكتوفو الأيدي، بسبب نطاق وضخامة هذا الكون ومشكلاته. فنحن قادرون على التصرف، وقادرون على إحداث ما نريد.

انظر مثلًا إلى صورة «شروق الأرض».. الصورة والظاهرة، على حد سواء. نحن فعلنا ذلك؛ فالقمر مُقيّد مداريًّا بالأرض، وهو ما يتسبب في ثبات موقع الكوكب في سماء القمر، الأمر الذي يعني أن الأرض لم تُشرِق على القمر، بل بدت كذلك لأنظار رواد الفضاء على متن أبوللو 8، لأن مركبتهم كانت مُسرعةً فوق سطح القمر؛ لتكشف تدريجيًّا عن المزيد من كوكب الأرض أثناء حركتها. وحتى بينما كان كوكبنا مُعلَّقًا هناك في ظلمة لا نهائية، كان الأشخاص الذين يشاهدونه يمضون قُدمًا، ولا يزال بإمكاننا نحن أيضًا المضي قدمًا.