كتب وفنون

تربية النحل على الطريقة الداروينية: دروس من الحياة البرية

أطروحة عن أزمة نحل العسل الغربي تظهر في الوقت المناسب، وتحوز اهتمام جين إي. روبنسون.

جين إي. روبنسون
  • Published online:

Credit: Biosphoto/Avalon

حياة النحل: القصة التي لم ترو بعد عن نحل العسل في البرية

توماس دي. سيلي، مطبعة جامعة برينستون (2019)

على مدار الخمسة عشرَ عامًا الماضية، أصبحت حالات النفوق في مستعمرات نحل العسل مدعاة للقلق. ومن المعروف أن نحلة العسل الأوروبية Apis mellifera تضطلع بقرابة نصف إجمالي عمليات تلقيح المحاصيل في أنحاء العالم، بينما الخسائر السنوية، التي وصلت إلى 40% في أمريكا الشمالية، لا يمكن تحمُّلها. ولسوء الحظ، أن هذا العامل المحوري في الأمن الغذائي لم يبرز أبدًا بمثل هذا الوضوح من قبل، في الوقت الذي يتعرض فيه لمأزق خطير.

ولطالما ظهرت مؤلفات عن أزمة نحل العسل: أسبابها، وتبعاتها. ونحن الآن على دراية بأن هناك أربعة أشياء أساسية هي التي يُشار إليها بإصبع الاتهام: مُبيدات الآفات، والطفيليات، والعوامل المُمْرضة، وسوء التغذية، وهي عوامل تتفاعل فيما بينها، غير أن كتاب توماس سيلي «حياة النحل» The Lives of Bees هو إضافة جديدة؛ إذ يطرح منظورًا جديدًا لجذور الأزمة، ومُقترحًا جريئًا بشأن كيفية التعامل معها. وعلى نحو غير معتاد، ينصَبّ تركيز الكتاب على نحل العسل الذي يعيش في البرية.

يُعتبر سيلي خبيرًا عالميًّا في سلوك نحل العسل. وقد أبرزت كتبه السابقة - مثل كتاب «حكمة الخلية» Wisdom of the Hive  الصادر في عام 1995، و«ديموقراطية عسل النحل» Honeybee Democracy الصادر في عام 2010 - مكانة هذه الحشرات الاجتماعية، بوصفها مثالًا يُحتذى به لعلم البيئة السلوكي. أمّا هذا الكتاب، فلا يستخدم نحل العسل كمثال لأي شيء، وإنما يدور كله عنه. وفي لحظة في غاية الأهمية لهذا النوع، يسعى سيلي إلى تقديم حل يضع احتياجات النحل في المقدمة.

يذكِّرنا سيلي بالعلاقة الفريدة من نوعها بين البشر، ونحل العسل.. فعلى عكس الماشية المُدجنَة، كل نحل العسل هو في الأساس حيوانات برية يمكنها أن تعيش جيدًا بالاعتماد على ذاتها. ولم يَسْع أحد إلى الكشف عن حقيقة الحياة الخفيّة التي يعيشها النحل، نظرًا إلى كون البشر - على ما يبدو - قد أَلِفوا تشكيلات خلايا النحل التي اخترعها البشر خلال ما يزيد على 10 آلاف عام من تربية النحل. وهناك قلة قليلة فقط من علماء الأحياء، بخلاف سيلي، امتلكت الرؤية والمثابرة لوضع تصوّر، وإجراء دراسة بعيدة المدى، من النوع الذي يقوم على أساسه هذا الكتاب.

يهدف هذا المشروع المنهجي - الذي استمر طيلة 40 عامًا - إلى إلقاء الضوء على الحياة الطبيعية لنحل العسل. أجرى سيلي أغلب الدراسات بمشاركة مجموعة من الطلاب الموهوبين بجامعة كورنيل بإيثاكا في نيويورك، الذين ينسب إليهم الفضل بالكامل في مناسبات كثيرة. تَضَمَّن بعض جوانب المشروع مراقبة المستعمرات البرية التي تعيش في «أشجار النحل»، ذات الفجوات الكبيرة بما يكفي لكي يصنع سرب من النحل فيها عشًّا له. تمثلت جوانب أخرى في تجارب تحاكي الظروف في أشجار النحل، باستخدام خلايا نحل مُصنَّعة. وينسج سيلي الأبحاث، التي يمكن وصف تصميمها بالسهل الممتنع، بمهارة؛ ليقدم لنا لمحة حية عن الطريقة التي يعيش بها نحل العسل حين يُترك لحاله: كيف تتكّون مستعمراته، وكيف يبني النحل أعشاشه، وينظمها، ويدافع عنها، ويدفئها ويبردها، وكذلك كيف يجمع الطعام ويخزنه، بل ويمكن القول إنها أكثر الصور التي نملكها حتى الآن اكتمالًا عن التاريخ الطبيعي لنحل العسل.

يقارن سيلي هذه الصورة بالحياة في خلايا النحل المُصَنَّعة. على سبيل المثال.. يحافظ النحل على دفئه عن طريق إحداث ارتجاف بعضلات الطيران الصدرية القوية. وما هذا سوى سلوك واحد ضمن سلوكيات عديدة مبهرة، تعتمد على تنسيق الأنشطة بين عشرات الآلاف من النحل؛ بغرض تحقيق نتيجة تَهِمّ المستعمرة بأكملها، بيد أن هذه الآلية تكون أكثر فعالية بكثير في أشجار النحل، التي عادة ما تكون جدرانها أكثر سُمكًا من خلايا النحل المعتادة ذات الجدران الرقيقة.

أدرك سيلي وزملاؤه هذا، عبر وضع مستشعرات لدرجات الحرارة في خلايا مصمَّمة بحيث تُحاكِي فجوات الأعشاش في الأشجار، مطابقة لها في كل شيء، ما خلا سُمْك الجدران، ومتراصة إلى جانب بعضها البعض. ولوحظ أن تقلبات درجة الحرارة أكبر بكثير في الخلايا، وأنه يتعيّن على النحل العمل بجهد أكبر، من أجل الحفاظ على درجات حرارة الحضّانات؛ مما قد يشكل ضغطًا إضافيًّا على الحياة داخل المستعمرة.

عمل دؤوب

لتنفيذ هذا المشروع المعقد، تَعيَّن على سيلي التعامل مع تدمير الدببة السوداء لمستعمراته، والتقلبات المناخية، التي حَتَّمت جمع المزيد من البيانات، وكذلك التعامل مع الغزو الكارثي للعثة الطفيلية، المعروفة باسم الفاروا المدمرة Varroa destructor. دمّرت هذ العثة – التي تتغذى على أنسجة نحل العسل الدهنية، وتنقل المُمْرضات على غرار فيروس تشوّه الأجنحة – تجمعات نحل العسل في أجزاء كثيرة من العالم. وهذه الخسارة المطردة في مستعمرات النحل بدَّلَت مسار تركيز كتاب سيلي، ومن هنا جاء اكتشافه أن الظروف في البرّية تمكِّن النحل من مقاومة الفاروا المدمرة.

يقترح سيلي أن يَستخدِم مربوّ النحل معلومات عن تجمعات النحل البرّي، لتغيير الطريقة التي يمارسون بها مهنتهم. وهو يطرح فكرة «تربية نحل داروينية»، مصمَّمة وفق نموذج الطب الدارويني، الذي يَفترِض أن عدم التوافق بين بيئة الكائن الحالية، وبين البيئة التي تكيف الكائن في الأصل معها، هو أمر ينتقص من الكفاءة البدنية للكائن. وفي نظر سيلي، يرتبط هذا أساسًا بالاختلافات بين الحياة في أشجار النحل، والحياة داخل خلايا النحل، خاصة في المناطق الشمالية الشرقية من الولايات المتحدة. يقضي سيلي وقتًا أقل في دراسة التغيرات البيئية على نطاقات مكانية أكبر، على غرار أنماط استخدام الأراضي والتغير المناخي. وتثمر مقترحاته العملية عن نهج «أكثر جودة وسهولة»، يستفيد من ميل النحل الطبيعي إلى التكيف مع بيئته المحلية، ويقلل الخلل في البِنْية الطبيعية للأعشاش إلى الحد الأقصى.

إن الكيفية التي أدّت بها تربية النحل الحديثة إلى إحداث تغييرات جذرية في حياة النحل حفزت ظهور تربية النحل الداروينية، غير أن الخلايا «الحديثة» ذات الأطر القابلة للتحريك، وأجهزة الدخان (التي تُستخدم لتهدئة النحل)، كانت قد اختُرعت في منتصف القرن التاسع عشر، إلى جانب فرّاز العسل. ومنذ ذلك الحين، لم أر الكثير من الابتكارات التقنية. وقلّما يستخدم مربو النحل عمليات صارت أركانًا أساسية في قطاعات أخرى من الزراعة، مثل الاستيلاد الجينومي الكثيف، أو التحكم في وظائف الأعضاء والسلوك باستخدام الهرمونات والفيرمونات. وحتى النَّحَالة المرتحلة (أي نقل خلايا النحل إلى البساتين والحقول حين تتفتح الأزهار)، التي تهيمن على الصناعة اليوم، اختُرعَت في مصر منذ حوالي 5 آلاف عام.

هل يمكن عمليًّا تطبيق استراتيجية سيلي؛ من أجل الوصول إلى تربية نحل أفضل؟ ثمة سمتان تَظْهَران على النحل في البرية، وهما أحجام المستعمرات الصغيرة، والتكاثر المتكرر من خلال التطريد، ترتبطان بقدرة أكبر على الصمود في وجه الطفيليات والمُمْرضات، إلا أن هاتين السمتين - في الوقت نفسه - تنتقصان من فاعلية المستعمرات كعوامل تلقيح، ومصانع للعسل. ومن المنظور البشري.. فالمستعمرات الأصغر تعني مستعمرات أقل إنتاجية.

وبالرغم من شغف سيلي بالدعوة إلى تربية النحل على الطريقة الداروينية، فإنه يطرح أمامنا كلا جانبي القصة.. فهو يطلب منا - بصورة ضمنية - أن نتأمل الهيمنة البشرية الحالية. كيف نعتني بالنحل بشكل يكفل لنا الاستفادة منه؟ وعن طريق عرض التاريخ الطبيعي لنحل العسل بهذه الطريقة، استطاع سيلي تأليف كتاب مفعم بالتفاصيل الفنية عن النحل، وفي الوقت نفسه يتسم بالبلاغة، وهو كتاب سيروق أيضًا لأولئك المهتمين بالزراعة المستدامة.

تقع تربية النحل عند مفترق طرق؛ ففي حقبة التحرير الجيني باستخدام تقنية «كريسبر» CRISPR، حَرِيّ بنا الحفاظ على النحل باستخدام تكنولوجيا جديدة، أم عبر استخدام أفكار جديدة مستوحاة من تاريخ النحل التطوري الممتد على مدار 30 مليون عام؟ آمل أن يكون بمقدورنا استكشاف طريق ثالث، والقيام بكلا الأمرين. ومثلما ورد في سِفر الأمثال 6:6 عن النملة، فإن علينا أن نتأمل النحلة، كما يقول: «تأمل طُرُقها، وكن حكيمًا». وقد فعل سيلي هذا أفضل من أي شخص آخر.

جين روبنسون عالِم أحياء متخصص في نحل العسل، بقسم علم الحشرات، ومدير معهد كارل آر. ووز للبيولوجيا الجينومية بجامعة إلينوي في أوربانا-شامبين.

البريد الإلكتروني: generobi@illinois.edu