تحقيق إخباري

سيمفونية الخلايا

كادت كاساندرا إكستافور أن تختار العمل كمغنية سوبرانو، لكنَّها - عوضًا عن ذلك - راحت تدرس الكيفية التي تعزف بها الخلايا المفردة مقطوعة التطور الثرية.

جورجيا جوجليلمي

  • Published online:

Juliette Halsey for Nature

بحلول ربيع عام 1998، كانت كاساندرا إكستافور قد أمضت أكثر من عامين عالقةً في محاولاتها للانتهاء من رسالة الدكتوراة. انتقلت حينذاك من مسقط رأسها في تورنتو بكندا إلى مختبرٍ رائد في مدريد، حيث حاولت هندسة بيض ذباب الفاكهة؛ لكي يتضمن نوعين مختلفين من التركيبات الجينية. لكنَّها اصطدمت بعقبةٍ وراء أخرى، ولم يستطع أيُّ شخصٍ في المختبر مساعدتها. وكان سيتعين عليها ترك المشروع، إنْ لم تتمكن من إنتاج الذباب خلال الأشهر القليلة التالية. 

وفيما جلست مع مشرفها، حيث استرجعت عشرات التجارب الفاشلة التي أجرتها، خرج الاثنان باستراتيجيةٍ أخيرة لإنتاج الذباب باستخدام متغير جيني مختلف. وطمأنها مشرفها إلى أنَّ تلك الاستراتيجية لن تؤدي إلى أي نتائج غير مرغوبٍ فيها، لكنَّه لم يستطع أن يدلل على ذلك بأيّ بياناتٍ مثبتة. ورغم أن الوقت كان يداهمها، لم تكن مستعدةً لتصديقه، دون التحقق بنفسها؛ فشرعت في إجراء سلسلةٍ من التجارب استمرت عدة أشهر، لكي تثبت لنفسها أنَّ الجين سيحقق ما أخبرها مشرفها به. وفي أثناء تلك العملية، صممت أدواتها الخاصة؛ للإجابةٍ عن سؤالٍ لم يتصدَّ له أحدٌ من قبل. وحول ذلك تقول: "هذا هو نوع المشروعات التي أحبها حقًّا". 

وما زالت إكستافور، بعد مرور عقدين من الزمان، تسعى للإجابة عن قضايا بحثية جديدة، داحضةً مفاهيم علمية راسخة، في أثناء بحثها في بعضٍ من أهم الجوانب الأساسية للتطور الحيواني. ففي مختبرها بجامعة هارفارد في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس، تستهدف فهْم كيف تحولت الكائنات وحيدة الخلية إلى كائناتٍ حية متعددة الخلايا في أثناء التطور، وكيف يمكن أن تتطور الأجسام المعقدة لتلك الكائنات الحية من خلايا تحمل جميعها المخطط الجيني نفسه. وفي ذلك تقول إكستافور: "لم أسمع من قبل عن إشكالية أكثر إثارةً للاهتمام من هذه". 

وقد دفعها الفضول والتفكير المتأني إلى اختبار صحة فرضياتٍ تحظى بقبولٍ واسع النطاق تتعلق بالتطور، ودحضت في أحيانٍ بعض هذه الفرضيات، ومنها النظرية الأهم حول الكيفية التي تولِّد بها معظم الحيوانات سلائف البويضات والحيوانات المنوية1. وفي ورقةٍ بحثية نُشرت في الأسبوع الأول من يوليو عام 2019 في دورية Nature، أجابت إكستافور وفريقها عن سؤال مطروح منذ سنوات حول التنوع المذهل لبيض الحشرات2.

وكما يعمل أفراد أي أوركسترا معًا لإنتاج معزوفةٍ موسيقية رفيعة المستوى، تتحكم مجموعة من الجينات المتوازنة بدقة في شكل الكائن الحي ووظائفه. وتُدرك إكستافور تلك الحقيقة أكثر من غيرها؛ إذ تعمل على أبحاثها العلمية بجانب عملها كمغنية سوبرانو. وتقدِّم عروضًا مع فِرقٍ موسيقية محترفة في بوسطن، حتى في الوقت الذي تُعيد فيه صياغة نظرياتٍ علمية راسخة. وقد ظهرت مرارًا في حفلات أوبرا، ومع جوقاتٍ من كندا إلى إسبانيا. 

وفي حين يعمل معظم الباحثين على حفنةٍ من أنواع الحيوانات المدروسة بعناية، مثل ذباب الفاكهة والفئران، فإنَّ نجاح إكستافور ينبع من ولعها بحيوانات المختبر، التي قلما تخضع للدراسة، مثل البراغيث الرملية، وصراصير الليل، إذ تنطوي نماذج الكائنات الحية التي تخضع عادة للدراسة على قدْرٍ بسيط من التنوع الموجود في الطبيعة؛ ولذلك.. فإلى جانب تلك الأنواع المعتادة، تدرس إكستافور مجموعةً كبيرة من الحيوانات، تساعدها على كشف الأدوات الجينية التي يستخدمها التطور عادةً. 

وقد برزت إكستافور أيضًا بوصفها داعمة للتنوع، ولتمثيل مختلف الأطياف، وذلك لتجربتها مع العنصرية والتحامل، بوصفها امرأة مثلية سوداء تعمل في البحث العلمي. وحتى بعد أن حازت منصبًا دائمًا كأستاذةٍ جامعية، فإنَّها ما زالت تصادِف أشخاصًا يفترضون أنَّها لا تنتمي إلى ذلك المجال. ومن ثم، تقضي إكستافور وقتها في توجيه الطلاب المنتمين إلى فئاتٍ لا تحظى بالتمثيل الكافي، وقد ساعدت في تأسيس «جمعية الدول الأمريكية لعلم الأحياء النمائية التطورية» Pan-American Society of Evolutionary Developmental Biology، التي تجمع مئات الباحثين من جميع أنحاء الأمريكتين. 

إنّ جدول أعمال إكستافور مزدحم، لكنَّها ترى كل شيءٍ ممكنًا، حسبما يوضح يوهانس ياجر، وهو عالِم في أنظمة الأحياء التطورية من مركز علوم الأنظمة المعقدة بفيينا، وقد عمل مع إكستافور في دراساتها لمرحلة ما بعد الدكتوراة. وعن إكستافور، يقول ياجر: "لا يوجد في مسيرتها العلمية شيءٌ تقليدي، سواءٌ خلفيتها، أم كيفية دخولها مجال العلوم". والنهج الذي تتبعه في أبحاثها يؤتي ثماره بالفعل، إذ يقول ياجر: "لقد درست حفنةً من الكائنات غير المألوفة تمامًا، وخرجت عن التقاليد المعتادة، ونجحت".

بداياتها كموسيقية 

كان للموسيقى دورٌ في حياة إكستافور منذ صغرها. أما العلم، فقد جاء دوره في وقتٍ لاحق، بمحض الصدفة تقريبًا.  

انتقل والدها إلى كندا من جمهورية ترينيداد وتوباجو في الستينيات، وعمل فنيًّا في مجال البث الإذاعي، وعازفًا إيقاعيًّا في الوقت ذاته. وكان يعزف في الحفلات الموسيقية، واعتاد ممارسة العزف مع أطفاله الأربعة في قبو منزلهم، المكون من ثلاث غرف نوم في وسط مدينة تورونتو. وكانت أُولى الآلات الموسيقية التي عزفت عليها إكستافور هي الطبلة الفولاذية. وفي المدرسة الابتدائية، تعلمت قراءة النوتات الموسيقية، وعلَّمت نفسها العزف على آلة الفلوت، مستعيرةً النوتات من المكتبة. أما في مرحلة الدراسة الجامعية، فقد مارست العزف مع عدة فِرق أوركسترا، وفرق عزف ثنائي، ومارست الغناء الكلاسيكي. وتقول عن تلك الفترة: "كان الهدف المهني الواضح الوحيد الذي أفكر فيه هو أن أكون موسيقيةً". 

أصبحت إكستافور مهتمةً بآليات عمل الدماغ، بسبب صديقٍ لها في المدرسة الثانوية. وبحلول نهاية مرحلة الدراسة الجامعية، كان قد انتهى بها المقام إلى العمل في مجال الوراثة الجزيئية. وفي جامعة تورنتو، نجحت في الموازنة ما بين العِلْم والموسيقى، إذ قدمت أول عرض غنائي احترافي في مسيرتها مع أوركسترا باروكية، وعملت في أثناء الإجازة الصيفية في وظيفة مساعد إداري لجوزيف كولوتي، المتخصص في علم الأحياء التطورية. وهناك علمَتْ لأول مرة بالإشكالية التي أصبحت القاسم المشترك بين أبحاثها، ألا وهي كيف تتحكم الجينات في نمو الكائنات الحية وتطورها.

وفي الصيف التالي، عادت إكستافور إلى مختبر كولوتي، لكن في تلك المرة كباحثة متدربة. وتَرَتَّب على انبهارها بالعمل، وموهبتها في العمل المخبري، أنْ قررت أن تستكمل دراسة ما بعد الجامعة، وأن تجعل الغناء عملًا جانبيًّا إضافيًّا.   

وفي أثناء دراستها للحصول على درجة الدكتوراة في مدريد، عانت صعوبة في تنفيذ الجانب التقني لهندسة الذباب، لكنَّ ذلك لم يكن التحدي الوحيد الذي واجهته. ومع أنَّ المشرف على رسالتها لم يعاملها بصورةٍ مختلفة عن الطلاب الآخرين، شعرت بالعزلة، لكونها المرأة الأولى والوحيدة في المختبر. 

كانت قد اعتادت الشعور بأنها دخيلة. وبخصوص ذلك تقول: "لم أكن أبدو كما يبدو العلماء عادةً". لكنَّ والدها، الذي تعرَّض للتمييز لكونه أحد الموظفين السود القلائل في محل عمله في تورونتو، ساعدها على التمتع بمرونة أكبر. ففي كل مرة كان يَصْدُر فيها عن شخصٍ ما تعليقٌ عنصري أو تمييزي تجاهها، كانت تتصل بوالدها. وعن هذا تقول: "كان يُذكِّرني بأنَّني يجب ألا أترك تلك المشكلات تمنعني من القيام بما أريد". 

كانت طموحات إكستافور ما تزال تتغير باستمرار.. فقرب نهاية مرحلة الدكتوراة، فكرت في التوقف عن العمل في مجال البحث العلمي، وممارسة الغناء فقط. وقد علّقت على ذلك قائلة: "بأخْذ كل شيء في الاعتبار، ربما كان شعوري وأنا أعزف وأغنّي للناس أفضل من الشعور الذي يساورني عندما أقع على اكتشاف جديد". 

وقد قررت في نهاية المطاف إعداد بحث ما بعد الدكتوراة مع مايكل أكام، وهو عالِم في مجال الحيوان والأجنة بجامعة كامبريدج في المملكة المتحدة. وهناك شرعت في دراسة الكيفية التي تطورت بها الآليات التي تحدِّد خصائص الخلايا التناسلية (سلائف البويضات والحيوانات المنوية) في الحيوانات، لكنَّها - حسبما أوضح أكام - نظَّمت أولًا المساحات في مختبره، ووضعت قوائم شاملة بالكواشف المستخدَمة فيه. ويقول عنها: "لقد جعلت الأمور أفضل للجميع". وكانت أيضًا مفكرةً حادة الذهن؛ إذ "لم تكن تسمح للحاضرين بزعم أي استنتاجات مستنِدة إلى بياناتٍ غير دقيقة"، على حد قول أكام. 

وفي أثناء دراساتها في كامبريدج، كتبت إكستافور ورقةً بحثية1، دحضت فيها فرضيةً مقبولة على نطاق واسع في علم الأحياء التطورية، إذ زعمت النظرية السائدة أنَّ الخلايا التناسلية لمعظم الحيوانات قد تشكلت في مرحلة مبكرة من النمو، وذلك بفضل الجزيئات الموروثة من الأم. فالكائنات الحية التي شاع استخدامها كنماذج دراسة - ومنها الذباب، والديدان المستديرة - تُكوِّن جميعها خلاياها التناسلية بهذه الطريقة، لكنَّ أحد الاستثناءات البارزة لهذه الفرضية هو الفئران، التي تتشكل فيها تلك الخلايا لاحقًا في أثناء التطور، عندما تستحث الإشارات بعض خلايا الجنين؛ لاتخاذ الخطوة الأولى نحو التحول إلى بويضاتٍ لدى الإناث، وحيواناتٍ منوية لدى الذكور. 

ولحرصها على فهم الصورة الأوسع، شرعت إكستافور في إجراء مراجعة غير مسبوقة للبيانات الموجودة عن الآليات التي تحدد خصائص الخلايا التناسلية في مجموعة واسعة من الكائنات الحية، من قناديل البحر إلى السلاحف؛ فقرأت أكثر من ألف ورقة بحثية أكاديمية عن الخلايا التناسلية، وعثرت في حوالي 300 منها على معلوماتٍ مهمة متعلقة بأصل الخلايا، وهو ما قادها إلى استنتاج أنَّ الطريقة الأكثر شيوعًا - وربما الأقدم من الناحية التطورية – لعملية تكوين هذه الخلايا هي تلك العملية التي يمكن ملاحظتها لدى الفئران.

وأثارت ورقتها البحثية هذه الاهتمام بكيفية تطور الخلايا التناسلية في مجموعة متنوعة من الحيوانات، وكانت بمثابة حافز لمجتمع علم الأحياء النمائية التطورية، وهو شبكة تضم مجموعة من العلماء المهتمين بالقواعد التي تحكم التطور والنمو، حسبما أوضح إيهاب أبو هيف، المتخصص في علم الأحياء التطورية بجامعة ماكجيل في مدينة مونتريال بكندا. ومنذ ذلك الحين، درست إكستافور مجموعةً من نماذج الكائنات الحية غير المألوفة، مثل شقائق النعمان، والقنافذ البحرية، وهو نهج مقارَن أصبح عنصرًا محوريًّا في أبحاثها. 

رائدة في علم الأحياء النمائية التطورية 

انتقلت إكستافور إلى جامعة هارفارد في عام 2007، لتدير مختبرها الخاص لدراسة تطور الأجهزة التناسلية وتكوُّنها. وعلى مدار الأعوام الاثني عشر الماضية، حلَّلت الآليات الجينية التي توجه عملية تكوين الخلايا التناسلية في مجموعة كبيرة من الحيوانات، مستخدمةً تلك الآليات لاكتشاف الكيفية التي تتخذ بها الخلايا هوياتٍ مختلفة، رغم تطابُق مادّتها الأولية.

وفي عامي 2014، و2016، بحث فريق إكستافور في أصول الخلايا التناسلية لدى صراصير الليل، ووجد أنَّ الساعيات الجزيئية المُسبِّبة لنمو الخلايا التي تصبح بويضاتٍ أو حيواناتٍ منوية هي نفسها التي اكتُشفت في الفئران4،3. وتدعم هذه النتيجة الفكرة القائلة إنّ نظام الإشارات هذا بالغ القِدَم، وأنَّه موروث من آخِر سلف مشترك بين الفئران، وصراصير الليل، عاش منذ أكثر من 500 مليون سنة.

وتدرس إكستافور حاليًّا نوعًا من صراصير الليل، يُعرف باسم Gryllus bimaculatus، لاكتشاف الكيفية التي تسهم بها جينات ذلك المخلوق في نموه وتغيُّره مع مرور الوقت. ووجد أحد طلاب الدراسات العليا في فريق إكستافور أنَّ جينوم صرصار الليل يتضمن جينًا مكافئًا لجينٍ في ذبابة الفاكهة، اسمه «أوسكار» oskar، يضطلع بدورٍ أساسي في إنتاج الخلايا التناسلية، ويُعَد جينًا "حديثًا"5من الناحية التطورية. 

إنّ العثور على جينٍ مكافئ لجين «أوسكار» في جينوم صرصار الليل يشير إلى أنَّ الجين - في الواقع - قديم إلى حدٍّ ما، لأنَّ صراصير الليل في أثناء التطور انفصلت عن معظم الحشرات الأخرى في وقتٍ سابق لانفصال ذباب الفاكهة. وتعتقد إكستافور أنّ جين «أوسكار» ربما كانت له وظيفة مختلفة تمامًا في شكله الأول، تتعلق بتطور أدمغة الحشرات، وأجهزتها العصبية، وأنَّ أهميته في تطوير الخلايا التناسلية لم تظهر إلا في وقتٍ لاحق. 

كاساندرا إكستافور تجلس على مقعدها في المختبر في التسعينيات.

كاساندرا إكستافور تجلس على مقعدها في المختبر في التسعينيات.

Hugh Extavour

ويرى أبو هيف أنّ هذا "اكتشافٌ عظيم الأثر"، لأنَّ فهْم الكيفية التي تغيرت بها وظيفة جين «أوسكار» يمكن أن تكشف كيفية تطوُّر الجينات، وإسهامها في العمليات التطورية الجديدة. 

أعادت إكستافور أيضًا دراسة مبادئ التطور باستخدام نهجها المميز، ألا وهو الاعتماد على تلالٍ من البيانات الجديدة، والبيانات الموجودة بالفعل. وفي دراسةٍ منشورة في العدد الأول لشهر يوليو 2019 من دورية Nature، يطعن فريق إكستافور في صحة فرضية قائمة منذ فترة طويلة، تتعلق بكيفية تغير شكل بيض الحشرات وحجمه بمرور الزمن. 

ويؤدي بيض الحشرات جميعه الوظيفة نفسها، ألا وهي حماية الحشرة النامية داخل البيضة، وإمدادها بالطاقة، لكنَّ التنوع الكبير في أشكال البيض وأحجامه حيَّر علماء الأحياء لقرون. واعتقد البعض أنَّ تلك السمات مرتبطة بحجم الحيوان البالغ، أو المدة التي يستغرقها تطور الجنين، لكنَّ تلك الفرضيات لم تكن قد خضعت لأي دراساتٍ شاملة حتى الآن، حسب قول إكستافور. 

ومن ثم، مشطت إكستافور مع فريقها المواد العلمية الصادرة سابقًا، وأنشأوا قاعدة بيانات تضم أكثر من 10 آلاف وصف محدِّد لخصائص بيض الحشرات. وتنوعت أشكال البيض في تلك الأوصاف، من الشكل الكروي شبه التام إلى شكل ثمرة الموز. كما تباينت أوصاف أحجام البيض تباينًا كبيرًا؛ فمنه ما هو أصغر من ذَرّة غبار، ومنه ما هو بحجم حبة التوت الأزرق. 

بحَث الفريق عن العلاقات التي تربط بين شكل البيض، وأحجامه، وسمات الحشرات، بما في ذلك الأماكن التي تضع فيها الحشرات بيضها، والوقت الذي تستغرقه البيضة المُخصَّبة؛ لكي تتحول إلى يرقة. وقد كشف التحليل عن مفاجأة؛ ألا وهي أنّ تطوُّر شكل البيض وحجمه يعتمد - إلى حدٍّ كبير - على مكان وضع البيض.. فالبيض الموضوع في الماء غالبًا ما يكون صغير الحجم، وكروي الشكل، أما البيض الذي تضعه الحشرة في جسم حيوانٍ آخر، فيكون صغير الحجم أيضًا، لكنَّه عادةً ما يتخذ أشكالًا غريبة. 

وتقول لورا لافين - وهي عالمة متخصصة في فسيولوجيا الحشرات وعلم الأحياء التطورية بجامعة ولاية واشنطن في بولمان - إنّ هذه النتائج تعارِض الفرضيات القديمة التي تربط حجم البيض بحجم جسم الحشرة البالغة. وتضيف لافين قائلة إنّ كثيرين من العلماء افترضوا أنَّ تلك العلاقة بين الأحجام تحسم النقاش في المسألة، أما الآن، فهذه الدراسة تبدِئ النقاش من جديد". وعلى حد قولها.. فإنّ فهْم الكيفية التي يتغير بها البيض، اعتمادًا على البيئة، يمكن أن يكشف عن بعض العوامل المحدِّدة الرئيسة، التي تتحكم في كيفية نمو الحيوانات وتطورها. 

في النهاية، تأمل إكستافور أن تساعدها دراسة البيض والأجنة والأجهزة التناسلية للحشرات في فهْم القواعد التي حَكَمَت تطوُّر أوائل الكائنات الحية متعددة الخلايا. وتقول إنَّ اكتشاف الآليات وراء أداء الخلايا لوظائف مختلفة في بيئاتٍ مختلفة، رغم أنَّها تحتوي على الحمض النووي نفسه – على سبيل المثال.. أيُّ البرامج ينشئ خليةً منوية، والعوامل المؤثرة في حجم البيضة - يمكن أن يساعد في حل اللغز. وهذه الأسئلة هي القوة الدافعة لإنشاء مركز أبحاث جديد بجامعة هارفارد، تشارك إكستافور في قيادته، بميزانية تبلغ 10 ملايين دولار أمريكي. 

وفي الوقت الحالي، يترقب  الكثيرون إنجاز إكستافور المقبل، إذ يقول عنها كايسي دان، وهو متخصص في علم الأحياء التطورية بجامعة ييل في نيوهايفن بولاية كونيتيكت: "إنَّها واحدة من بين مفكري علم التطور المتعمقين" ويضيف قائلًا: "بل وتتصدى لمسائل دقيقة التفاصيل في علم التطور". 

نصيرة التنوع 

في نوفمبر عام 2013، كان لزامًا على إكستافور إلقاء ندوةٍ مهمة، وكانت هذه هي العقبة الأخيرة أمام طلبها للفوز بمنصب دائم كأستاذة في جامعة هارفارد. وقبل عرض إنجازاتها العلمية، ذكَّرت إكستافور الجمهور بأنَّ النساء لم يكن بمقدورهن أن يدرسن على أيدي علماء جامعة هارفارد حتى أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر، وأنَّه قد مضى بعدها أكثر من 100 عام، قبل أن تتمكن المرأة من الحصول على الدرجات العلمية نفسها، التي تمنحها الجامعة لأقرانها من الرجال. وأضافت عن ذلك: "لو لم يحدث ذلك، ما كنتُ لأقف بينكم في هذا المكان اليوم". 

وتوضح ديديم ساريكايا - وهي حاليًّا عالمة أحياء بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، وكانت في ذلك الوقت طالبة دكتوراة في مجموعة إكستافور البحثية - قائلة إنّ قليلًا من الناس كانوا سيلفتون الانتباه بهذا الشكل إلى التاريخ المضطرب للمؤسسات التي يعملون بها. لكنْ لطالما هَبَّت إكستافور للدفاع عن الأشخاص المنتمين إلى فئاتٍ تعرّضت للتهميش في مجال العلوم على مدار التاريخ، وانتفضت لتمثيلهم، إذ إنَّ العلماء والمهندسين السود غالبًا ما يشعرون بعدم الانتماء، حسبما أوضحت رحيل إمرو، الطالبة الجامعية والرئيسة القادمة لجمعية العلماء والمهندسين السود بجامعة هارفارد، التي عادةً ما تتولى إكستافور توجيه أعضائها وإرشادهم. 

وتقول إكستافور إنَّ التفاعل مع الطلاب السود أمرٌ مهم أيضًا لإدخال السعادة عليها؛ فهي تواجه العنصرية باستمرار في حياتها، حسبما قالت. وعلى سبيل المثال.. في بعض المؤتمرات، طلب منها أشخاصٌ أن تعيد ملء أكواب القهوة الخاصة بهم. ومؤخرًا عندما وصلت إلى بوابة أحد المباني في جامعة هارفارد؛ لحضور عشاء عمل مؤخرًا، أشار إليها أحد حراس الأمن بالتوجه إلى مدخل الخَدَم، مفترِضًا أنَّها كانت هناك لتقديم العَشاء. 

ومع أنّ الموسيقى تمدّها بقدْر من السلوى والعزاء، فعلى حد قولها.. الدور الذي يلعبه أصدقاؤها وأفراد أسرتها في حياتها مهم بلا شك، فزوجتها - وهي أيضًا امرأةٌ سوداء - تُعَد مصدر دعمٍ لا يُقدَّر بثمن. وتقول عنها: "يمكننا أن نفهم الكثير مما تمر به كل منا". 

لم تخبر إكستافور زملاءها بميولها الجنسية حتى سنوات دراسات ما بعد الدكتوراة. ولذا.. تقول إنَّ بإمكانها أن تتفهم مشاعر الطلاب الذين يعلنون مثليتهم أو ازدواجيتهم الجنسية، أو حتى كونهم من المتحولين جنسيًّا، أو من ذوي التوجهات الجنسية المختلفة الأخرى. والملصقات التي تحمل صورة عَلَم ذي قوس قزح على أبواب مكتبها وفي أماكن مختلفة من المختبر تعلِن للطلاب أنّ الجميع مُرحَّب بهم. وهي ترى أن "إعلان المرء عن توجهه الجنسي في العمل مهم، لأنَّه يمنح الشباب فرصة لِأَنْ يروا أنَّه من الممكن لشخصٍ ما أن يكون مثليًّا، وأنْ يُعلن ذلك، ويستمر في الحياة، ويحظى بوظيفةٍ أيضًا". 

تعلمت إكستافور من أفراد عائلتها أنَّها يجب ألا تَدَع مشاعر التحامل والتحيز التي يبديها الآخرون تجاهها تحدِّد ما يمكنها فعله، وألهموها وَضْع معاييرها الخاصة؛ للحكم على جودة ما ينبغي لها فعله. ومَن يعرفونها يقولون إنَّها تمتلك أهدافًا وطموحاتٍ كبيرة، أو كما يقول دان: "تحرِّكها أسئلةٌ كبيرة، وعيناها مصوَّبتان دائمًا نحو الأفق البعيد".

References

  1. Extavour, C. G. & Akam, M. Development 130, 5869–5884 (2003). | article
  2. Church, S. H., Donoughe, S., de Medeiros, B. A. S. & Extavour, C. G. Nature 571, 58–62 (2019) | article
  3. 3. Donoughe, S. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 111, 4133–4138 (2014).

     | article
  4. Nakamura, T. & Extavour, C. G. Development 143, 255–263 (2016).

    | article
  5. Ewen-Campen, B., Srouji, J. R., Schwager, E. E. & Extavour, C. G. Curr. Biol. 22, 2278–2283 (2012). | article

جورجيا جوجليلمي هي صحفية علمية مقيمة في كامبريدج بولاية ماساتشوستس.