أنباء وآراء

بيولوجيا الخلية: مُسْتَقْبِل يتحوّل إلى رُبَيْطة 

تفرز الخلايا المُكَوِّنة للعظام، المسمَّاة بانِيَات العظام، البروتين RANKL الذي يرتبط بمُسْتَقْبِله المُسَمَّى RANK على خلايا هادِمات العظام من أجل تحفيز إزالة العظم. وقد اتضح أن هذه العملية يمكن أن تسير في الاتجاه المعاكس لتحفيز تكوين العظام، بدلًا من إزالتها.

موني زايدي، وكريستوفر بي. كاردوزو

  • Published online:

يحتفظ الهيكل العظميّ للإنسان البالغ بسلامته من خلال عمليّات إعادة بناء العظام المرتبطة ارتباطًا وثيقًا مع بعضها؛ حيث تعمل الخلايا التي تُسَمّى بالخلايا الهادِمة للعظام على إزالة العظم القديم الذي يحلّ محله عظم جديد تُصَنِّعه خلايا أخرى تُسَمَّى الخلايا بانِيَة العظام1. ومن ثم، تُدْفَن الخلايا بانِيَة العظام في العظم حديث التكوين وتتحول إلى نوع ثالث من الخلايا، وهو الخلايا العظميّة. وتفْرِز الخلايا بانِيَة العظام والخلايا العظميّة بروتين التأشير RANKL الذي ينشِّط المُسْتَقْبِل RANK الموجود على الخلايا الجذعيّة المُصَنِّعة للدم، مما يؤدي إلى تحفيز تمايزها إلى خلايا هادِمة للعظام، وبالتالي تعزيز هذه الوظيفة الهادِمة2،3. غير أنه لم يتضح تمامًا بعد كيفيّة تأشير هذه الخلايا الهادِمة للخلايا البانِيَة من أجل تنظيم تكوين العظام. وفي بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature، يقدِّم أيكبوتشي وزملاؤه4 أدلة مثيرة على أن الخلايا الهادِمة تنظِّم عمل الخلايا البانِيَة باستخدام منظومة RANKL-RANK نفسها، ولكن في الاتجاه المعاكس. وفي هذا السياق، تكون الرُبَيْطة RANKL هي المسؤولة عن تنظيم التأشير داخل الخليّة، وليس المُسْتَقْبِل RANK.

أكَّد الباحثون أولًا صحة البيانات السابقة5 التي تشير إلى أن الخلايا الهادِمة تُفرِز حُويصلات صغيرة خارج الخليّة تحمل المُسْتَقْبِل RANK على سطحها (الشكل 1(أ)). وأظهروا أن وضع طبقةٍ من الحويصلات المعزولة الحاملة للمُستقبِل على طبقةٍ من الخلايا البانية لدى الفئران في المزرعة قد تتسبب في تنشيط التعبير عن الجينات المعززة للتمايز Col1a1 وRunx2 وOsx في الخلايا. كما أدى وجود الحويصلات المحتوية على المُستقبِل RANK إلى تحفيز ترسيب الخلايا بانِيَة العظام للمعادن في أنابيب الاختبار وفي جماجم الفئران الحيّة. وقد ازداد ترسيب المعادن – الدالّ على تكوين العظام – بفعل بروتين Runx2.

الشكل 1 | فكّ الارتباط بين عمليات تكوين العظام وإزالتها. (أ) يُفرز جزيء التأشير RANKL عن طريق الخلايا المنتجة للعظام المسمّاة «بانِيَات العظام» والخلايا المتحدِّرة منها المسمّاة بالخلايا العظميّة. يرتبط RANKL بالمُسْتَقْبِل RANK الموجود على الخلايا الجذعيّة المصنِّعة للدم، بحيث يحفّز تمايزها إلى خلايا تسمَّى «هادِمات العظام» التي تزيل العظام. ويشير أيكبوتشي وزملاؤه4إلى أن هادِمات العظام تفرز حويصلات خارج الخليّة تحمل المُسْتَقْبِل RANK على سطحها. وارتباط RANK الحويصليّ بالبروتين RANKL على سطح الخلايا بانِيَة العظام (وربما الخلايا العظميّة أيضًا، وهي غير ظاهرة في الشكل) يحفّز التأشير داخل الخليّة؛ حيث ينشَط مسار mTOR الذي يؤدي إلى إنتاج البروتينات، مثل Runx2، التي تعزز تكوين العظام. (ب) طوَّر الباحثون جسمًا مضادًا للبروتين RANKL يرتبط بعدة مونومرات من البروتين ويبطل نشاطها، مما يقلل من تكوين هادِمات العظام من الخلايا السالفة لها. كما أن هذه الأجسام المضادّة تنشِّط التأشير أيضًا في الخلايا بانِيَة العظام عن طريق الارتباط ببروتينات RANKL الموجودة على سطوح الخلايا، وبالتالي تحفّز تكوين العظام مع تثبيط إزالتها.

الشكل 1 | فكّ الارتباط بين عمليات تكوين العظام وإزالتها. (أ) يُفرز جزيء التأشير RANKL عن طريق الخلايا المنتجة للعظام المسمّاة «بانِيَات العظام» والخلايا المتحدِّرة منها المسمّاة بالخلايا العظميّة. يرتبط RANKL بالمُسْتَقْبِل RANK الموجود على الخلايا الجذعيّة المصنِّعة للدم، بحيث يحفّز تمايزها إلى خلايا تسمَّى «هادِمات العظام» التي تزيل العظام. ويشير أيكبوتشي وزملاؤه4إلى أن هادِمات العظام تفرز حويصلات خارج الخليّة تحمل المُسْتَقْبِل RANK على سطحها. وارتباط RANK الحويصليّ بالبروتين RANKL على سطح الخلايا بانِيَة العظام (وربما الخلايا العظميّة أيضًا، وهي غير ظاهرة في الشكل) يحفّز التأشير داخل الخليّة؛ حيث ينشَط مسار mTOR الذي يؤدي إلى إنتاج البروتينات، مثل Runx2، التي تعزز تكوين العظام. (ب) طوَّر الباحثون جسمًا مضادًا للبروتين RANKL يرتبط بعدة مونومرات من البروتين ويبطل نشاطها، مما يقلل من تكوين هادِمات العظام من الخلايا السالفة لها. كما أن هذه الأجسام المضادّة تنشِّط التأشير أيضًا في الخلايا بانِيَة العظام عن طريق الارتباط ببروتينات RANKL الموجودة على سطوح الخلايا، وبالتالي تحفّز تكوين العظام مع تثبيط إزالتها. 

كبر الصورة

© Replace me

المعروف عن البروتين Runx26 أنه يَنْشَط بفعل مسار تأشير يتضمن البروتينات PI3K وAkt وmTOR، لكنّ أيكبوتشي وزملاءه اكتشفوا أن تنشيط هذا البروتين في الخلايا البانِيَة لدى الفئران قد تم تعطيله بفعل جزيء رابامايسين المثبِّط للبروتين mTOR. بعد ذلك، أظهر الباحثون أن البروتين RANKL ينشِّط المسار PI3K-Akt-mTOR من خلال منطقةٍ في ذيله السيتوبلازمي غنيّة بالحمض الأميني البرولين؛ ويتفاعل هذا الجزء الغنيّ بالبرولين مع إنزيمات الكاينيز التي تُنَشِّط PI3K. وقد أبطلت الطفرات في البقايا المهمّة من البرولين في هذا الجزء آثار التأشير العكسيّ لمنظومة RANK-RANKL.

وأخيرًا، أثبت أيكبوتشي وزملاؤه أن المُسْتَقْبِل RANK لا ينشِّط مونومرات البروتين RANKL. وبدلًا من ذلك، يُعتبر تشابك بروتينات RANKL المفردة لإنتاج مُتَعَدِّدات القُسَيْمَات منها شرطًا أساسيًّا لبدء مسار التأشير اللاحق. وأظهر الباحثون أن الأجسام المضادّة لبروتين RANKL المعدَّلة جينيًّا والمحتوية على بِنى يُطلق عليها اسم «سحَّابات الليوسين» – المعروفة بتحفيز تكوين ذلك المثلوث – تستطيع تنشيط التأشير العكسي لذات البروتين في الخلايا البانِيَة (الشكل 1(ب)).

وتطرح هذه البيانات المثيرة للاهتمام تفسيرًا فسيولوجيًّا معقولًا لسبب إفراز المُسْتَقْبِل RANK من الخلايا الهادِمة في صورة شحنةٍ محمولة داخل الحويصلات خارج الخلية5؛ كما تؤكد أن البروتين RANKL يمكنه العمل كجزيء مُحَوِّل للإشارة على سطح الخليّة، وليس كبروتين تأشير مُفْرَز فحسب. ومن منظورٍ أوسع، تُعَد هذه الدراسة أول إثباتٍ على تحويل الإشارة بواسطة مستقبِلات حويصليّة على سطح الخليّة تتفاعل مع الربيطات مرتبطة بالأغشية. وأخيرًا، وربما الأهم، تطرح الدراسة آليّة تستخدمها الخلايا الهادِمة للعظام في أثناء عمليّة إزالة العظم للتواصل مع خلايا البانِيَات القريبة منها من أجل تنظيم مدى تكوين العظم الجديد. ولا يتضح لنا حتى الآن ما إذا كانت الحويصلات المحتوية على المُسْتَقْبِل RANK قادرة على تنشيط البروتين RANKL الموجود على سطح الخلايا العظميّة، والتي قد لا تكون على مقربةٍ من الخلايا الهادِمة.

ومن المنظور العلاجيّ، تُسْتخدم مادة «دينوسوماب» – وهي جسم مضادّ للبروتين RANKL – على نطاق واسع للوقاية من وعلاج كلٍّ من هشاشة العظام ومشكلات الهيكل العظميّ الناجمة عن انتشار السرطانات إلى العظام. ومن خلال منع مسار التأشير المتقدم بمنظومة RANKL-RANK، يثبِّط «دينوسوماب» إزالة العظام بواسطة الخلايا الهادِمة، لكنه في أثناء ذلك يقلِّل تكوين العظام بشكل مؤقت بسبب الارتباط الوثيق بين الخلايا الهادِمة والخلايا البانِيَة7. ويُحْتَمَل أن يكون الجسم المضاد للبروتين RANKL – الذي صممه مؤخرًا أيكبوتشي وزملاؤه – قادرًا على فكّ الارتباط بين إزالة العظم وتكوينه، مما يجعله بديلًا أكثر فاعليةً لمادة «دينوسوماب». والجدير بالذكر أن الباحثين اكتشفوا أنه في الفئران مستأصَلة المبايض (كنموذجٍ لهشاشة العظام فيما بعد انقطاع الطمث)، قلَّل الجسم المضادّ من إزالة العظم، إلا أنه لم يثبِّط تكوينه تمامًا.

ويصعب التكهُّن بما إذا كان للجسم المضاد للبروتين RANKL الذي صممه الباحثون أيّ آثار جانبيّة غير مرغوبة. وهذا أمرٌ ممكن بالتأكيد، حيث إن المُسْتَقْبِلRANK والبروتين RANKL يؤديان أدوار عديدة في أماكن أخرى من الجسم. فعلى سبيل المثال، تعبِّر الخلايا المناعيّة المسمّاة بالخلايا التائيّة عن البروتين RANKL، كما يوجد المُسْتَقْبِل RANK في الخلايا التغصّنية التي تتفاعل معها الخلايا التائيّة لتحفيز الاستجابات المناعيّة. وفي هذا السياق، يحسِّن التفاعل بين المُسْتَقْبِل والبروتين من مناعة الخلايا التائيّة8. كما اكتُشف البروتينان في الدماغ أيضًا، ولا سيّما في بعض الخلايا العصبية والخلايا الداعمة لها، وفي خلايا مناعيّة خاصّة بالدماغ يُطلق عليها "الخلايا الدبقيّة الصغيرة"، وفي أنسجة المخّ التي لا يصل إليها الأكسجين9. كما تم التوصل إلى أن هذين البروتينين وسيطين في الاستجابات المرتبطة بالحُمّى التي تحدث نتيجة للإصابة بالعدوى10.

ومع ذلك، فإن الدراسات الإكلينيكية على مدار عقد من الزمان التي استخدمت العقار «دينوسوماب» لم تكشف عن أي آثار ملحوظة على الجهاز المناعيّ أو على المخ. كما أنه لا يوجد حتى الآن دليلٌ على وجود مسار التأشير العكسيّ بالمُسْتَقْبِل RANK في الخلايا المناعيّة أو العصبيّة. ورغم ذلك، ونظرًا إلى أن تقريبًا كلّ الخلايا ذات النوى تفرز حويصلات خارج الخليّة، فمن الضروريّ إجراء المزيد من الدراسات على مسار التأشير RANK-RANKL في الأنسجة غير الهيكليّة. ونظرًا لأن طبيعة الخلايا تميل إلى إعادة استخدام مبادئ التأشير داخل الخليّة بطرقٍ مختلفة، فإنه يلزم أيضًا استكشاف إمكانيّة التأشير العكسيّ بواسطة مُسْتَقْبِلاتٍ أخرى.

References

  1. Zaidi, M. Nature Med. 13, 791–801 (2007) | article
  2. Nakashima, T. et al. Nature Med. 17, 1231–1234 (2011).  | article
  3. Xiong, J. et al. Nature Med. 17, 1235–1241 (2011).   | article
  4. Ikebuchi, Y. et al. Nature 561, 195–200 (2018).  | article
  5. Huynh, N. et al. J. Dent. Res. 95, 673–679 (2016).  | article
  6. Singha, U. K. et al. J. Cell Biochem. 103, 434–446 (2008).  | article
  7. Zaidi, M., Yuen, T., Sun, L. & Rosen, C. J. Endocr. Rev. https://doi.org/10.1210/er.2018-00050 (2018).  | article
  8. Anderson, D. M. et al. Nature 390, 175–179 (1997). | article
  9. Shimamura, M. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 111, 8191–8196 (2014). | article
  10. Hanada, R. et al. Nature 462, 505–509 (2009). | article

موني زايدي، وكريستوفر بي. كاردوزو باحثان في برنامج "ماونت سيناي للعظام"، قسم الطبّ، كليّة آيكان للطب في ماونت سيناي، نيوريورك، نيوريورك 10029، الولايات المتحدة الأمريكيّة. كما أن كريستوفر بي. كاردوزو يعمل أيضًا في مركز جيمس جيه. بيترز الطبيّ لشؤون المحاربين القدماء، نيويورك.

البريد الإلكتروني: mone.zaidi@mountsinai.org