أنباء وآراء

علم خواص المادة: مجهر يحطم الأرقام القياسية

تم تطوير مجهر إلكتروني يُنتِج صورًا تتمتع بدقة وضوح أعلى من الدقة التي يمكن للطرق التقليدية تحقيقها، كما أنه مجهر ملائم لدراسة المواد الهشة التي قد تتعرض للتلف بفعل حِزَم الإلكترونات.

جون رودنبرج
  • Published online:

أعلن جيانج وزملاؤه1 في دورية Nature عن توصلهم إلى صورة بأعلى درجة تكبير تم الحصول عليها على الإطلاق باستخدام مجهر إلكتروني نافذ. تكشف الصورة عن الذرات الموجودة في رقاقة ثنائية الأبعاد، متماسكة ذاتيًّا، مصنوعة من مادة شبه موصّلة. وتتمتع الصورة بدقة وضوح تصل إلى 0.39 أنجستروم. وعلى سبيل المقارنة التوضيحية، يبلغ قطر أغلب الذرات 2–4 أنجستروم تقريبًا. وربما تسمح هذه التقنية في نهاية المطاف بدراسة المواد ثنائية الأبعاد بدقة وضوح غير مسبوقة، وهي بذلك تقدّم رؤية متعمقة في هذه الفئة المزدهرة من المركّبات المفيدة. وقد تؤدي هذه التقنية أيضًا إلى تطوير طرق يمكنها تصوير ذرات منفردة في الأجسام ثلاثية الأبعاد.

 ولإنتاج هذه الصورة، استخدم المؤلفون طريقة يُطلَق عليها «التايكوجرافي: التصوير بتراكب أنماط الحيود» Ptychography، حيث يتم تمرير الإشعاع – الإلكترونات في هذه الحالة – عبر عينة للحصول على العديد من أنماط الحيود ثنائية الأبعاد. اقترح الفيزيائي فالتر هوبي المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه هذه التقنية قبل حوالي 50 عامًا، حيث فكّر في أنه لا بد أن تكون هناك معلومات كافية في بيانات الحيود يمكن استغلالها في حسابات عكسية من أجل إنتاج صورة للجسم المُسبِّب للحيود2،إلا أن سنوات عديدة مرت قبل أن يتم تطوير خوارزميات حاسوبية يمكنها القيام بتلك الحسابات العكسية بسهولة وموثوقية34،. تم إنشاء الصور الناتجة عن طرق التصوير التايكوجرافي من كمية هائلة من بيانات التشتت غير المباشرة باستخدام الحاسوب. وتتمثل إحدى الميزات المهمة لهذه الطريقة، بالمقارنة مع التصوير المجهري التقليدي، في أنه يمكنها أن تتخطى الحد الأقصى لدقة الوضوح الذي يفرضه استخدام التصوير بالعدسات. بل في الواقع، يمكن لتلك التقنية أن تعمل بدون عدسات على الإطلاق5

على مدار السنوات العشر الأخيرة، تم استخدام تقنية التايكوجرافي على نطاق واسع في التصوير المجهري في نطاقات الأشعة السينية4، والأشعة فوق البنفسجية القصوى6 والضوء المرئي8،7 من الطيف الكهرومغناطيسي. وقد حقق استخدامها مع الإلكترونات بعض النجاح أيضًا، ولكنّ جيانج وزملاءه كانوا أول من أثبت قدرتها على تجاوز دقة الوضوح التي يمكن الحصول عليها بأفضل العدسات الإلكترونية. ولكي تؤدي هذه التقنية الوظيفة المرجوّة، ينبغي احتساب كل إلكترون على نحو كامل تقريبًا، ولكن أنماط التشتت تحتوي على مناطق شديدة السطوع وأخرى شديدة الظلمة (يُقال إن لها نطاقًا عالي الديناميكية)، وهو ما يجعل من الصعب احتساب كل إلكترون دون أيّ أخطاء. وما يزيد الأمور تعقيدًا هو أن التجربة لا بد أن تتم بأقصى سرعة ممكنة لاستيفاء قيود تجريبية أخرى، مما يعني ضرورة تسجيل حوالي 1,000 نمط حيود في كل ثانية.

في أي كاشف إلكتروني، تُعتبر السرعة، والدقة، والنطاق الديناميكي معايير أداء متعارضة فيما بينها؛ ومن العسير تحقيق جميع هذه المعايير معًا. وكانت جميع الكواشف الإلكترونية السابقة تتنازل عن خاصية واحدة أو أكثر من تلك الخواص. وكان الإنجاز الأساسي الذي عمد المؤلفون إلى تحقيقه هو تصميم كاشف يمكنه التعامل مع هذه المواصفات المضنية. 

ومن اللافت للنظر أن جيانج وزملاءه وضعوا أمام أنفسهم عائقًا ضخمًا تمثّل في كسر الرقم القياسي لدقة الوضوح. وعَبْر أي عدسة من عدسات المجهر، يمكن تحقيق أفضل دقة وضوح عن طريق استخدام أقصر طول موجي ممكن للإشعاع أو حزم الإلكترونات المعنيّة، ولكنّ المؤلفين استخدموا إلكترونات منخفضة الطاقة نسبيًّا، ولها ضعف الطول الموجي للإلكترونات المستخدَمة في المجاهر المعتمدة على العدسات التي توفّر أعلى درجات دقة الوضوح.910،إن استخدام الإلكترونات منخفضة الطاقة في التصوير المجهري اختيار موفّق لأنه يقلل بمعدلات كبيرة التلف الذي يحدث للعينة بسبب الإلكترونات. وفي هذه الحالة، كان المقصود خفض دقة وضوح العدسة التي استخدمها جيانج وزملائه إلى النصف. ولِكَسْر الرقم القياسي لدقة الوضوح، كان على المؤلفين معالجة مجموعة فرعية معينة من بيانات الحيود التايكوجرافية (بيانات الزوايا العالية)، وبالتالي، أمكن الحصول على صورة تتمتع بدقة وضوح أفضل بمرتين ونصف مما كان يمكن الحصول عليه بطريق أخرى.

 إلا أنه ثمة تفاصيل أخرى إلى جانب تحقيق دقة وضوح عالية؛ فأي شخص يعاني ضعفًا في الرؤية يعلم أنه بحاجة إلى أكبر كَمٍّ ممكن من الضوء كي يتسنى له أن يقرأ نصًّا مكتوبًا بحروف صغيرة، وهذا يرجع إلى وجود علاقة وطيدة بين دقة الوضوح، والتباين، وكمية الضوء التي تضيء الجسم. فإذا كانت الحروف الصغيرة مكتوبة باللون الرمادي، وليس الأسود، يكون التباين منخفضًا وبالتالي ستكون هناك حاجة إلى المزيد من الضوء لقراءتها. وينطبق المبدأ ذاته على المجهر الإلكتروني. 

استخدم جيانج وزملاؤه تقنية التصوير التايكوجرافي للتوصل إلى معرفة كيف تتغير خاصية معينة من خواص موجات الإلكترونات – وهي خاصية تُعرف بالطور – أثناء مرور الموجات عبر جسم. يُمكن استخدام تلك المعلومات لإنتاج صور تتمتع بتباين قوي، حتى بالنسبة إلى العينات التي تحتوي على ذرات منخفضة العدد الذري، وهي ذرات يصعُب الكشف عنها باستخدام طرق التصوير المجهري الإلكتروني التقليدية التي توفّر دقة وضوح عالية للغاية. ولهذا السبب، احتاج المؤلفون إلى إلكترونات قليلة نسبيًّا لإنشاء صورهم بالمقارنة مع التقنيات المتطورة الأخرى، مثل تقنية التصوير المجهري الإلكتروني الحلقي بالحقل المُظلم (الشكل 1). وبناءً عليه، استخدم الباحثون إلكترونات منخفضة الطاقة من دون التنازل عن دقة الوضوح المطلوبة، بل واستخدموا أيضًا إلكترونات أقل بكثير من تلك المستخدَمة في تقنيات أخرى، وبهذا، تمكَّنوا من تقليل الضرر الواقع على العينة بدرجة أكبر.

شكل 1| تحسين دقة وضوح التصوير المجهري الإلكتروني. (أ) هذه الصورة لرقاقة من ثنائي   كبريتيد الموليبدنوم، تم الحصول عليها باستخدام التصوير المجهري   الإلكتروني الحلقي بالحقل المظلم، وهى الطريقة التقليدية المستخدَمة للحصول على   صور تتمتع بدقة وضوح فائقة للعينات. (ب) أعلن جيانج وزملاؤه1عن   توصلهم إلى مجهر إلكتروني يعمل عن طريق تحليل أنماط حيود الإلكترونات التي يتم   بثها عبر العينة (وهي تقنية يُطلق عليها «التايكوجرافي: التصوير بتراكب أنماط الحيود»). توفر هذه الطريقة أفضل دقة وضوح تم   الكشف عنها حتى الآن لمجهر إلكتروني. وفي هذه الصورة، تظهر الذرات الموجودة في   رقاقة ثنائي كبريتيد الموليبدنوم بوضوح أكبر بكثير. شريط المقياس، 3   أنجستروم.

شكل 1| تحسين دقة وضوح التصوير المجهري الإلكتروني. (أ) هذه الصورة لرقاقة من ثنائي كبريتيد الموليبدنوم، تم الحصول عليها باستخدام التصوير المجهري الإلكتروني الحلقي بالحقل المظلم، وهى الطريقة التقليدية المستخدَمة للحصول على صور تتمتع بدقة وضوح فائقة للعينات. (ب) أعلن جيانج وزملاؤه1عن توصلهم إلى مجهر إلكتروني يعمل عن طريق تحليل أنماط حيود الإلكترونات التي يتم بثها عبر العينة (وهي تقنية يُطلق عليها «التايكوجرافي: التصوير بتراكب أنماط الحيود»). توفر هذه الطريقة أفضل دقة وضوح تم الكشف عنها حتى الآن لمجهر إلكتروني. وفي هذه الصورة، تظهر الذرات الموجودة في رقاقة ثنائي كبريتيد الموليبدنوم بوضوح أكبر بكثير. شريط المقياس، 3 أنجستروم.

كبر الصورة

© Replace me

ربما لا تكون أكثر سمة لافتة في الصورة التي أنتجها جيانج وزملاؤه هي الذرات بحد ذاتها، ولكن الفجوات الضخمة بين هذه الذرات. إن متوسط أطوال الروابط في المادة يمكن قياسه في عينة شاملة باستخدام كافة أنواع طرق الحيود والتحليل الطيفي، ولكن الصورة التي أنتجها المؤلفون تقدّم قياسًا شديد الدقة لأطوال الروابط بين الأزواج المنفردة من الذرات، والتي تكون حساسة لبيئة الارتباط الموضعية للذرات. ولكنْ، هل الصور فائقة الوضوح المأخوذة للفجوات بين الذرات مفيدة في أي مجال آخر؟

أعتقد أن الإجابة تكمن في قصة النجاح الكبير لتقنية التصوير التايكوجرافي بالأشعة السينية: التصوير المقطعي4 وهى تقنية يتم فيها الحصول على العديد من الصور ثنائية الأبعاد لجسم شفاف أثناء دورانه حتى يمكن بناء صورة ثلاثية الأبعاد له. وتُعتبر معلومات الطور مؤشر تصوير مثالي لهذه التقنية. ولكنْ عند التقاط الصور عبر جسم مصمت، يجب أن تكون دقة الوضوح أعلى ما يمكن لتمييز السمات الواقعة على السطح العلوي عن تلك الواقعة على السطح السُفلي، حيث إن العديد من هذه السمات ستبدو (عند رؤيتها في الإسقاط) قريبة من بعضها من منظور جانبي.

اختبر جيانج وزملاؤه درجة وضوح مجهرهم الإلكتروني عن طريق وضع طبقتين من الذرات فوق بعضهما وقياس المسافة الجانبية الظاهرية الدنيا بين الذرات في الطبقتين المختلفتين، وقد كادت بعض هذه الذرات أن تتداخل. ومن وجهة نظري، فهذا الاختبار يُثبِت أن مجهرهم يمكن استخدامه في التصوير المقطعي. ومن الناحية النظرية، لا يُعتبر تصوير الطبقات المتعددة هذا مقصورًا على المواد البلورية ثنائية الأبعاد، حيث إنه قابل للاستخدام مع أي بِنْية مُعقدة غير بلورية. وللأسف، في حالة الأجسام الأكثر سُمكًا، قد تتشتت موجات الإلكترونات بشدة لدرجة أنها تنتشر وتتداخل مرة أخرى مع بعضها بطرق مُعقدة، وهو ما يجعل استنباط بِنْية الجسم أكثر صعوبة، على الرغم من أن هذا الاستنباط ليس مستحيلًا من الناحية النظرية.

ربما لا يكون الدرس المستفاد من هذا العمل البحثي هو مجرد التوصل إلى دقة الوضوح التي حققت رقمًا قياسيًا، ولا تطبيقاتها على المواد ثنائية الأبعاد، ولكنه في حقيقة هو أن هذا العمل سيوفر طريقة للتصوير الدقيق للروابط ثلاثية الأبعاد لكل ذرة منفردة في كتلة مصمتة من المادة، مع استخدام أدنى تدفق من الإلكترونات التي تتسبب في تَلَف العينة. وفي الواقع، يلمّح المؤلفون في استنتاجاتهم إلى هذا الاحتمال المثير للاهتمام، مشيرين إلى أن الخطوة القادمة ستكون استخدام كاشفهم الرائع في التصوير المقطعي. وسيكون الهدف حينها هو التوصل بشكل محكم إلى البِنى الذرية ثلاثية الأبعاد للمواد الصلبة التي لا تتمتع بترتيب طويل المدى، مثل المواد البلورية النانوية والزجاج والمعادن غير المتبلورة، والتي يلزم حاليًّا استنباط تراكيبها بأخذ متوسط قياسات العيّنات الشاملة.

يُعلِن المؤلف عن وجود تضارب في المصالح المالية

References

  1. Jiang, Y. et al. Nature 559, 343–349 (2018). | article
  2. Hoppe, W. Acta Crystallogr. A 25, 495–501 (1969). | article
  3. Rodenburg, J. M. in Advances in Imaging and Electron PhysicsVol. 150 (ed. Hawkes, P. W.) 87–184 (Elsevier, 2008). | article
  4. Pfeiffer, F. Nature Photon. 12, 9–17 (2018). | article
  5. Rodenburg, J. M., Hurst, A. C. & Cullis, A. G. Ultramicroscopy107, 227–231 (2007). | article
  6. Gardner, D. F et al. Nature Photon. 11, 259–263 (2017). | article
  7. Marrison, J., Räty, L., Marriot, P. & O’Toole, P. Sci. Rep. 3, 2369 (2013). | article
  8. Zheng, G., Horstmeyer, R. & Yang, C. Nature Photon. 7, 739–745 (2013). | article
  9. Erni, R., Rossell, M. D., Kisielowski, C. & Dahmen, U. Phys. Rev. Lett. 102, 096101 (2009). | article
  10. Morishita, S. et al. Microscopy 67, 46–50 (2018). | article

جون رودنبرج يعمل بقسم هندسة الإلكترونيات والكهرباء في جامعة شيفيلد، شيفيلد S10 2TN، المملكة المتحدة.

البريد الإلكتروني: j.m.rodenburg@shef.ac.uk