أنباء وآراء

سرطان: استكشاف الخلايا الغازِيَة في سرطان الثدي

أثناء تطوُّر سرطان الثدي، تنتشر الخلايا الورميّة الناشئة في قناة اللبن إلى أماكن أخرى في الثدي. وأمكن الآن الكشف عن منشأ هذه الخلايا الورميّة الغازِيَة عن طريق تحليل خلايا مفردة محدَّدة مكانيًّا.

دوجلاس إس. ميكاليزي، وشيامالا ماهيسواران

  • Published online:

في المرحلة المبكرة من سرطان الثدي التي تُعرف باسم السرطان القَنَوِيّ الموضعي (DCIS)، تنشأ مجموعة من الخلايا السرطانية في قناة اللبن وتظل حبيسة هناك. وقد ارتفعت نسبة الإصابات المسجَّلة بالسرطان القَنَوِيّ الموضعي منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وربما يرجع ذلك إلى زيادة اكتشافه بسبب انتشار فحص سرطان الثدي1. تتطور أكثر من 40% من حالات سرطان الثدي القَنَوِيّ الموضعي إلى سرطان قَنَوِيّ غازٍ (IDC)، حيث تغزو الخلايا السرطانية مناطق أخرى من الثدي2، 3، 4، ويتطلب الأخير علاجًا إكلينيكيًّا. بالإضافة إلى ذلك ونظرًا إلى عدم إمكانية توقُّع حالات سرطان الثدي القَنَوِيّ الموضعي المعرضة لخطر التحوُّل إلى سرطان قَنَوِيّ غازٍ، فإن العلاج الاعتيادي في تلك الحالات هو الجراحة، وغالبًا ما يتبعها العلاج الإشعاعي5. لذا، فإن فهْم كيفية تطوُّر سرطان الثدي القَنَوِيّ الموضعي إلى غازٍ قد يتيح العلاج الانتقائي للمعرَّضين لخطورة بالغة من تطوُّر المرض وانتشاره. ويكشف بحث نشرته كاساسنت وزملاؤها6 في دورية «سيل» Cell منشأ سرطان الثدي القَنَوِيّ الموضعي وتطوُّره إلى غازٍ.

حصلت كاساسنت وزملاؤها على عيِّنات مجمدة من أنسجة سرطان الثدي جُمعت من المرضى. واستخدم الباحثون تسلسل الحمض النووي لخلية مفردة من خلايا مناطق مصابة بالسرطان القَنَوِيّ الموضعي والغازٍ من المقطع النسيجي نفسه بغرض رسم خرائط جزيئية لمرضى سرطان الثدي، وهو نهج يطلقون عليه «التسلسل الطبوغرافي للخلايا المفردة». وعمدوا إلى تلوين العيّنات لتمييز الخلايا السرطانية، وحدّدوا موقع كل خلية مختارة في مناطق السرطان القَنَوِيّ الموضعي والغازٍ. وقد أتاحت التقنية المسمَّاة «التشريح المجهري بالليزر» فصل خلية مختارة عن الخلايا المجاورة لها عن طريق تمرير شعاع ليزر حول الخلية. بالإضافة إلى هذا النهج،  استُخدمت تقنية أخرى يُطلق عليها «القذف بالليزر»، حيث تَدْفَع الطاقة من شعاع الليزر فوق البنفسجي خلية تم تشريحها مجهريًّا إلى داخل أنبوب جمع لتحليل الحمض النووي لاحقًا. وتُستخدم هذه التقنيات المعتمدة على الليزر في سياقات أخرى، منها: الطب الشرعي ودراسات فسيولوجيا النبات7.

قام الباحثون بتحليل 1,293 خلية من هذه الخلايا الورميّة المعزولة فرديًّا من 10 مرضى مصابين بسرطان الثدي، وقَيّموا ما إذا كانت الخلايا المعزولة من كل مريض تحتوي على تغيرات في عدد نسخ الجينات أم لا، وهو نوع من التغيّرات يؤدي في بعض الأحيان إلى تكوُّن الورم ونموّه. ويمكن لمقارنة هذه التغيّرات في الخلايا الورميّة المأخوذة من فرد واحد أن تحدّد مجموعات مميزة من الخلايا (نسائل). ويمكن أن يكشف تحليل أنماط التغيرات الجينية عن المنشأ الخلوي للنسيلة وعلاقتها بالنسائل الأخرى. وبإضافة هذه المعلومات إلى معرفة موقع الخلية، يكون لدينا طريقة لتتبع تطوُّر السرطان القَنَوِيّ الموضعي إلى غازٍ.

لاحظت كاساسنت وزملاؤها أن أورام أربعة من المرضى تشكلت من نسيلة واحدة، وأن أورام المرضى الستة الآخرين تألفت من بين اثنين إلى خمس نسائل. اشتركت نسائل كل مريض كانت أورامه متعددة النسائل في مجموعة من الانحرافات الجينومية، مما يوحي بأن جميع الخلايا الورميّة لدى كلٍّ من هؤلاء المرضى قد انحدرت من خلية مفردة، مع وجود تباين جيني بين النسائل المختلفة الناشئة عن اكتساب المزيد من التغييرات.

لُوحِظ لدى مرضى الأورام متعددة النسائل أنّ كافة النسائل المفردة موجودة في مناطق كلٍ من السرطان القَنَوِيّ الموضعيّ والغازٍ (الشكل 1). ويشير هذا إلى نموذج تنشأ فيه النسائل وتتطور في قناة اللبن، لتهرب منها بعد ذلك كي تكوّن سرطانًا قَنَوِيًّا غازِيًا في مكان آخر من الثدي، كما يحدث في المناطق التي تحتوي على خلايا سَدَوِيّة. وكانت النسائل المتنوعة مُوزّعة على نطاق واسع عبر أنسجة الثدي، بينما كانت نسائل معيّنة مُوزّعة توزيعًا متساويًا بين قنوات اللبن ومناطق غزو الورم، وكانت نسائل أخرى موجودة بغزارة إما في المناطق المَغزُوة أو قنوات اللبن.

الشكل 1 | استكشاف المناشئ الخلويّة لسرطان الثدي. تتناول كاساسنت وزملاؤها6تطوير تقنية للتحليل المكاني لخلايا سرطان الثدي المفردة في عينات الأنسجة التي تم الحصول عليها من المرضى. وقد مكّنتهم هذه التقنية من تحديد المنشأ الخلويّ لسرطان الثدي غير الغازٍ الذي يُطلق عليه السرطان القَنَوِيّ الموضعي (DCIS)، حيث تتكوّن الخلايا الورميّة في قناة اللبن. وكشف الباحثون عن أن السرطان القَنَوِيّ الموضعي ينشأ من خلية مفردة بادئة للورم والخلايا المنحدرة منها. ومِن هذه الخلايا الورميّة ما قد يتباعد عن بعضه خلال فترة مؤقتة من عدم الاستقرار الجينومي لكي تتكوّن عدّة مجموعات خلوية مختلفة أو نسائل (النسائل المختلفة موضّحة بالألوان الأحمر أو الأصفر أو الأرجواني الداكن).  يتطور سرطان الثدي القَنَوِيّ الموضعي في بعض الأحيان إلى المرحلة الغازِيَة، وفيها تنتقل الخلايا الورميّة إلى مناطق أخرى من أنسجة الثدي، مثل المناطق التي تحتوي على خلايا سَدَوِيّة، حيث ينمو الورم مشكِّلًا ما يُعرف بالسرطان القَنَوِيّ الغازٍ (IDC). وهناك جدل دائر على هوية الخلايا التي ينشأ عنها السرطان القَنَوِيّ الغازٍ. وقد اكتشفت كاساسنت وزملاؤها أن كافة النسائل الورميّة الموجودة في مناطق السرطان القَنَوِيّ الموضعي موجودة أيضًا في مناطق السرطان القَنَوِيّ الغازٍ.

الشكل 1 | استكشاف المناشئ الخلويّة لسرطان الثدي. تتناول كاساسنت وزملاؤها6تطوير تقنية للتحليل المكاني لخلايا سرطان الثدي المفردة في عينات الأنسجة التي تم الحصول عليها من المرضى. وقد مكّنتهم هذه التقنية من تحديد المنشأ الخلويّ لسرطان الثدي غير الغازٍ الذي يُطلق عليه السرطان القَنَوِيّ الموضعي (DCIS)، حيث تتكوّن الخلايا الورميّة في قناة اللبن. وكشف الباحثون عن أن السرطان القَنَوِيّ الموضعي ينشأ من خلية مفردة بادئة للورم والخلايا المنحدرة منها. ومِن هذه الخلايا الورميّة ما قد يتباعد عن بعضه خلال فترة مؤقتة من عدم الاستقرار الجينومي لكي تتكوّن عدّة مجموعات خلوية مختلفة أو نسائل (النسائل المختلفة موضّحة بالألوان الأحمر أو الأصفر أو الأرجواني الداكن).  يتطور سرطان الثدي القَنَوِيّ الموضعي في بعض الأحيان إلى المرحلة الغازِيَة، وفيها تنتقل الخلايا الورميّة إلى مناطق أخرى من أنسجة الثدي، مثل المناطق التي تحتوي على خلايا سَدَوِيّة، حيث ينمو الورم مشكِّلًا ما يُعرف بالسرطان القَنَوِيّ الغازٍ (IDC). وهناك جدل دائر على هوية الخلايا التي ينشأ عنها السرطان القَنَوِيّ الغازٍ. وقد اكتشفت كاساسنت وزملاؤها أن كافة النسائل الورميّة الموجودة في مناطق السرطان القَنَوِيّ الموضعي موجودة أيضًا في مناطق السرطان القَنَوِيّ الغازٍ.

كبر الصورة

أجرى المؤلفون تحليلًا إضافيًّا عن طريق تسلسل المناطق المُشَفِرة للبروتين من الحمض النووي للخلايا السرطانية، كاشفين عن 23 طفرة في المتوسط لكل مريض. وأكد هذا التحليل أن هناك أوجه تشابه مذهلة بين نسائل معينة في المريض، بغضّ النظر عما إذا كانت خلية الورم النسيلة تشكّل جزءًا من منطقة السرطان القَنَوِيّ الموضعي أم الغازٍ. لم يرتبط الانتقال من السرطان القَنَوِيّ الموضعي إلى الغازٍ بارتفاع ملحوظ في عدد الطفرات في النسائل أو في عدد النسائل المستقلة. تم تعيين بعض الطفرات الخاصة بمناطق السرطان القَنَوِيّ الموضعي أو الغازٍ؛ وعلى الرغم من أن هذا يستدعي مزيدًا من الدراسة، فإن النتيجة الرئيسة التي توصل الباحثون إليها هي التشابه الجيني الملحوظ بين خلايا المريض الورميّة في هاتين الحالتين المرضيّتين المتمايزتين. إنّ ملاحظة أن التطوُّر الجينومي للخلايا الورميّة يحدث في قناة اللبن قبل تقدُّم الغزو تشير إلى أن نشوء فترة مؤقتة من عدم استقرار الجينوم هو علامة مبكرة على بداية سرطان الثدي.

إنّ نموذج كاساسنت وزملائها – حيث يبدأ سرطان الثدي من قناة اللبن انطلاقًا من خلية مفردة بادئة تؤدي إلى ظهور عدّة نسائل في القناة تغزو فيما بعد باقي أنسجة الثدي – يتناقض مع نموذجين بديلين لتطوّر السرطان القَنَوِيّ الغازٍ8، 9، 10. يقترح نموذج النسب المستقل 8، 9 أن السرطان القَنَوِيّ الموضعي والغازٍ يتطوّران بشكل مستقل من خلايا مختلفة بادئة للورم. أما النموذج الآخر10، عنق الزجاجة التطوريّ، فيقترح أن خلية مفردة بادئة في قناة اللبن هي منشأ العديد من النسائل، تنجح واحدة منها فقط في الفرار من قناة اللبن لكي تغزو بقية الأنسجة.

ولا تزال هناك أسئلة كثيرة مطروحة؛ منها: ماذا يحفّز حدوث التغيّرات الجينية في الخلية البادئة للورم في السرطان القَنَوِيّ الموضعي؟ هل تنشأ خلايا بادئة للورم أخرى ممكنة في المرحلة الأولى من المرض، حيث تؤدي واحدة منها فقط إلى السرطان القَنَوِيّ الموضعي بينما يتم استبعاد الخلايا الأخرى؟ ثمة ضرورة إلى فهْم أفضل لكيفية فرار الخلايا الورميّة من قناة اللبن عبر تفكك الطبقة الخارجية للقناة (الغشاء القاعدي)، وكيفية تمكُّن بعض الخلايا من كافة النسائل الموجودة في السرطان القَنَوِيّ الموضعي من مغادرة القناة.

إنّ التشابه الجيني بين الخلايا الورميّة في مناطق السرطان القَنَوِيّ الموضعي والغازٍ لدى فرد معين يطرح سؤالًا عن ماهية الاختلافات التي تمكِّن بعض الخلايا من بدء المرض الغازٍ. كما أن التوصّل إلى تمييز أوضح للاختلافات بين السرطان القَنَوِيّ الموضعي منخفض الخطورة، الذي لا يتطوّر إلى غازٍ،  والسرطان القَنَوِيّ الموضعي شديد الخطورة الذي يتطوّر إلى غازٍ، قد يساعد على التوقُّع الدقيق بمخاطر تطوُّر المرض. وربما ستتطلب معالجة هذا الأمر عقْد مقارنات بين ملامح النسخ الجينية للخلية المفردة أو تقييم التعديلات المعروفة باسم «تغيّرات التَّخَلُّقِ المُتَوالي»، التي تغيّر معقّد البروتين-الحمض النووي في الكروماتين ويمكن أن تؤثر على التعبير الجيني.

ويمكن استخدام نهج كاساسنت وزملائها لدراسة مختلف أنواع السرطان التي لا يمكن فيها الحصول على نظرة مكانية فاصلة على نمو الورم بالطرق التقليدية. فعلى سبيل المثال، إن استخدام هذه التقنية لاستقصاء النمو الخلوي غير الطبيعي الذي يتطوّر في النهاية إلى حالة خبيثة سيكون خيارًا موفّقًا للدراسات المستقبلية عن منشأ الخلايا الورميّة وتغايُرها النسيلي. ولكن لا يتضح النطاق الممكن لتطبيق هذه الطريقة إذا وضعنا بالاعتبار المتطلبات الفنية والمالية. وبالرغم من ذلك، تمكَّنت كاساسنت وزملاؤها من إثبات أن نهجهم قادر على تقديم رؤية مفيدة حول ديناميات النسائل الورميّة أثناء تطوّر سرطان الثدي.  

References

  1. Virnig, B. A., Tuttle, T. M., Shamliyan, T. & Kane, R. L.J. Natl Cancer Inst. 102, 170–178 (2010). | article

  2. Sanders, M. E., Schuyler, P. A., Dupont, W. D. &Page, D. L. Cancer 103, 2481–2484 (2005). |

    article
  3. Sanders, M. E., Schuyler, P. A. Simpson, J. F., Page, D. L. & Dupont, W.D. Mod. Pathol. 28, 662–669 (2015). | article

  4. Collins, L. C. et al. Cancer 103, 1778–1784 (2005). | article
  5. . Shah, C. et al. JAMA Oncol. 2, 1083–1088 (2016) | article
  6. Casasent, A. K. et al. Cell 172, 205–217 (2018). | article
  7. Schόtze, K., Niyaz, Y., Stich, M. & Buchstaller, A.Methods Cell Biol. 82, 649673 (2007). | 

     | article
  8. Sontag, L. & Axelrod, D. E. J. Theor. Biol. 232,179–189 (2005). | article

  9. . Miron, A. et al. Cancer Res. 70, 5674–5678 (2010). | article
  10. Cowell, C. F. et al. Mol. Oncol. 7, 859–869 (2013). | article

دوجلاس إس. ميكاليزي، وشيامالا ماهيسواران باحثان في مركز أبحاث السرطان التابع لمستشفى ماساتشوستس العام، كلية الطب بجامعة هارفارد، ماساتشوستس 02129، الولايات المتحدة الأمريكية.  

البريد الإالكتروني: maheswaran@helix.mgh.harvard.edu