افتتاحيات

دروس مستفادة من تاريخ الاتحاد الأوروبي

برامج البحث العلمي التابعة للاتحاد الأوروبي تشجع العلماء على التعاون عبر البلدان المختلفة، وتقدم إلى بقية دول العالم دروسًا مستفادة في مجال البحث العلمي.

  • Published online:

في الأسبوع الأخير من شهر مايو من العام الحالي (2019)، عَقد الاتحاد الأوروبي انتخابات برلمانية، كعادته كل خمس سنوات. ويترقب الباحثون نتيجة هذا الحدث بلهفة شديدة. ففي الوقت الذي لا يزال فيه من المقرر أن تخرج المملكة المتحدة من هذه المجموعة، وتتنامى فيه النزعات الشعبية والقومية في دول عديدة، يخيم شعور بأن التكامُل الدولي الذي ازدهر عبره الاتحاد الأوروبي لعقود من الزمن قد يكون على مشارف الزوال. وفي شهر إبريل من العالم الحالي، عَقد الاتحاد الأوروبي لعلوم الأرض جلسة استثنائية في جمعيته العامة في فيينا؛ للتعبير عن المخاوف في هذا الصدد، وأصدر إعلانًا، مفاده أن "أي تهديدات لوحدة أوروبا هي تهديدات للبحث العلمي".

وهذا صحيح.. فالفائدة التي تعود على العلم من اتحاد أوروبي متكامل لم تحظ بالإشادة الكافية. فهذا الاتحاد الفريد من نوعه على الصعيدين؛ الاقتصادي، والسياسي، وتم بناؤه على أنقاض أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أدى إلى خلق قارة تزداد سلامًا وازدهارًا كل يوم، وإلى إنشاء شبكة قَيّمة من أشكال التعاون البحثي بين الدول الأعضاء في الاتحاد، ودول أخرى خارجه. ولا توجد مجموعة أخرى من الدول تتعاون بقدر مضاه. ولهذا السبب.. تناولَت دورية Nature - في عدد خاص صدر في الأسبوع الأخير من شهر مايو - مستقبل البحث العلمي في أوروبا بعد الـ«بريكست»، أي (انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي)، انظر: (go.nature.com/Europe).

واقتناعًا من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بأن البحث العلمي هو حجر الأساس الذي يقوم عليه التقدم الاقتصادي، والاجتماعي، فقد خصصت له الدول الأعضاء حصة أكبر من ميزانيتها الرئيسة، آخذة في الزيادة، إذ ازدادت حصة البرنامج الإطاري للأبحاث والابتكار التابع للاتحاد الأوروبي من ميزانية الاتحاد السنوية، لترتفع من 4% في العقد الماضي إلى 8% الآن. وبلغت إجمالًا 74.8 مليار يورو (أي ما يعادل 83.5 مليار دولار أمريكي) في الفترة من 2014 إلى 2020 وحدها. وقد أنشأ البرنامجُ المجلسَ الأوروبي للبحوث (ERC)، الذي يتمتع بقدرة تنافسية عالية، كما أدرج تضمن نظامًا يحظى بإعجاب واسع لتنظيم المشروعات البحثية، والمنح التدريبية بين البلدان المختلفة، وأسهم التناغم الوثيق بالسوق الموحدة للاتحاد الأوروبي في تمكين هذا النظام. ومن هنا، مثلت البرامج البحثية قوى داعمة للتكامل الأوروبي.

كما يرصد الاتحاد الأوروبي أموالاً إضافية – 44 مليار يورو – لمساعدة الدول الأفقر على تأسيس بِنْيتها التحتية في مجال البحث العلمي. وقد كانت لهذه التمويلات أهمية شديدة في دول أوروبا الشرقية، الشيوعية سابقًا، التي انضمت إلى الاتحاد منذ عام 2004. ويثمر هذا التنوع الجغرافي مجالًا بحثيًّا أكثر قوة. كما وضعت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي - إدراكًا منها بأنها تكون أكثر قوة عندما تتحد، لا عندما يعمل كل منها بمفرده - سياسات رائدة على مستوى العالم فيما يتعلق بالمعايير البيئية، شملت سياسات حول تغَيُّر المناخ، وتنظيم المواد الكيميائية، والتلوث الناجم عن المواد البلاستيكية. كما أنها تعمل الآن على وضع معايير نموذجية جديدة تختص بحماية البيانات، والعلوم مفتوحة الوصول.

إذَن، ماذا يخبئ لنا المستقبل؟ فعلى الرغم من أن حصة أوروبا النسبية في الإنفاق العالمي على العلوم والأبحاث تتقلص (بينما تزداد حصة الصين)، إلا أن أبحاثها لا تزال مؤثرة، ويُستَشْهَد بها على نطاق واسع، لكنّ أحد التهديدات المحتملة التي تلوح في الأفق يتمثل في اتساع فجوة عدم المساواة بين البلدان في مجال البحث العلمي في أوروبا؛ فمنذ الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في عام 2008، لم تتعاف بلدان، مثل إسبانيا، لتعود إلى مستوياتها السابقة المعهودة من حيث الإنفاق على الأبحاث، وأعداد العلماء. ويبدو أن دولًا من الدول الأعضاء المنضمة حديثًا إلى الاتحاد الأوروبي غير راغبة في ضخ استثمارات محلية كبيرة في مجال البحث العلمي، وهو ما قد يعرِّضها لخطر التخلف أكثر عن ركْب التقدم.

يخطط الاتحاد الأوروبي الآن لميزانيته القادمة، ولوضع برنامج العمل الإطاري الكبير؛ «هورايزون يوروب» Horizon Europe، الذي يُعتزم إطلاقه بداية من عام 2021، حتى عام 2027، وسيتولى برلمان جديد، ومفوضية أوروبية جديدة في وقت لاحق من هذا العام الخروج به. ويجب تهدئة المخاوف بشأن كون هذا البرلمان أقل مناصَرة للبحث العلمي؛ فقد كان بعض البرلمانيين أكثر التزامًا بمسؤولية دعم العلوم في أوروبا من وزراء مؤسسات العلوم الوطنية في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من أن الرغبة المتزايدة في التوصل إلى ابتكارات، وتحقيق ترجمة لها ضمن إطار برنامج «هورايزون يوروب» تستحق الإشادة؛ إلا أن تلك الرغبة يجب أن تظل  مدعومة بأساس، إذ لن يكون هناك ابتكار في غياب البحوث الأساسية. ولهذا.. ينبغي للأطراف المعنية بمناقشة الميزانية أن تقدِّم زيادة سخية في التمويلات الممنوحة إلى المجلس الأوروبي للأبحاث.

والآن، بات من الواضح ما الدروس التي يجب أن يتعلمها البرلمان الجديد – وغيره من المؤسسات المهتمة بتعزيز البحث العلمي على الصعيد العالمي – من تاريخ الاتحاد الأوروبي، إذ تتطلب الأبحاث الموثوقة تعاونًا، وتخطيطًا طويل المدى، واستقرارًا، وتمسكًا بنقاط القوة هذه في مواجهة النزعات الشعبية، والقومية، أو غيرها من القوى التي تهدد بتفكيك الاتحاد الأوروبي. وينبغي على البرلمان المستقبلي أن يدافع بكل قوة ممكنة عن هذه الوحدة. كما يستطيع الباحثون فعْل ذلك أيضًا، إذ ينبغي عليهم - ببساطة - إخبار الآخرين بمدى أهمية الاتحاد الأوروبي لعَمَلهم في مجال البحث العلمي.