افتتاحيات

مشكلات الصحة العقلية في الأوساط الأكاديمية

افتُتح خلال الأسبوع الثالث من شهر مايو الماضي أول مؤتمر دولي عن الصحة العقلية لطلاب الدراسات العليا، لكن هناك حاجة إلى بذل جهود أكبر بكثير؛  لمعالجة البيئة السامة التي تضر بكثير من طلاب الدكتوراة وما بعد الدكتوراة.

  • Published online:

عُقد خلال الأسبوع الثالث من شهر مايو الماضي بمدينة برايتون في المملكة المتحدة «المؤتمر الدولي الأول لصحة باحثي الدراسات العليا العقلية وسلامتهم». استهدف المؤتمر - الذي استمر لمدة يومين (وبيعت كل تذاكر حضوره) - مواجهة حقيقة بسيطة وملحة؛ مفادها أن كثيرين من طلاب الدكتوراة وباحثي ما بعد الدكتوراة مثقَلون بأعباء العمل، ويعانون توترًا شديدًا، وأن صحتهم العقلية تتأثر بسبب ذلك.

اتضحت هذه الصورة المزعجة بشكل جليّ من خلال دراسات أُجريت على مدى السنوات القليلة الماضية. واحدة من هذه الدراسات أجريت على مجموعة من طلاب الدكتوراة بمدينة فلاندرز في بلجيكا، ووجدت أن احتمالات معاناتهم من مشكلات مرتبطة بالصحة العقلية تزيد على الضعف، مقارنة بنظرائهم الذين حصلوا على تعليم عالٍ بوجه عام، وأن ثلثهم إمّا عانى بالفعل اضطرابًا نفسيًّا، أو كان مهددًا بخطر الإصابة به. وكشفت دراسة استقصائية أُجريت على طلاب دكتوراة بجامعة أريزونا في مدينة توسان أن حوالي ثلاثة أرباعهم يعانون توترًا «أعلى من المتوسط». وعندما غطّت دورية Nature هذه المشكلات، غمرنا القراء بقصص شخصية مليئة بالإحباط والمعاناة.

وقد شَرَعَ هذا الموضوع يحظى بالاهتمام. ففي مارس عام 2018، انطلقت سلسلة مشروعات، مكونة من 17 مشروعًا؛ بهدف تحقيق فهْم أفضل للتهديدات التي يواجهها الباحثون ممن لا يزالون في مقتبل حياتهم المهنية، فيما يتعلق بسلامتهم، واسكتشاف أنواع الدعم التي يمكن أن تقدِّمها جامعاتهم إليهم. وقد اضطلع بتمويل هذه الجهود في الأساس «مجلس تمويل التعليم العالي لإنجلترا» بمبلغ يصل إلى 1.5 مليون جنيه إسترليني (ما يعادل مليوني دولار أمريكي)، وتستكمل التمويل الآن «منظمة المملكة المتحدة للبحوث والابتكار». وقد أبرز مؤتمر برايتون كثيرًا من هذه المجهودات ومشروعات بحثية أخرى، وكانت «نيتشر ريسيرش» Nature Research راعية لهذا اللقاء.

يتمثل أحد عوائق هذه المجهودات في نقص البيانات، وكونها تنطبق - في غالبية الأحوال - على جامعة واحدة، أو منطقة بعينها. كما أن البيانات الدولية شحيحة، وغير معيارية، وهناك حاجة إلى مزيد من العمل على نطاق واسع؛ لفهم حدود مشكلات الصحة العقلية، وكيف تسهم جوانب معينة من بيئة الدراسات العليا والبيئة الأكاديمية - بوجه عام - في هذه المشكلات.

كشفت الدراسات بالفعل عن بعض المناحي الواضحة المثيرة للقلق، فتعاقدات باحثي الدكتوراة وما بعد الدكتوراة قصيرة الأجل يمكنها أن تسمح لأصحاب العمل والمشرفين على الباحثين بأنْ يتجاهلوا واجبهم برعاية هؤلاء الباحثين. كما أن الأوساط الأكاديمية غالبًا ما تُمجِّد وتكافئ العمل الزائد، وساعات العمل الطويلة، فضلًا عن أن توازن القوى بين الباحثين الذين لا يزالون في بداية حياتهم المهنية والمشرفين عليهم يمثل بدوره إشكالية أخرى. فكبار العلماء يُنتظر منهم أن يشكلوا نظام دعم قوي، وأن يكونوا - في الوقت نفسه - مُقيّمين صارمين ومستقلي الرأي للتقدم الذي يحرزه الخاضعون لإشرافهم، وهو تناقض من شأنه إثناء الطلاب عن التعبير عن مشكلات الصحة العقلية التي قد يواجهونها، تخوفًا من أن يؤثر ذلك بالسلب في تقدمهم المهني.

وهكذا.. تبقى الحلول في متناول اليد، فالمشرفون يحتاجون إلى تدريب إلزامي شامل؛ لتمييز الباحثين الذين يواجهون مشكلات صحة عقلية، وفهمهم، ومساعدتهم. كما يمكن أن يكون للطلاب أكثر من مشرف واحد، بما يسمح لهم بالحصول على الدعم، دون القلق من أنْ يضر ذلك بمسيرتهم المهنية. وتحتاج الجامعات إلى التأكد من أن خدمات الصحة العقلية، التي تتيحها للطلاب الجامعيين بشكل يثير الإعجاب، تصل أيضًا إلى طلاب الدراسات العليا وما بعد الدكتوراة. كما يجب على الأوساط الأكاديمية أن تتعلم احترام التوازن بين العمل والحياة، الذي يكافح باحثون كُثر للوصول إليه.

يمثل المؤتمر علامة مشجعة تدل على أن الصحة العقلية لطلاب الدراسات العليا تؤخذ على محمل الجد، لكنْ هناك المزيد مما يجب عمله، لحماية الأجيال المستقبلية من قدرة المجال البحثي البغيضة على الإضرار بممارسيه.