افتتاحيات

تمثيل مختلف الأطياف يتطلب عزمًا

تعتبر المبادرات الساعية إلى تقدير حجم التفاوت في المساواة بين الجنسين عبر الجمع المكثّف للبيانات خطوة مهمة، لكن اتخاذ إجراءات وخطوات بناءً على النتائج لا يقل أهميةً.

  • Published online:

عند بحث التنوُّع في مجال العلوم، تعكس البيانات دائمًا صورة محبطة. فقد أثبتت دراسة، وتقرير صدرا في عام 2018 من الجمعية الملكية للكيمياء في المملكة المتحدة أن نسبة النساء من طلاب الجامعات الذين يشرعون في الدراسة؛ تمهيدًا لنيْل درجات علمية في الكيمياء تساوي 44%. وفي المقابل، تبلغ نسبة السيدات من إجمالي أساتذة الكيمياء 9% فقط (انظر: go.nature.com/2v7mdfv)، لكن – على الأقل – ثمة إدراك متزايد بأننا بحاجة إلى البيانات؛ لتوثيق هذه المشكلة، والتوصل إلى أفضل الحلول لها.

ومن هذا المنطلق.. تجمع مقالتان نُشرتا في الأسبوع الثاني من شهر مايو من العام الحالي (2019) في دوريتَي «نيتشر ريفيوز كيمستري» Nature Reviews Chemistry، و«نيتشر ريفيوز فيزيكس» Nature Reviews Physics البيانات الإحصائية المتعلقة بالنساء في الأوساط الأكاديمية في مجالي الكيمياء، والفيزياء حول العالم، وتقارن بينها، وتبحث في كيفية الاستدلال على التدخلات اللازمة بهذه البيانات M. Peplow Nature  Rev.Chem. https://doi.org/10.1038/s41570-019-0098-y 2019 ، و R. Skibba Nature Rev. Phys. https://doi.org/10.1038/s42254-019-0059-x; 2019.

تبدأ المعوقات أمام النساء في مرحلة مبكرة. فعلى سبيل المثال.. وحسب استطلاع أُجري على طلاب في 32 دولة، يقل احتمال أن تطمح المراهقات في الدول المتقدمة إلى وظيفة تنطوي على استخدام الرياضيات، مقارنةً بهذا الاحتمال بين الصبية الذين يحصلون على درجات أكاديمية مماثلة (M. Charles Socius http://doi.org/c5cm; 2017). وإذا استقر رأيهنّ على أن يسلكن هذا المسار المهني، فهن يواجهن معوقات في كل خطوة به. فماذا تكون النتيجة؟ فجوة من عدم المساواة، آخذة في الاتساع، في أرفع المستويات الأكاديمية.

ورغم أن مجالَيْ الكيمياء والفيزياء - على حد سواء - تشوبهما مشكلة كبيرة، متمثلة في تناقص أعداد النساء فيهما باستمرار، وحسب مقال نُشر في دورية «نيتشر ريفيوز فيزيكس»، في مجال الفيزياء، وُجد أيضًا أن الفتيات والنساء من المُستبعَد بقدر أكبر أن يدرسن المادة أصلاً. ومع ذلك.. فإن البيانات الموثوقة حول مؤشرات تمثيل الجنسين، وغيرها من مقاييس التنوع غير مكتملة. وتمثل الدراسة الاستطلاعية التي أجرتها الجمعية الملكية للكيمياء في عام 2018، والبيانات التي جمعتها الجمعيات العلمية في شتى أنحاء العالم – مثل جمعية ماكس بلانك، والمؤسسة الوطنية الأمريكية للعلوم – نقاط انطلاق بالغة الأهمية. ويجب تحديث هذه الدراسات الاستطلاعية بانتظام، ومن الأمثل توحيد معاييرها، بحيث تصلح للمقارنة بغيرها. وهناك أيضًا حاجة ماسَّة إلى استكشاف أسباب الاختلاف بين الأرقام في مناطق وثقافات عديدة حول العالم، والطريقة المثلى لمواجهة هذه الأرقام في سياقها الخاص.

هذا.. ولكنَّ البيانات وحدها لن تُحْدِث تغييرًا. فالأهم هو التحرُك بناءً عليها. ويُعتبر مشروع «الدفاع عن المرأة» STEP UP 4 Women - الذي تديره الجمعية الفيزيائية الأمريكية - مجرد مثال وحيد على برنامج ينتج منهجًا لمعلمي المدارس الثانوية؛ لمساعدتهم في إلهام الفتيات للسعي من أجل الحصول على درجات جامعية في مجال الفيزياء. وقد يزعم كثيرون بأننا بحاجة إلى البدء في مثل هذه الجهود، قبل هذه المرحلة العمرية بفترة طويلة؛ لتفادي الصور النمطية التي تمسي راسخةً منذ الصغر.

يحتاج التعامُل مع قضايا التنوع مجموعةً من الحلول، وعزيمةً قوية. ويمكن أن نحول دون نبذ الباحثين الموهوبين من الأوساط الأكاديمية، من خلال إرشاد المجموعات التي لا تحظى بتمثيل كاف، ودعمها على نحو أفضل (A. M. Kloxin Nature Rev. Mater. http://doi.org/c5ck; 2019).

وينسحب بعض العلماء من مجال البحث العلمي؛ بسبب صعوبة التوفيق بين مطالب العمل الأكاديمي، وغيرها من المسؤوليات؛ كرعاية قريب مسن، أو تكوين أسرة. وتتمثل إحدى الخطوات المحورية لمواجهة ذلك في وضع سياسات أفضل؛ لدعم التوازن بين الحياة العملية، والحياة الأسرية، بدايةً من مبادرات بسيطة على مستوى الأقسام؛ كتحديد مواعيد الاجتماعات بما يتوافق مع الظروف الأسرية، مرورًا بالمبادرات المجتمعية؛ وعلى سبيل المثال.. جدولة المؤتمرات، وتوفير رعاية للأطفال في المؤتمرات، وصولاً إلى وضع سياسات على مستوى الدولة، تُقَدِّم إجازات أبوة سخية، ويُفضل أن يشترك فيها الجنسان بالتساوي.

ومن المشجع أن نرى المزيد من السياسات، والمبادرات الناشئة الرامية إلى دعم المرأة، وغيرها من المجموعات التي لا تحظى بتمثيل كاف في مجال البحث العلمي. ومن الأهمية بمكان أيضًا جمع البيانات؛ لتقييم أثر تلك السياسات والمبادرات، وتوضيح أيًّا منها يؤتي ثمارًا، لكن التحسينات الحقيقية على صعيد الوصول إلى تمثيل متنوع لن تتحقق إلا بنشر العزم، والتحرك على جميع الجبهات.