تحقيق إخباري

جسر الصين إلى أفريقيا

ظهرت أفريقيا كشريك أساسي في «مبادرة الحزام والطريق الصينية»، وهو ما يعود بالنفع على العلم في القارة السمراء.

أنتوانيتا روسي

  • Published online:
خط السكك الحديدية الرابط بين مدينتي مومباسا، ونيروبي، الذي استقى جزءًا كبيرًا من تمويلاته من أموال مُقترَضة من الصين.

خط السكك الحديدية الرابط بين مدينتي مومباسا، ونيروبي، الذي استقى جزءًا كبيرًا من تمويلاته من أموال مُقترَضة من الصين.

 Image from Pan Siwei/Xinhua/adaAlamy; adapted by Jasiek Krzysztofiak

في داخل صوبة زراعية على حدود نيروبي، يَحمِل قفصٌ صغير آمالَ روبرت جيتورو، وآمال فريق من الباحثين من كينيا، والصين، إذ يمتلئ هذا القفص بعناقيد نضرة من العنب الأحمر والأخضر؛ هي من باكورة ما أنتجته أفريقيا الوسطى على الإطلاق من العنب.

هذا العنب المتنوعة أصنافه طوّرته الأكاديمية الصينية للعلوم (CAS)، وصُمم بحيث ينبت في البيئات الدافئة شبه القاحلة. وقد عكف فريق مشترك من علماء كينيين وصينيين على زراعته؛ بهدف التأسيس لصناعة النبيذ في كينيا.

وفي هذا الصدد، قال جيتورو، الذي يشغل منصب مدير مركز الأبحاث الصيني الأفريقي المشترك: "إنّ هذا الحدث جعل بعض الناس هنا يشعرون بالحماس الشديد". وجدير بالذكر أن مركز الأبحاث الصيني الأفريقي المشترك هو مُنشأة أُسِّسَت بمساعدة الأكاديمية الصينية للعلوم، وافتُتحت في نوفمبر من عام 2018 على أرض جامعة جومو كينياتا للزراعة والتكنولوجيا.

وليس العنب هو المحصول الوحيد الذي حصل عليه المركز من الأكاديمية الصينية للعلوم؛ إذ جلبت الأكاديمية كذلك سلالات من الأرز، بإمكانها أن تزيد إنتاج كينيا منه بأكثر من الثلث، وذلك على حد قول جيتورو. كما جلب الباحثون الصينيون طريقة لاستخدام الأغلفة البلاستيكية؛ للاحتفاظ برطوبة التربة في الحقول المزروعة بالذُّرة.

ومن الممكن أن تسفر نتائج هذه التجارب عن بعض التأثيرات الكبيرة في كينيا؛ فعلى غرار بقاع كثيرة من أفريقيا، تواجه كينيا نقصًا دائمًا في الغذاء. ويقول جيتورو: "الخطوة التالية هي تجربة هذه [النتائج] على نطاق واسع".

وقد أخذت الجهود الصينية المبذولة في أفريقيا تتزايد على مدى العقدين الماضيين، لكن بدأت وتيرتها تتسارع في عام 2013، حين أطلق الرئيس الصيني شي جين بينج مشروعه الطموح لتطوير بِنْية تحتية هناك، الذي صار معروفًا باسم مبادرة الحزام والطريق (BRI). وهذا المشروع، الذي تشير غالبية التقديرات إلى أنه يكلف أكثر من تريليون دولار أمريكي، يهدف إلى ربط الصين بأكثر من 130 دولة عبر شبكة من الطرق، وخطوط السكك الحديد، وخطوط للنقل البحري؛ من أجل زيادة حجم المعاملات التجارية، وزيادة النفوذ الصيني في العالم.

وحتى الآن، وقّعت 39 دولة أفريقية – إلى جانب مفوضية الاتحاد الأفريقي - على اتفاقيات التعاوُن التابعة لمبادرة الحزام والطريق، ومن المنتظر أن تحذو حذوها دول أخرى. وفي ضوء انضمام غالبية أجزاء القارة السمراء إلى المبادرة، برزت القارة كواحدة من أقوى الداعمين لها، كما صارت الصين الممول الأكبر للبِنْية التحتية الأفريقية، إذ تمول مشروعًا واحدًا من بين كل خمسة مشروعات. وكما هو الحال في الكثير من المناطق الأخرى المشارِكة في المبادرة، فإنّ لهذا  تبعاته على مجالَي؛ العلم، والتعليم.

ورغم أن فكرة إنشاء المركز الصيني الأفريقي كانت قائمة قبل انطلاق مشروع مبادرة الحزام والطريق، إلا أنه صار جزءًا أساسيًّا من الاستثمارات العلمية للمشروع في القارة. وبصفته أول المراكز البحثية القائمة بشراكة بين الأكاديمية الصينية للعلوم ودولة أفريقية، فإنه سيكون المقر الرئيس لعدد من المؤسسات الشبيهة الناشئة في أنحاء القارة، من مدغشقر إلى غينيا. وتقتضي الخطط أن تجد هذه المراكز حلولًا لحماية الحياة النباتية، والحيوانية، والتنوع الحيوي.

وتظهر المساعدات الصينية أيضًا في مجال التعليم، خاصة في حقل العلوم. فقد استضافت الصين حوالي  62 ألف طالب من طلاب الجامعات، وطلاب الدراسات العليا الأفريقيين في عام 2016، وبذلك فهي تحتل المركز الثاني بعد فرنسا فقط، التي استقبلت103  آلاف طالب، وفقًا لأحدث الأرقام المتاحة من وزارة التعليم الصينية، ومنظمة الأمم المتحدة للتعليم، والعلوم، والثقافة. ويقول روي يانج، الذي يعمل مساعدًا لعميد التعليم الدولي بجامعة هونج كونج، إن الحكومة الصينية قد قدمت أيضًا 8470 منحة دراسية للطلاب الأفريقيين في عام 2015.

ويقول محمد حسن - رئيس الأكاديمية العالمية للعلوم (TWAS) في ترييستي بإيطاليا، وعالِم الرياضيات السوداني - إن دعم الصين لطلاب الدراسات العليا، وطلاب دراسات ما بعد الدكتوراة الأفريقيين غير مسبوق.

وفي حواره مع دورية Nature، قال حسن: "فيما يتعلق بتدريب جيل جديد من الباحثين الأفريقيين، نجد أن [الصينيين] يبلون بلاءً رائعًا.. فهم يساعدون أفريقيا بشكل أفضل من أي دولة أخرى".

أذرع مفتوحة

بداية من خطوط أنابيب النفط في السودان إلى خطوط السكك الحديدية في منطقة القرن الأفريقي، وأساطيل سفن صيد الأسماك في غانا، يظهر تأثير الصين جليًّا في جميع أنحاء أفريقيا. وفي المقابل، ترحب أفريقيا - بشغف - بالخبرات التي تكتسبها، وبالقروض الميسرة التي تحصل عليها، بينما تواجه تعدادًا سكانيًّا آخذًا في التضخم؛ إذ من المتوقع أن يتضاعف عدد سكانها بحلول عام 2050.

ويقول زينج أيبينج - نائب المدير التنفيذي لمركز التعاون الصيني الآسيوي الأفريقي في بكين - إن أفريقيا هي "الشريك الطبيعي" لمبادرة الحزام والطريق، التي تُعَد في جوهرها مشروعًا تنمويًّا.

ويضيف قائلًا: "لقد أخذ عدد متزايد من الدول الأفريقية يدرك أهمية مبادرة الحزام والطريق، ودلالتها للتنمية الأفريقية".

ويقول النقاد الغربيون للمبادرة إن الأنشطة الصينية في أفريقيا تثقل الدول الأفريقية بديون، لن يمكنها سدادها مطلقًا، بينما تسلبها المعادن، وغيرها من الموارد، لكنّ المؤيدين يقولون إن الصين جلبت خبرات لحل قضايا تنموية مهمة، وإنها تعي التحديات التي ينطوي عليها رفع مستويات المعيشة أفضل بكثير من الدول الغربية.

وفي مجال الأبحاث والتنمية، ركزت الصين جهودها على ثلاثة مناحٍ رئيسة في أفريقيا؛ هي تكنولوجيا المعلومات، والزراعة، والتعليم. وهذه كلها أهداف محورية للتنمية، وهي قطاعات ترغب الصين في زيادة حجم التبادل التجاري فيها، أو ترى فيها فوائد لشركاتها.

أما على الساحة التكنولوجية، فلا نظير لما قدمته الصين في أفريقيا؛ إذ شيدت شركة الاتصالات عن بُعْد الصينية العملاقة «هواوي» Huawei نصف شبكات الجيل الرابع في القارة، وغالبية شبكات الجيلين؛ الثاني، والثالث، كما أن اثنتين من أصل ثلاث مِن أَشْهَر العلامات التجارية للهواتف الذكية هما شركتان صينيّتان.

وعن طريق تزويد القارة بوفرة بنموذج شبكات الجيل الخامس، تأمل الصين في ضمان سوق، قوامه مليارا مستخدم لتقنيات الجيل القادم من شبكات الإنترنت؛ وهو سوق سوف يدخل في الخدمات جميعها، بداية من المنازل الذكية، وصولًا إلى الرعاية الصحية.

وأحد مشروعات مبادرة الحزام والطريق الرقمية الأكثر طموحًا هو مشروع نظام كابل «بيس» PEACE، وهو شبكة من الألياف تربط آسيا بأفريقيا، ثم بأوروبا؛ بسرعات تبلغ 16 تيرابايت في الثانية. وحسب شركة «هواوي»، القائمة بأعمال إنشاء الخط، سوف تكون أي شركة اتصالات عن بُعْد قادرة على استخدام الكابل؛ لتعزيز خدمات شبكتها المحلية.

وبالرغم من المخاوف التي تساور بعض المسؤولين الأمريكيين والأوروبيين تجاه أنشطة شركة «هواوي»، فإن مثل هذه المخاوف جرى التغاضي عنها كليًّا في أفريقيا في ظل حاجة القارة الماسة إلى الاتصال بشبكة الإنترنت. وفي هذا الصدد، يقول إريك أولاندر، المؤسس المشارك لمشروع الصين أفريقيا، وهو مصدر غير ربحي ومستقل للوسائط المتعددة في شنجهاي: "يمكن للمرء أن يتفهم لماذا غض الأفريقيون الطرف عن مناشدة الولايات المتحدة بعدم التعاون مع شركة «هواوي»، وهزوا أكتافهم بغير مبالاة، وقالوا: "حسنًا، لن يحدث هذا"".

وتحقِّق شركات الذكاء الاصطناعي (AI) الصينية تقدمًا كبيرًا في أفريقيا. ونظرًا إلى أن قوانين خصوصية البيانات في أفريقيا أقل صرامة من نظيراتها في أوروبا، وفي بعض المناطق الأخرى، فإن شركات الذكاء الاصطناعي قادرة على استغلال تقنيات المراقبة هناك. وعلى سبيل المثال.. فقد وقَّعت الشركة الصينية «كلاود ووك» Cloudwalk اتفاقية تعاوُن مع حكومة زيمبابوي؛ من أجل مشروع واسع النطاق؛ للتعرف على الوجوه. ويهدف المشروع إلى تحسين قدرة خوارزميات الذكاء الاصطناعي على التعرف على الوجود ذات البشرة السمراء، وهو تحدٍّ تواجهه أنظمة عديدة. وفي المقابل، ستساعد شركة «كلاود ووك» الحكومة في بناء نظام مصرفي ذكي؛ من أجل دمج إدارة الشؤون المالية والتكنولوجيا معًا، وتحسين تكنولوجيا المراقبة في المطارات، ومحطات كل من السكك الحديدية، والحافلات، وذلك حسبما ورد في الموقع الإخباري الصيني «جلوبال تايمز» Global Times.

وفي مجال الزراعة، تواجه الصين مشكلة شبيهة بتلك التي يعانيها كثير من دول أفريقيا؛ ألا وهي كيفية تلبية الطلب المتزايد على الغذاء في ظل مواجهة التصحُّر الشاسع. ويقول أولاندر: "تمتلك الصين الكثير من الخبرات في إدارة الصحاري في ظل توسع صحراء «جوبي» Gobi". ويضيف قائلًا: "إن الخبرة في هذه التخصصات ليست حكرًا على الأوروبيين، أو الأمريكيين".

كما أخذت الصين في التركيز أيضًا على التعليم العالي في أفريقيا. فقد أسس مجلس اللغة الصينية، أو ما يُعرف باسم الـ«هانبان» Hanban، 59 معهدًا من المعاهد الكونفوشيوسية بالقارة؛ من أجل نشر تعليم اللغة، والثقافة الصينيتين. كما تتبوأ الصين مكانة متقدمة من حيث عدد المؤسسات الثقافية التي تمتلكها في أفريقيا؛ ولا تفوقها إلا فرنسا، التي تمتلك 115 معهدًا. كما أن دولًا أخرى من الدول الأفريقية؛ ومنها جنوب أفريقيا، وأوغندا، وكينيا، بدأت في إضافة اللغة الصينية المندرينية إلى برامج التعليم الثانوي.

ويقول الباحثون إنه لولا المساعدة الصينية، لما استطاعت دول أفريقية عديدة تحقيق ما يُنجَز من تقدُّم في مجالي؛ العلوم، والتكنولوجيا. وهذا يتجلى في سباق التطور الفضائي في القارة. فعلى سبيل المثال.. تقدِّم وكالة الفضاء الصينية 6 ملايين دولار؛ لمساعدة إثيوبيا على إطلاق أول أقمارها الصناعية في وقت لاحق من العام الحالي (2019)، ومن المزمع أن يقدم القمر الصناعي بيانات علمية عن المناخ، والظواهر المرتبطة بالطقس.

ويقول جيتورو: "إن أفريقيا بمثابة نجم صاعد، غير أن الصينيين قدَّموا لها يد العون، ولا يزالون يساعدوننا في الوصول إلى ما نتطلع إليه سريعًا".

ولا تخشى الدول الأفريقية من هجرة الكفاءات إلى الصين، بقدر ما يقلقها ذلك مع المَعاهد الغربية، التي عادة ما توظف ألمع العقول. فالمشكلة أقل وطأة في حال الصين؛ لأن الضوابط الصارمة الخاصة بتأشيرات الإقامة هناك تفرض على الطلاب الأجانب العودة إلى أوطانهم، فور الانتهاء من برامجهم الدراسية.

ويقول حسن إنه برغم أن المعاهد الصينية ليست ملزمة بمواصلة دعم العلماء الأفريقيين بعد مغادرتهم الصين، إلا أنه عادة ما يظل الخريجون الجامعيون الأفريقيون على صلة بأقرانهم الصينيين طيلة حياتهم المهنية؛ ويبحثون معًا عن مِنَح تمويل الأبحاث. وتفيد الأكاديمية العالمية للعلوم بأن غالبية الطلاب الأفريقيين الذين يدرسون في الصين عبر برامج الزمالة يبلغون بأن هذه الخبرة إيجابية. كما يحصل العديد منهم على وظائف في معاهد أفريقية بعد عودتهم.

ويقول إيمانويل أونوابونا - الباحث في علم المواد التطبيقي في جامعة ريديمر في نيجيريا - إنه لم يضطر حتى إلى الانتظار حتى مناقشة رسالة الدكتوراة، خاصته بعد عودته من الصين، كي يحصل على وظيفة.

ويقول أونوابونا: "في ضوء ندرة الكوادر العلمية المؤهلة في أفريقيا، توجد وظائف شاغرة في انتظار العلماء الذين حصلوا على تدربيهم خارج القارة في مؤسسات مرموقة".

كان هذا أيضًا هو حال جيتورو، الذي أتمّ تعليمه العالي بالكامل في الصين. وبعد عدة سنوات من العمل أستاذًا بجامعة جومو كينياتا، تَمكَّن من إقناع إدارة الجامعة بإنشاء مركز الأبحاث الصيني الأفريقي المشترك، بالتعاون مع حديقة ووهان النباتية التابعة للأكاديمية الصينية للعلوم.

وحسب قول جيتورو، فإن الحكومة الصينية أسهمت بـ15 مليون دولار في إنشاء المركز، وقدمت الأكاديمية الصينية للعلوم منذ تأسيسه تمويلات إضافية بقيمة 3 ملايين دولار لشراء معدّاته. كما منحته الحكومة الكينية الأرض المشيَّد عليها مجانًا، وأعفته من الضرائب المفروضة على الواردات كافة.

ويشكك بعض علماء الغرب في الدوافع الكامنة وراء مثل هذه الاستثمارات، غير أن جيتورو - الذي يضع صورة للزعيم الصيني الثوري ماو تسي تونج على مكتبه، مفتخرًا بها - يقول إن أي سلطة مسؤولة يجب عليها مد يد العون، ليس فقط لأبناء شعبها، ولكن للمجتمع العالمي كذلك، خصوصًا في مجال الدعم العلمي.

ويضيف قائلًا: "إن التحديات العالمية التي تواجه البشرية لا تعرف حقًّا الحدود".

أنتوانيتا روسي صحفية حرة، مقيمة في مدينة نيروبي.