س و ج

سؤال وجواب مع كايتي باترسون.. فنانة الزمن السحيق

تتطلع الفنانة الاسكتلندية كايتي باترسون إلى الآفاق البعيدة؛ فباستخدام النيازك، وعمليات الرصد الفلكي، والحفريات، وبإجراء تجارب في حقل الصوت والضوء، تضعنا أعمالها أمام نطاقات زمنية ومكانية تتجاوز بكثير الخبرات التقليدية. ومع إزاحة الستار عن أعمالها في معرض «تيرنر كونتمبوراري»  Turner Contemporary في مدينة مارجيت الساحلية بالمملكة المتحدة، تتحدث باترسون إلى دورية Nature عن الفن الذي يلقي الضوء على التغييرات الكبرى.

فيليب بول
  • Published online:
عمل فني مركّب من معرض لأعمال كايتي باترسون، تحت عنوان «مكانٌ لا يوجد إلا في ضوء القمر».

عمل فني مركّب من معرض لأعمال كايتي باترسون، تحت عنوان «مكانٌ لا يوجد إلا في ضوء القمر».

STEPHEN WHITE

"مكان لا يوجد إلا في ضوء القمر" معرض (تيرنر كونتمبوراري) بمدينة مارجيت، المملكة المتحدة

امتد المعرض حتى السادس من مايو عام 2019

ينطوي الكثير من أعمالك على تلاعب بالأبعاد الزمانية والمكانية الهائلة. وخريطة «كل النجوم الميتة»All the Dead Stars (2009) هي بمثابة نقش على ألومنيوم أسود مؤكسد لمواقع 27 ألف نجم تقريبًا من النجوم المعروفة، التي بلغت نهاية دورة حياتها. فهل تتطلعين كذلك إلى المستقبل؟ 

نعم، ففي المشروع المستمر «خطابات النجوم المحتضرة» Dying Star Letters (الذي انطلق عام 2011)، أكتب خطابات عزاء حول النجوم المسجَّلة على أنها "ميتة". ويُعتبر العمل «تاريخ الظلام» History of Darkness (الذي انطلق من عام 2010) أرشيفًا ممتدًّا يضم شرائح عرض للمناطق المظلمة من الكون، والتي شوهدت من خلال أرصاد عدة تليسكوبات. وعلى مدار القرن المقبل، سيُكَلِّف صندوقٌ ائتماني أنشئ لصالح مشروع «مكتبة المستقبل» Future Library (الذي يمتد من عام 2014 إلى 2114) 100 كاتب، من ضمنهم مارجريت أتوود، وديفيد ميتشل، بكتابة قصة سوف تظل غير معلَنة حتى عام 2114. وسوف تُطبَع القصص عندئذ على ورق مصنوع من أشجار زُرعت في غابة نرويجية.

 

تعبر بعض أعمالك عن مخاوف تتعلق بالبيئة، فمثلًا، نقل العمل «فاتناجوكول» Vatnajökull لعام 2007 - 2008 صوت المياه الناتجة عن ذوبان الثلوج المتدفقة في أحد الأنهار الجليدية الأيسلندية إلى المستمعين عبر الهاتف الجوال.

كانت المكالمات التليفونية لسماع صوت ذوبان النهر الجليدي بمثابة تجربة مباشرة، قوامها الاستماع إلى مقبرة من الجليد. إنّ أزمة الاحترار العالمي لا تبدو مباشرة عبر الشاشات، وعلى الرسوم البيانية، لكنها كذلك بالطبع، فكوكبنا يختفي، والبشر يعون دورة الحياة والموت. ونحن في حاجة إلى نهج يواكب ما شَبَّهَه ستيفن هوكينج بالـ«التفكير المستقبلي»؛ وهو يعني رؤية بعيدة المدى يمكن للبشرية تفهمها.

قلتِ ذات مرة: "يَسْرِي مفهوم الزمن خلال كل أعمالي"، فكيف ذلك؟

أرى المهن التي تتناول - بشكل روتيني - نطاقات زمنية ممتدة مهنًا رائعة. فبالنسبة إلى أخصائيي علوم الغابات المشاركين في مشروع «مكتبة المستقبل»، فإن 100 عام هي فترة زمنية طبيعية. كما يتناول علماء الجيولوجيا حقبًا زمنية مختلفة، تصبح فيها أحداث الانقراض الكبرى رقعًا على الخرائط، فضلًا عن علماء الفضاء الذين يتناولون فترات زمنية تتجاوز عمر أي كائن حي. وأرى أن الخيال يمثل طريقًا نحو فهمٍ مختلف للزمن. ومن هنا، يسعى الفن الذي أقدمه إلى تناوُل مفاهيم، لا أستطيع الوصول إليها، إلا من خلال الخيال. وكانت رحلتي في علم الفلك بمثابة بحث عن أوجه ارتباطنا بالكون؛ بمعنى أنها إدراك بأننا غير منفصلين عن الكون، بل إننا مرتبطون به ارتباطًا متأصلًا.

إنّ بعض مشروعاتك التي تصل بيننا وبين الفضاء والزمن السحيقين يكاد يتناول كذلك عبثية السعي لتتبُّع أصول الكون.

يتداخل مفهوم العبثية في العمل «تاريخ الظلام»، إذ يصور العمل ظلامًا لامتناه عبر نسيج الفضاء والزمان. ومعرفة أنّ تلك الصور التي ينطوي عليها تشير إلى أماكن يتجاوز مداها الزمني حياة الإنسان قد توسِّع من نطاق علاقتنا بالظواهر التي يعرضها، وتعزز من شعورنا بأننا عرضة للخطأ. فأنا أميل إلى المفهوم الذي يشَبِّه الكون بالبرية الغامضة، إذ يوجد "أفق كوني" على بعد مليارات من الفراسخ الفلكية، وما يقع وراؤه سوف يظل إلى الأبد خارج نطاق فهْمنا. إنّ إبداع الأعمال الفنية هو أسلوبي في التصارع مع فكرة "موقعنا المذهل العصي على المقارنة" في الكون بقدر ما هو محاولة لنقل هذه الفكرة لآخرين.

 

GIORGIA POLIZZI

في العمل «الأرض–القمر–الأرض» Earth-Moon-Earth لعام 2007 (انعكاس سوناتة ضوء القمر من على سطح القمر) قمتِ ببث هذه المقطوعة الموسيقية للودفيج فون بيتهوفن باستخدام شفرة «مورس» عبر موجات الراديو، وأعدت بناء النوتة الموسيقية الجزئية المنعكسة. فكيف يجري هذا؟

تم إبداع هذا العمل بالتعاون مع هواة تواصُل عبر القمر، وهم مجموعات من الأشخاص، يبعثون برسائل لاسلكية إلى بعضهم بعضًا عبر القمر. وقد راسلتهم ببساطة. ففي أثناء دراستي في كلية سلايد للفنون الجميلة بكلية لندن الجامعية، تجوّلتُ داخل مختبر «الجليد والصخور للفيزياء» Rock & Ice Physics Laboratory المُجاور للكلية. وسُمح لي به بتشغيل تسجيلات الثلج الجليدي الخاصة بي في مبرّدات المختبر الضخمة. وحينها اكتشفت مدى سهولة التواصل مع الآخرين العاملين في المجالات المختلفة. وقد تضَمَّن العمل «كل النجوم الميتة» All the Dead Stars المئات من الباحثين، الذين شارك بعضهم بالبيانات، بينما شارك آخرون في تطوير الأعمال الفنية معي. كما أن علماءً يعملون على تقديم مقترح ببعثة لوكالة ناسا قاموا بدعوتي للانضمام إليهم بوصفي "فنانة فضاء/ باحثة مشارِكة" تستقصي الغبار الكوني. وأنا سعيدة للغاية بأنّ هؤلاء العلماء يشعرون أن الفنانين قد يقدمون شيئًا ذا قيمة، للإسهام في أبحاثهم.

يتمثل العمل «الطيف الكوني» (The Cosmic Spectrum (2019 في دائرة ملونة دوّارة، بها قطاعات تبيِّن «الألوان المتوسطة» للكون، منذ الانفجار العظيم حتى الآن، باستخدام بيانات من «مسح الانزياح الأحمر المجري» 2dF. فكيف تستمرين في مواكبة التطورات العلمية؟

لقد اكتشفت أعمال عالَم الفلك إيفان بولدري عن الطيف الكوني قبل عدة سنوات. والكثير من أفكاري أؤجله لأعوام. وفي بعض الأحيان، تكون واحدة من التجارب بالقوة الكافية لأن تدفع تجاه إنجاز مشروع بعد مضيّ سنوات. وتجذبني الدراسات الحالية عن غروب الشمس على كوكب المريخ، الذي رصدته المركبة الطوافة «كيوريوسيتي» Curiosity، التابعة لوكالة ناسا. كما أن مجرد النظر إلى عناوين الإصدارات في المكتبات العلمية يمكن أن يستحضِر صورًا ساحرة.

إنّ كتابك «مكانٌ لا يوجد إلا في ضوء القمر» A Place that Exists Only in Moonlight لعام 2019 يدرج أفكارًا تكاد تشبه مقترحات بحثية، مثل "إبطاء سرعة الضوء؛ للوصول إلى سكون مطلق".

يتضمن الكتاب أعمالًا فنية منبعها الذهن، ويشير الكثير منها إلى المادة الكونية. وغلاف الكتاب مطبوع باستخدام غبار القمر، وغبار من المريخ، ومن نيازك، وكويكبات قديمة. وكنت أريد أن يتمكن القارئ من لمس المادة التي تصفها الكلمات، والإمساك بها في أثناء استيعابه لهذه الكلمات. فهذه الأفكار تشبه التجارب الفكرية، كألغاز كوان Koan الفكرية لدى طائفة زِن البوذية. وبطريقةٍ ما، يَسرِي ذلك في جميع أعمالي الفنية. فما الوقت الآن على كوكب الزهرة؟ وما النصوص التي سيقرأها مَن لم يولدوا بعد؟ وهل من الممكن زراعة غابة من شتلات أقدم شجرة على الأرض؟ يعتريني الفضول دائمًا حول هذه الأسئلة.