أنباء وآراء

هندسة: أنظمة روبوتية تكامُلية مُستوحاة من الكائنات الحية

تأكدت إمكانية بناء نظام روبوتي، تؤدي فيه الحركة العشوائية لمكوّناته الفردية إلى سلوك حتمي، وهو ما يشبه - إلى حدٍّ كبير - ما يحدث في الأنظمة الحية. وقد تستتبِع ذلك تطبيقاتٌ بيئية، وطبية.

ميتِن سيتي

  • Published online:

يمكن الوصول إلى سلوكٍ واسع النطاق في الأنظمة البيولوجية، من خلال الربط والتنسيق المتكامل لمكوّنات صغيرة النطاق، تتحرك عشوائيًّا. على سبيل المثال.. تتجمع الخلايا الحية وتهاجر بشكل جماعي في أثناء التئام الجروح، وعند انتشار السرطان. مِن وَحْي هذه الآليات البيولوجية، يورد لي وزملاؤه1، وصف نظامٍ روبوتيٍ تكاملي، تنشأ فيه حركة حتمية، نتيجةً للحركة العشوائية للعديد من المكوّنات ضعيفة الترابط، قُرصية الشكل. وتُظْهِر النتائج أن العشوائية توفِّر نهجًا واعدًا لتطوير أنظمة روبوتية تكاملية واسعة النطاق، تُظهِر سلوكًا حتميًّا محكمًا.

في نظام لي وزملائه، لا تستطيع المكوّنات قرصية الشكل التحرك بشكل مستقل عن بعضها بعضًا، ولا يمكن التحكم في مكونات فردية منها. وإضافة إلى ذلك.. لا يمكن لكل مكوّن التحرك إلا بالتذبذب على امتداد نصف قطره، وذلك بالتمدد والتقلص. ويشير واضعو الدراسة إلى هذا النهج البسيط باسم "تقنية الروبوتات الجسيمية". ففي غياب محفز خارجي، لا يمكن للنظام التحرك إلا بشكل عشوائي. ومع ذلك.. فعندما تُبرمَج المكوّنات بحيث تعدِّل قطرها؛ استجابةً لإشارة بيئية متغيرة، يحدث تحركٌ جماعي نحو مصدر الإشارة.

يُجرِي لي وزملاؤه تجارب، يحتوي فيها نظام الروبوتات الجسيمية على ما يصل إلى 24 مكوِّنًا، كما يُجْرُون عمليات محاكاة، يكون فيها لدى النظام ما يصل إلى 100 ألف مكوّن. يتراوح قطر كل مكوّن منها من 15.5 إلى 23.5 سنتيمتر في أثناء عمليات التذبذب. ويوضح المؤلفون أن النظام يمكنه أن ينتج حركة قوية، وأن ينقل الأجسام، فضلًا عن التحرك بتوجيه من الضوء وتجنب العوائق (الشكل رقم 1). ومن اللافت للنظر أنهم وجدوا أنه يمكن الحفاظ على الحركة حتى عندما يحدث عطل في 20% من المكوّنات، وهو ما يسلط الضوء على فعالية نهج الروبوتات الجسيمية في مواجهة أعطال المكوّنات الفردية.

الشكل 1نظام روبوتي تكاملي مبتكر – (ج)، يورد لي وزملاؤه1 وصف نظام روبوتي يتألف من العديد من المكوّنات ضعيفة الاقتران عشوائية الحركة، بأبعاد تبلغ عدة سنتيمترات. ويمكن لكل مكوّن أن يتحرك فقط عن طريق التذبذب على امتداد نصف قطره، بالتمدد والتقلص. ويمثل لون المكوّنات قطرها، من الحد الأدنى (الأخضر) إلى الحد الأقصى (الأزرق) في أثناء حركات التذبذب تلك. وتظهر المكوّنات المعتلة وظيفيًّا، التي تُستخدم لاختبار قوة النظام، باللون الأحمر الداكن. ويوضح المؤلفون أن نظامهم يمكنه بمرور الوقت أن يُبدي تحركًا حتميًّا نحو إشارة بيئية، مثل مصدرٍ للضوء ، كما أنه يُبدي قدرة على تجنب العوائق  مُقتبَس من الشكل  في المرجع رقم (1).

الشكل 1نظام روبوتي تكاملي مبتكر – (ج)، يورد لي وزملاؤه1 وصف نظام روبوتي يتألف من العديد من المكوّنات ضعيفة الاقتران عشوائية الحركة، بأبعاد تبلغ عدة سنتيمترات. ويمكن لكل مكوّن أن يتحرك فقط عن طريق التذبذب على امتداد نصف قطره، بالتمدد والتقلص. ويمثل لون المكوّنات قطرها، من الحد الأدنى (الأخضر) إلى الحد الأقصى (الأزرق) في أثناء حركات التذبذب تلك. وتظهر المكوّنات المعتلة وظيفيًّا، التي تُستخدم لاختبار قوة النظام، باللون الأحمر الداكن. ويوضح المؤلفون أن نظامهم يمكنه بمرور الوقت أن يُبدي تحركًا حتميًّا نحو إشارة بيئية، مثل مصدرٍ للضوء ، كما أنه يُبدي قدرة على تجنب العوائق  مُقتبَس من الشكل في المرجع رقم (1).

كبر الصورة

تناولت الدراسات السابقة – في الأساس - المكوّنات التي يمكن أن تتحرك بشكل مستقل عن بعضها بعضًا، ويمكن التحكم فيها بشكل فردي، وتعتمد على تصميمات حتمية السلوك، معقدة نسبيًّا2-5 تتسم غالبية الأنظمة الروبوتية التكاملية، التي تم الإبلاغ عنها سابقًا بمرونة محدودة من حيث التكوينات التي يمكنها أن تأخذها، في حين تشتمل الأنظمة غير محددة الشكل عادةً على مكوّنات ذات قابلية توسع محدودة (قدرة محدودة على مواءمة تزايد كَمّ العمل). وإضافة إلى ذلك.. تتطلب أنظمة عديدة من هذه الأنظمة مستوى معيّنًا من التحكم المركزي، مما يزيد من تقييد قدراتها، وقابليتها للتوسع.

في هذا الصدد، يوفر نهج الروبوتات الجسيمية للي وزملائه بديلًا واعدًا للطرق الأخرى. فبالإضافة إلى كونه مستوحًى من الأنظمة البيولوجية، فإن هذا الأسلوب تشجع عليه ظواهر الفيزياء الإحصائية، التي يمكن فيها نمذجة السلوك الإحصائي العام لعدد كبير من المكوّنات العشوائية، والتحكم فيها، دون الحاجة إلى تتبُّع كل مكوّن على حِدة. ونتيجةً لذلك.. يمتلك هذا النهج مزايا كبيرة، يتفوق بها على الطرق الأخرى، وخاصةً عند زيادة عدد المكوّنات، وتقليص حجم كل منها. وستكون هذه الزيادة مطلوبة للعديد من التطبيقات المستقبلية المحتمَلة للأنظمة الروبوتية التكاملية في مجال الاستكشاف، والإنشاءات، والطب.

ومع ذلك.. يُعانِي النظام محل دراسة المؤلفين بعض السلبيات، أوّلها: أنه في حال عدم وجود تدرج في الإشارة البيئية في موقع  تجمع المكوّنات، لا يمكن للنظام التحرك نحو مصدر الإشارة. ثانيًا: تحتاج المكوّنات إلى أن تبدأ من مواضع تُضبط يدويًّا، لأنها لا تستطيع التحرك بشكل مستقل؛ لتتفاعل مع بعضها بعضًا. ثالثًا: المكوّنات التي ثبت نجاحها تجريبيًا محدودة العدد، كما أنها نسبيًّا بطيئة، وكبيرة الحجم؛ ولذا.. ينبغي في المستقبل القريب توسيع نطاق النظام؛ ليشمل عددًا أكبر من المكوّنات التي تتسم بسرعة أكبر، وحجم أصغر بكثير (قد يقل إلى نطاق الميكرومترات). ورابعًا: لا تناسِب هذه التقنية مهامًّا مثل التجميع الذاتي المُوجَّه، والانتظام الذاتي في نمط هندسي معقد ومُحدد مسبقًا، بسبب الطبيعة العشوائية للنظام ككل، والتموضع والارتباط العشوائيَّين للمكوّنات.

ونظرًا إلى ما أُحرِز من تقدُّم في مجال الروبوتات صغيرة الحجم، من الممكن أن تُصمم وتُصنع أعداد كبيرة من المكوّنات العشوائية، أو حتمية السلوك، التي يمكنها أن تُبدي سلوكًا جمعيًّا وحَشْدِيًّا6 يشبه سلوك أنظمة الروبوتات الجُسيمية. وفي السنوات القليلة الماضية، جرى إنتاج أسراب روبوتية متحركة ميكروية النطاق، ذات سلوك تكاملي محدّد جيدًا، من خلال هندسة التفاعلات المغناطيسية بين الوحدات الفردية. وبشكلٍ عام.. تعتمد الاستراتيجية الرئيسة للتحكم في مثل هذه الأسراب على استجابة الوحدات للحقول العامة، التي يجري التحكم فيها عن بُعد، مثل الحقول المغناطيسية7،8. ورغم صعوبة التعامل عندئذٍ مع كل وحدة على حدة، وعلى المستوى المحلي، يمكن التحكم في تفاعلات الارتباط التكاملية بين الوحدات بشكلٍ عام، وهو ما يُنتِج تفاعلات محلية قابلة للبرمجة، وتجميعًا ذاتيًّا، وسلوكًا تكامليًّا. وقد استُخدمت هذه الطريقة لتحقيق تجميع، وتفكيك، وتحكُّم متكامل ثنائي البعد لأسراب روبوتية ميكروية اصطناعية عند السطح البيني بين الهواء، والماء9.

يعمل نظام الروبوتات الجسيمية، الذي ابتكره لي وزملاؤه، ومعظم أنظمة الروبوتات التكاملية الأخرى، بشكل أساسي، في بُعدَين. ومن شأن توسيع نطاق هذه الأنظمة إلى ثلاثة أبعاد، وإقران ذلك بسلوك حركي أكثر تعقيدًا للمكوّنات ومجموعاتها على السطوح، أو داخل السوائل، أن يؤدي إلى زيادة تطبيقاتها المستقبلية الممكنة. ومع ذلك.. فمن شأن الانتقال إلى ثلاثة أبعاد أن يحمل في ثناياه العديد من تحديات تصميم الأجهزة، من حيث تحقيق حركة قوية، واستقرار إجمالي، وأساليب ربط للمكوّنات تتسم بالقابلية للعكس والبرمجة، ومن حيث التصغير والتحكم.

في المستقبل القريب، سيكون من الأهمية بمكان إيضاح التطبيقات الهندسية والطبية المحتملة عالية التأثير لتلك الأنظمة الروبوتية التكاملية. وهي تطبيقات من المستحيل تنفيذها باستخدام تقنيات أخرى. فعلى سبيل المثال.. يمكن لأسراب روبوتات سبّاحة مجهرية عشوائية السلوك، تحرِّكها البكتيريا، أن تتبع نهج الروبوتات الجسيمية؛ لتوصيل العقاقير إلى المناطق المستهدفة، التي يصعب الوصول إليها داخل جسم الإنسان. وقد يتم توجيه هذه الأسراب، على سبيل المثال، عن طريق التدرجات الكيميائية، أو تدرجات الأكسجين، أو التغيرات في الأس الهيدروجيني لبيئات الأنسجة السرطانية10. وفي الواقع، أظهر العديد من الدراسات11،12 بالفعل أن نظم الأسراب الروبوتية المجهرية التي تحركها البكتيريا لها تطبيقات محتملة في التوصيل المُوَجّه للعقاقير، والتشخيص الطبي، والاستشعار البيئي.

References

  1. Li, S. et al. Nature 567, 361–365 (2019). | article
  2. Chen, J., Gauci, M., Li, W., Kolling, A. & Gross, R. IEEE Trans. Robot. 31, 307–321 (2015).| article
  3. Butler, Z. & Rus, D. Int. J. Robot. Res. 22, 699–715 (2003).| article
  4. Gross, R., Bonani, M., Mondada, F. & Dorigo, M. IEEE Trans. Robot. 22, 1115–1130 (2006).| article
  5. Yim, M. et al. IEEE Robot. Autom. Mag. 14, 43–52 (2007).| article
  6. Sitti, M. Mobile Microrobotics (MIT Press, 2017)  | article
  7. Yigit, B., Alapan, Y. & Sitti, M. Adv. Sci. 2019, 1801837 (2019).| article
  8. Yu, J., Wang, B., Du, X., Wang, Q. & Zhang, L. Nature Commun. 9, 3260 (2018).| article
  9. Wang, W., Giltinan, J., Zakharchenko, S. & Sitti, M.Sci. Adv. 3, e1602522 (2017).| article
  10. Park, B.-W., Zhuang, J., Yasa, O. & Sitti, M. ACS Nano 11, 8910–8923 (2017).| article
  11. Alapan, Y. et al. Sci. Robot. 3, eaar4423 (2018).| article
  12. Felfoul, O. et al. Nature Nanotechnol. 11, 941–947 (2016). | article

يعمل ميتِن سيتي في قسم الذكاء المادي بمعهد ماكس بلانك للأنظمة الذكية، 70569 شتوتجارت، ألمانيا، وفي كلية الطب، وكلية الهندسة بجامعة كوج، إسطنبول، تركيا. البريد الإلكتروني: sitti@is.mpg.de