أنباء وآراء

تطور: عندما تلجأ الطيور المتعاونة إلى الغش

أُجريت دراسة على أحد أنواع طائر الوقواق، الذي عادة ما يُبدي تعاوُنًا في بناء الأعشاش، ورعايتها، لكنه يلجأ أحيانا إلى الخداع؛ هربًا من أعباء الأبوة، من خلال وضْع بيضه في أعشاش الآخرين. وكشفت الدراسة عن الفوائد التي شكلت تطوُّر هذا النوع من أساليب التطفل. 

أندرو جيه. زينك، وجون إم. إيدي

  • Published online:

تمثل ظروف التطور التي تدفع الطيور إلى الخداع كبديل عن اتباع أساليب التعاون في بناء الأعشاش، ورعايتها نقطة اهتمام رئيسية ينصب عليها تركيز أبحاث سلوك الحيوان. وفي بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature، أشار ريل، وسترونج1 إلى دراسة تتناول نوعًا من أنواع طائر الوقواق، يسمَّى الطائر الآني الكبير          (Crotophaga major)، الذي يُبدي في بعض الأحيان سلوكًا مخادعًا عند بناء الأعشاش - يسمَّى الحضانة التطفلية في أعشاش النوع نفسه2،3 - بالإضافة إلى سلوك التعاون في بناء الأعشاش، ورعايتها. وتَتَبَّع المؤلفون هوية الإناث والبيض في الأعشاش؛ بهدف تقييم الخسائر والفوائد المترتبة على هذا الأسلوب التطفلي البديل.

تَحدُث الحضانة التطفلية في أعشاش النوع نفسه، عندما تضع أنثى طائر بيضها في عشٍّ يخص طائرًا آخر من النوع نفسه، لكنها لا تقدِّم أي رعاية2،3  للنسل الناشئ. وعلى النقيض من ذلك، في أحد أشكال سلوك التكاثر القائم على التعاوُن، تتقاسم اثنتان أو أكثر من الإناث مهام رعاية النسل في العش، والدفاع  عنه (وفي بعض الأنواع، يتولى ذكورهن المهمة)4. ويُعتبر الطائر الآني الكبير (Crotophaga major) مثالًا نادرًا على الأنواع التي تُظهِر كلا النوعين من السلوك في المجموعة نفسها، وهو ما يتيح الفرصة لفحص العلاقات التطورية بين هذين الأسلوبين.

تَتَبّع الباحثون أعشاشًا في المناطق البرية على مدار 11 موسمًا من مواسم التزاوج، واستخدموا تقنية تحليل الحمض النووي؛ للتعرف على الطيور في كل عش، وتحديد أم كل بيضة، باستخدام تقنيات تتضمن الاستخلاص غير المتلِف للحمض النووي من سطوح قشور البيض. ولاحظ ريل، وسترونج أن الإناث تبدي – في غالبية الأحيان – سلوك التكاثر التعاوُني في بداية موسم التزاوج. ووجد الباحثون أنه إذا دمرت الحيوانات المفترسة عشًّا من أعشاش الطيور، فإنّ بعضًا من الإناث المتضررة يتبع استراتيجية تطفليّة في موسم التناسل نفسه، بينما ينتظر بعض الإناث الأخرى حتى موسم التناسل في العام التالي؛ لوضع مزيد من البيض، وبناء الأعشاش، ورعايتها بصورة قائمة على التعاوُن  (الشكل 1). ويقول المؤلفون إنّ كلًّا من التكاثر المبني على تعاوُن المقترن بالتطفل بعد تدمير العش، أو التكاثر المبني على التعاوُن بشكل صرف قد أتاح إنتاج أعداد مماثِلة من النسل الباقي على قيد الحياة. ووضعت الإناث المتطفلة أعدادًا أكثر من البيض، مقارنة بما وضعته الإناث التي تتبع سلوك التعاوُن بشكل صرف، لكن كان معدل الوفيات أعلى في بيض الإناث المتطفلة، مقارنة ببيض الإناث غير المتطفلة؛ وذلك بسبب رفض البيض من قِبَل الطيور المضيفة. ووجد الباحثون أن كل طير من تلك الطيور قد اتبع أسلوبًا واحدًا فحسب من هذين الأسلوبين البديلين في التكاثر بشكل متكرر في العديد من حالات فقدان العش.

الشكل 1 | استراتيجيات بناء الأعشاش ورعايتها لدى أحد أنواع طائر الوقواق. يقدم ريل، وسترونج1 دراسة أُجريت على طائر الآني الكبير (Crotophaga major)، تتبَّع فيها الباحثان هوية إناث هذا الطائر، وبيضه في أعشاشه. (أ، ب): فيبداية موسم التزاوج السنوي، يُتاح أمام أنثى الطائر ثلاثة خيارات لبناء العش ورعايته. (أ): يتمثل خياران غير مُحبَّذَين (يختارهما أقل من 2% من الطيور)، في بناء الأعشاش بشكل فردي - الذي من خلاله ترعى أنثى واحدة وشريكها العش – وفي الحضانة التطفلية، التي من خلالها تضع الأنثى البيض في عش ما، وتغادر دون تقديم الرعاية إلى نسلها. (ب): أما الخيار المُحبَّذ، فيتمثل في التعاون في بناء الأعشاش، حيث تتقاسم اثنتان أو أكثر من الإناث وذكورهن واجبات بناء العش ورعايته. (ج): عندما دمرت حيوانات مفترسة الأعشاش المبنية عبر تعاوُن، أَجَّلَت طيورٌ عملية وضع البيض؛ إلى أن يمكنها التكاثر بصورة قائمة على تعاوُن في الموسم التالي (د)، في حين غيّرَت طيور أخرى من أساليبها، وسلكت نهْج وضع البيض بشكل تطفلي في موسم التناسل نفسه (ه). أنجبت الطيور التي اتبعت الخيار (د)، أو الخيار (ه) عددًا مماثلًا من النسل الباقي على قيد الحياة. وقد اتبعت الطيور نفسها سلوكًا واحدًا من السلوكين المنفصلين بشكل متكرر. ويشير تَساوِي صلاحية هذين الأسلوبين إلى أنهما قد تطورا بحيث يمكن اللجوء باستمرار إليهما كأُسلوبَي تَزاوُج بَدِيلَين.

الشكل 1 | استراتيجيات بناء الأعشاش ورعايتها لدى أحد أنواع طائر الوقواق. يقدم ريل، وسترونج1 دراسة أُجريت على طائر الآني الكبير (Crotophaga major)، تتبَّع فيها الباحثان هوية إناث هذا الطائر، وبيضه في أعشاشه. (أ، ب): فيبداية موسم التزاوج السنوي، يُتاح أمام أنثى الطائر ثلاثة خيارات لبناء العش ورعايته. (أ): يتمثل خياران غير مُحبَّذَين (يختارهما أقل من 2% من الطيور)، في بناء الأعشاش بشكل فردي - الذي من خلاله ترعى أنثى واحدة وشريكها العش – وفي الحضانة التطفلية، التي من خلالها تضع الأنثى البيض في عش ما، وتغادر دون تقديم الرعاية إلى نسلها. (ب): أما الخيار المُحبَّذ، فيتمثل في التعاون في بناء الأعشاش، حيث تتقاسم اثنتان أو أكثر من الإناث وذكورهن واجبات بناء العش ورعايته. (ج): عندما دمرت حيوانات مفترسة الأعشاش المبنية عبر تعاوُن، أَجَّلَت طيورٌ عملية وضع البيض؛ إلى أن يمكنها التكاثر بصورة قائمة على تعاوُن في الموسم التالي (د)، في حين غيّرَت طيور أخرى من أساليبها، وسلكت نهْج وضع البيض بشكل تطفلي في موسم التناسل نفسه (ه). أنجبت الطيور التي اتبعت الخيار (د)، أو الخيار (ه) عددًا مماثلًا من النسل الباقي على قيد الحياة. وقد اتبعت الطيور نفسها سلوكًا واحدًا من السلوكين المنفصلين بشكل متكرر. ويشير تَساوِي صلاحية هذين الأسلوبين إلى أنهما قد تطورا بحيث يمكن اللجوء باستمرار إليهما كأُسلوبَي تَزاوُج بَدِيلَين.

كبر الصورة

وعادةً ما تُطرح ثلاثة تفسيرات لسبب حدوث ظاهرة الحضانة التطفلية في أعشاش النوع نفسه5. ويتمثل أحد التفسيرات المحتملة في سيناريو «الأم الخارقة»، الذي تضع فيه الإناث البيض بعدد يزيد على العدد الأمثل الذي يستوعبه العش، من ثم تضع البيض الزائد في أعشاش أخرى. وتحقِّق هذه الاستراتيجية نجاحًا في أوساط بعض الطيور والحشرات6،8. وهناك تفسير ثانٍ، لكنه لم يحظَ بتأييد كبير9، ألا وهو أن الإناث كائنات متخصصة بالتطفل، بمعنى أنها لا تبني أبدًا أعشاشًا خاصة بها. أما التفسير الثالث والأخير، فهو أن الإناث تحاول الخروج بأقل خسائر من الوضع الحرج الذي يُعَد فيه التطفل ملاذًا أخيرًا تلجأ إليه الأنثى، التي لولا تلك الظروف؛ لكانت قد بَنَت عشّها، ورعته بالطريقة المعتادة. ويدعم ريل، وسترونج هذه النظرية الأخيرة.

ويبقى اللغز المحير: لماذا لا تلجأ أفراد طائر الآني الكبير غريزيًا إلى التكاثر التطفلي، إلا كردّ فعل عند افتراس أعشاشها؟، أو لماذا لا تسلك تلك الطيور كلا السلوكين؛ التطفلي والتعاوني في بناء الأعشاش ورعايتاها، في حال عدم تدمير أعشاشها؟ ربما كانت فوائد التكاثر المبني على التعاوُن فيما يتصل بنجاة البيض كبيرة جدًّا (بالنظر إلى انخفاض معدلات نجاة بيض الطيور المتطفلة، ذلك الانخفاض المرتبط برفض الطائر المضيف للبيض)، لحد أن ذلك النوع من التكاثر قد تَطوَّر ليصبح الخيار الافتراضي؛ وذلك من شأنه أن يفسر لنا لماذا لا تتبع تلك الطيور أسلوب التطفل إلا بعد دمار العش، بدلًا من أن تسلكه كالخيار الوحيد، أو السلوك الذي تتبعه بالتزامن مع أسلوب بناء الأعشاش، ورعايتها تعاونيًّا.

هناك أكثر من 300 نوع من الطيور التي تتبع سلوك التكاثر المبني على التعاوُن. من جهة أخرى، يتبع 200 نوع من الطيور سلوك الحضانة التطفلية في أعشاش النوع نفسه5،9، لكن قِلّة منها تُبدي كلا السلوكين معًا. وكان من بين الآراء المطروحة أن التكاثر المبني على التعاوُن، والتطفل ربما يمثلان حالات متطرفة من رعاية النسل من قِبل أنثى تضع بيضها في عش تشغله بالفعل أنثى أخرى2. فربما يكون التكاثر المبني على التعاوُن قد تطوَّر بشكل مباشر من التطفل، إذا قدَّم الطائر المضيف حوافز لجذب أنثى متطفلة؛ بحيث تبقى في العش، وتتعاون3. ومع ذلك،  يوضح ريل، وسترونج أن العلاقة بين التكاثر المبني على التعاوُن والتطفل أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا، لأن التطفل - على ما يبدو - قد تطور كجزء من نظام قائم بالفعل من التكاثر المبني على التعاوُن، وليس العكس. ومن المثير للاهتمام، أن العامل الأوحد نفسه، المتمثل في المستويات المرتفعة من افتراس الأعشاش، هو الدافع لكلا السلوكين. ويحظى التكاثر المبني على التعاوُن بأفضلية، مقارنة ببناء الأعشاش بشكل فردي (الذي تتولى فيه أنثى واحدة رعاية العش مع شريكها)، وذلك بسبب مخاطر الكائنات المفترسة4.

إن فكرة قدرة العلاقة الوراثية بين الأفراد على التأثير في تطور التفاعلات الاجتماعية قد لعبت دورًا محوريًّا في فهْمنا للتكاثر المبني على التعاوُن لدى العديد من الأنواع. فيشير بعض النماذج2،3  إلى أن صلة القرابة قد يكون لها أيضًا دور في تطور الحضانة التطفلية. فالطائر الذي يحتضن بيضه متطفلًا على عش طائر آخر، قد يجتهد في استهداف أعشاش أقاربه؛ لزيادة فرص بقاء بيض المضيف، عن طريق تقليص خطر الافتراس؛ نتيجة لإضافة بيض الطائر المتطفل11، أو قد يقبل المضيفون بيضًا من الأقارب الذين لا يمتلكون عشًّا، لأن ذلك يمثل الفرصة الوحيدة المتاحة للطائر المتطفل لكي يتكاثر12. ولذلك، قد يكون للتطفل أحيانًا جانبًا من التعاوُن، مما يضفي غموضًا على الفرق بين التكاثر المبني على التعاوُن، والتطفل، عندما يتعلق الأمر بالأقارب. ورغم ذلك، يوضح ريل، وسترونج أن القرابة لا تلعب دورًا في سلوك التطفل الذي يتبعه الطير الآني الكبير؛ لأن العلاقة بين الطيور المضيفة، والمتطفلة لم تكن أقوى من العلاقات التي جمعت بين أفراد المجموعة بوجه عام . ويعني ذلك أن المؤلفين أمكنهم أن يركزوا على تطور أساليب بناء الأعشاش، دون الحاجة إلى النظر في تأثير القرابة.

ويظل السبب الذي يدفع بعض إناث طائر الآني الكبير تحديدًا إلى انتهاج سلوك التطفل غير معروف. وتشير ملاحظةُ تفيد بأن إناثًا من الطيور تستخدم هذا الأسلوب باستمرار في كل مرة ينهار فيها العش، بعكس إناث أخرى، إلى أنه قد يكون هناك أساس وراثي دافِع لهذا السلوك. وفي المقابل، ربما تتشكل ظاهرة التطفل بفعل عوامل أخرى؛ مثل التطور، أو التعلم، أو النواحي الفسيولوجية. وربما تقدِّم إناثٌ رعاية أبوية أقل باستمرار من غيرها في الأعشاش المبنية على التكاثر المبني على التعاوُن، وبالتالي يكون لديها المزيد من الموارد الاحتياطية لوضع البيض المتطفل، إذا تعرضت أعشاشها للتدمير. وثمة احتمال آخر يتمثل في أن بعض إناث الطيور تتجنب التطفل، وتدخر الموارد لتلبية الحاجة المتزايدة إلى الرعاية الأبوية في أعشاشها المستقبلية. إنّ تحديد تكاليف الرعاية الأبوية، والجهد المطلوب لوضع البيض سوف يساعد في تسليط الضوء على تلك المسألة. ويمكن من خلال متابعة تلك السلوكيات على مدى دورة الحياة الكاملة لطائر الآني الكبير تحديد ما إذا كانت فوائد التطفل على مدى مواسم التناسل التي تناولتها هذه الدراسة ترقي إلىتحقيق نجاح فيما يتصل بالتناسل على امتداد الحياة في هذا النوع المدهش من الطيور، أم لا. 

References

  1. Riehl, C. & Strong, M. J. Nature 567, 96–99 (2019). | article
  2. Zink, A. G. Am. Nat. 155, 395–405 (2000).| article
  3. Zink, A. G. & Lyon, B. E. Am. Nat. 187, 35–47 (2016).| article
  4. Riehl, C. Proc. R. Soc. B 278, 1728–1735 (2011).| article
  5. Lyon, B. E. & Eadie, J. M. Annu. Rev. Ecol. Syst. 39, 343–363 (2008).| article
  6. Åhlund, M. & Andersson, M. Nature 414, 600–601 (2001). | article
  7. Lyon, B. E. Anim. Behav. 46, 911–928 (1993).| article
  8. Zink, A. G. Behav. Ecol. Sociobiol. 54, 406–415 (2003).| article
  9. Lyon, B. E. & Eadie, J. M. in Avian Brood Parasitism (ed. Soler, M.) 105–123 (Springer, 2017).| article
  10. Petrie, M. & Moller, A. P. Trends Ecol. Evol. 6, 315–320 (1991).| article
  11. Loeb, M. L. G. Am. Nat. 161, 129–142 (2003). | article
  12. Andersson, M. Am. Nat. 189, 138–152 (2017). | article