موجزات مهنية

إرشاد: الطريق إلى مسيرة مهنية مزدهرة في البحث العلمي

إدراك الوقت المناسب للدعم والتحفيز مهم لمساعدة العلماء المبتدئين

أجرى المقابلات: إميلي سوهن

  • Published online:
إمليانو مونروي - ريوس يجمع عينات صخور من كهف قبالة الساحل الشرقي للمكسيك مع المشرفة باتريشا بيدوز

إمليانو مونروي - ريوس يجمع عينات صخور من كهف قبالة الساحل الشرقي للمكسيك مع المشرفة باتريشا بيدوز

ANDREAS W. MATTHES

يمكن أن يساعد المشرفون في تشكيل حيوات طلابهم ومتدربيهم، ورسم مستقبلهم المهني. وفي بعض الأحيان، يصبح المشرفون مرشدين لطلابهم ومتدربيهم مدى الحياة، ويتعاونون معهم في نهاية المطاف؛ ليسهموا في إنتاج جيلٍ جديد من الاكتشافات العلمية. ومن جانبهم، يُقِيم هؤلاء الطلاب أحيانًا علاقاتٍ بناءة مع هؤلاء العلماء الأقدم، حتى في مقتبل مسيراتهم المهنية.

وفي استقصاءٍ عالمي أَجْرته دورية Nature في عام 2017 بين حملة الدكتوراة، قال 34% من المشاركين في الاستقصاء إنَّ المشرفين ساعدوهم في الوصول إلى قرارات الالتحاق بمهنهم الحالية (Nature 550, 549-552; 2017). وقال معظمهم إنَّهم راضون عن مشرفيهم الناصحين لهم، لكن ما يقرب من 25% قالوا إنَّهم كانوا سيُغَيِّرون مشرفيهم، لو تمكَّنوا من ذلك.

ويجب على المشرفين - في كثيرٍ من الأحيان - أن يتعلموا القيادة من واقع تجاربهم وأخطائهم. وهنا، يسرد أربعة باحثين في مراحل مختلفة من مسيرتهم المهنية قصص علاقاتهم الجيدة مع مشرفيهم، والأسباب التي جعلت هذه العلاقات مؤثرةً في حياتهم المهنية.

بريوني جيمس

حدِّد الأسلوب الناجح

مهندسة مواد، جامعة أوكلاند، نيوزيلندا

كان مشرفي في أثناء إعداد رسالة الدكتوراة يُدعى باري ويلش، وكان يعاملني كباحثةٍ زميلة انضمت إليه حديثًا، وليس مجرد طالبة دراسات عليا. فقد كنتُ جزءًا من الفريق البحثي؛ ولذا.. كان عليّ أن أصبح على قدر نظرته هذه، فإذا واجهتُ مشكلةً أجهلُ كيفية مواجهتها، كان يُتوقع مني أن أحاول حلها بنفسي، قبل طلب المساعدة.

في عامي الأول، كنتُ أطوِّر تقنياتٍ تجريبية جديدة باستخدام أفران عالية الحرارة؛ لدراسة أكسدة الكربون. وكانت الأفران مُصنَّعة داخل الجامعة، وتتوقف عن العمل أحيانًا، دون سببٍ واضح. وكان موقف مشرفي هو أنْ قال: "حسنًا، إنَّه الفرن الخاص بكِ، اكتشفي الحل بنفسِك". وهذا ما فعلته.

عندما تَعَرَّض أحد عناصر التسخين للكسر، بدأتُ أُفكك الفرن، وأصلحه. لم تكن رسالة الدكتوراة التي أُعدها عن تصميم الأفران أو بنائها، وإنَّما كانت عن أكسدة الكربون، لكنْ لأنَّي اضطررتُ إلى تفكيك الفرن، وإعادة تركيبه، والتفكير في طريقة عمله، فقد اكتسبتُ فهمًا أعمق للمُعِدّات التي كنتُ أستخدمها، وهو ما سمح لي بفهم سياق النتائج التي توصلتُ إليها. وهذا النهج التصاعدي الذي يعتمد على تفكيك شيءٍ ما إلى مكوناته الأساسية، ثم إعادة تركيبه، يصنع تجربةً تعليمية قوية، وهذا بالطبع إذا كان لديك الوقت لفعل ذلك. ولا شيء من هذه التجارب سيُذكر في أطروحتك في النهاية، لكنَّها تمنحك ثقةً هائلة في النتائج التي تحصل عليها من مُعِدّاتك.

حقَّقت هذه الطريقة نجاحًا مذهلًا معي، لأنَّني أميل إلى التعلم الذاتي. ولو كان أحدهم قد حاول أن يكون أكثر تدخلًا، ويشرف على كل خطوة في إعدادي لرسالة الدكتوراة، كنتُ سأشعر بالاختناق بكل تأكيد. والآن، لديّ طلابٌ أُشرِف عليهم، وأتبنَّى نهجًا مشابِهًا لذلك الذي اتخذه المشرف على رسالتي. وأتوقع من طلابي أن يحاولوا بجد في كل المشكلات، قبل أن يطلبوا المساعدة.

وقد تعلمتُ منذ أكثر من 20 عامًا من الإشراف على طلاب الدكتوراة أنَّ ما نجح معي قد لا ينجح بالضرورة مع الجميع. وأظن أنَّ أسلوبي في الإشراف لا ينجح إلا مع الأشخاص الذين يميلون إلى الاستقلالية. ولذلك.. في مقابلاتي مع طلاب الدكتوراة المحتمَلين، أتحدث بوضوح عن هذا الأمر. وقد اقترحتُ عدة مرات أن يتحدث طلاب الدكتوراة المحتمَلين إلى زميلٍ أو آخر في الجامعة، لاعتقادي بأنَّ الطالب ربما يخرج بنتيجةٍ أفضل.

ويجب توخي الأمانة الشديدة مع نفسك وطلابك.. فبعض الطلاب يحتاجون إلى توجيهٍ في كل ما يفعلونه. وعادةً لا أوافق في نهاية المطاف على الإشراف على هؤلاء، إذ يجب أن يكون هناك تلاؤم بين أسلوبَي المشرف، والطالب.

إميليانو مونروي - ريوس

كانت تؤمن بي

مرشح لنيل الدكتوراة في الجيولوجيا المائية، جامعة نورثويسترن، إيفانستون، إلينوي

ولدتُ في مدينة مكسيكو، وكان أبي يصطحبني دائمًا إلى المحيط في رحلات صيفية. وقد تمنيت أن أصبح عالِم محيطات في صباي. درستُ الكيمياء في الجامعة بمدينة مكسيكو، وحصلتُ على درجة الماجستير في عِلْم المياه العذبة، ثم انتقلتُ إلى ريفييرا مايا في شبه جزيرة يوكاتان، حيث توجد أطول الكهوف الموجودة تحت الماء في العالم.

وفي أثناء عملي كمساعد باحث، قابلتُ مشرفتي الحالية على رسالة الدكتوراة، وهي باتريشا بيدوز. ساعَدْتُها بالدخول إلى كهفٍ جاف، ورسم خرائطه، ثم أصبحتُ غواص كهوفٍ متمرسًا. وقد استعرضت بيدوز المشروعات الثانوية التي كنتُ أعمل عليها آنذاك، وشجعتني على التقدم للانضمام إلى الزمالات، ونيل المنح؛ لدراسة الدكتوراة في مختبرها بجامعة نورثويسترن.

ولطالما فكرت في الحصول على درجة الدكتوراة، لكنْ بعد حصولي على درجة الماجستير - كمساعد باحث - شعرتُ بأنَّني عالق في هذه المرتبة، لكنَّ بيدوز آمنت بي، ودفعتني للتفكير مجددًا في دراسة الدكتوراة، وساعدتني على استعادة ثقتي بنفسي.

انتقلتُ إلى شيكاغو في يناير عام 2011. وكنتُ قبلها أعيش في جنةٍ استوائية، لكنني وجدتُ نفسي أسير وسط الثلوج، متسائلًا: "ماذا أفعل في هذا المكان؟". أَسْدَت باتريشا وزوجها إدوارد إليَّ نصائح لتحمُّل الشتاء في المدينة، لكنَّني كنتُ مكتئبًا، وفكرتُ مرتين أو ثلاثة بجدية في الإقلاع عن الدراسة. كنتُ أشعر بالضيق الشديد، وخشيتُ أن يتراجع أدائي الأكاديمي، وقلتُ في نفسي: "لن أستطيع النجاح".

تفهَّمَت باتريشا أنَّ أولويتي هي صحتي، وليس بحثي؛ وأخبرتني بوضوح تام أنَّها ستدعمني إذا ما قررتُ عدم الاستمرار في الدكتوراة، لكنَّها أيضًا أقنعتني بأنَّ عملي يستحق العناء. كان مهمًّا لي أن أسمع نصيحةً متوازنة كتلك التي قالتها لي باتريشا: "حسنًا، أتفهم ذلك، وأصدِّقك.. أصدِّق أنَّك تمر بوقتٍ عصيب، لكنَّ عملك يستحق أن تقاتل من أجله". لذا.. حصلتُ على إجازة لمدة ثلاثة أشهر، وعدتُ إلى المكسيك لقضاء شتاء عام 2013، وتحدثنا في أثناء وجودي هناك. ولولاها، لَمَا واصلْتُ دراسة الدكتوراة.

إدريان لام

امنحونا الفرصة لنتطور كعلماء

مرشحة لنيل الدكتوراة في العلوم الجيولوجية، جامعة ماساتشوستس، أميرِست

لم يحظ أيٌّ من والدَيَّ بتعليم جامعي. وعندما انتقلتُ إلى جامعة جيمس ماديسون في هاريسونبيرج بولاية فرجينيا بعد الدراسة في كلية مجتمعية، كنتُ خجولة ومترددة، وخالجني شعور بعدم الارتياح. درستُ دورةً في علم المناخ القديم مع كريستِن سانت جون، التي أصبحت مقدمة المشورة لي في إعداد بحث ما قبل التخرج. وكنا نلتقي أسبوعيًّا، وعلمتني حقًّا أسس إعداد الأبحاث؛ إذ أخبرتني كيف أجد الدراسات المنشورة، وكيف أفسرها. كما علمتني أهمية صنع شبكات العلاقات، وكيفية التعاون مع الزملاء في مقتبل حياتي المهنية، وهو ما كان مفيدًا لي بعدها.  

ذات ظهيرة، كنتُ قد قضيت ساعاتٍ طويلة أعمل في المختبر. دخلَتْ عليّ جون، وقالت: "المجهود الذي تبذلينه هو مجهود طالب ماجستير". وكنتُ أرغب فعلًا في الحصول على درجة الماجستير، لكنَّني لم أعتقد أبدًا أنَّني أستطيع ذلك، لكنْ عندما قالت لي ذلك، قلتُ في نفسي: "ربما أستطيع".

وفي أثناء دراستي لبرنامج الماجستير، كانت مشرفتي أليشا ستيجال تعرف متى تحفِّزني، ومتى تتركني لأمضي في طريقي وحدي. كنتُ أُعدّ الكثير من النماذج الحاسوبية وقتها، وكانت دائمًا تواجهني مشكلاتٌ في البرمجة. وكنتُ أشكو إلى أليشا، فتجيبني قائلة: "يمكنكِ أن تجدي الحل". وكنتُ أحل المشكلة في كل مرة. كنتُ أحتاج فقط إلى دَفْعَةٍ حينها.

نشرتُ عديدًا من الأوراق البحثية مع أليشا، ومنها ورقةً مع خريجَيْن آخريْن في مختبر ستيجال. وفي كل مرة كنا نتحاور بصدق وصراحة بشأن قائمة أسماء المؤلفين في الأوراق البحثية. وبهذا.. علَّمتني أليشا أنَّه على مشرفي الأبحاث التحدث مع طلابهم بشأن بروتوكول التأليف عند نشر الأبحاث المشتركة، لأن ترتيب المؤلفين يمكن أن يثير خلافًا بين أعضاء المختبر.

كما علمتني أليشا أيضًا قيمة العمل مع الجمهور، ومارسنا معًا عديدًا من الأعمال التطوعية؛ إذ زرنا طلاب مدرسة ابتدائية، وقصَدْنا غابة وطنية في الولايات المتحدة؛ للتحدُّث مع الجمهور عن الحفريات هناك، وعقدنا ورشة عمل مع المعلمين في مركز متحف سينسيناتي في أوهايو. وقادتني تجارب الخدمة الميدانية تلك إلى إدراك أنَّني أحب تدريس المفاهيم الجيولوجية للأفراد من جميع الأعمار والخلفيات.  

ينبغي للمشرفين تحفيز طلابهم؛ فكثيرون منا يخشون التحديات. امنحونا الفرصة لنتطور كعلماء.

هانا رايش

حفَّزني مشرفيّ على العمل خارج نطاق مختبراتهم

مرشحة لنيل الدكتوراة في علم الأحياء، جامعة ولاية بنسلفانيا، يونيفيرسيتي بارك

في أثناء السنة النهائية من دراستي الجامعية في جامعة كلارك بمدينة ورسستر في ولاية ماساتشوستس، ساعدتني مشرفتي ديبورا روبرتسون على استهلال تعاونٍ جديد مع جريتشن جودبودي – جرينجلي في معهد برمودا لعلوم المحيطات بسانت جورج. وقد سمح لي هذا التعاون بإجراء أبحاثٍ على المرجان اليافع في برمودا، ونَقْل العينات إلى جامعة كلارك، حيث أنهيت العمل عليها في مختبر الأحياء الجزيئية؛ للحصول على درجة الماجستير.

ولم يكن هؤلاء الباحثون قد عملوا معًا من قبل. ونجاحي في السعي للتواصل فيما بينهم، مع العمل في دورٍ مناسب خاص بي، كان أمرًا مشوقًا لي. وفي أثناء إعداد رسالة الدكتوراة، واصلت العمل بالنهج العلمي الاستكشافي التعاوني هذا الذي دعمته ديبورا وجريتشن. وعليه، وبدون تردد، سمح لي مشرفي تود لاجونيس بقضاء صيفين في تايوان مع علماء المحيطات والكيميائيين؛ لإعداد رسالة الدكتوراة خاصتي .

وقد حفزني مشرفيّ على العمل مع باحثين خارج نطاق مختبراتهم. ففي ظروفٍ مثالية.. يسمح هذا المزيج من المشرفين المرشدين - بميزاتهم الأكاديمية المتباينة، وخلفياتهم الثقافية المختلفة، وأساليب إرشادهم المتنوعة - للطالب بملاحظتهم، واستيعاب خبراتهم الإرشادية، والسمات التي تجعل منهم علماء أفذاذ. ولأنَّني كنتُ قد اتجهت إلى تأسيس شبكات علاقات مع عددٍ أكبر من الباحثين والمختبرات على مستوى العالَم، فقد طرقتُ أبوابًا كانت تبدو مغلقةً، سعيًا للتعاون وتبادل الأفكار.

في النهاية، تتلخص أساليب الإرشاد الأفضل في التفكير المستقبلي، ودعم الطلاب، خاصةً عندما يستكشفون مساحاتٍ مجهولة. يجذبني هؤلاء المشرفون الذين يشجعون الطلاب على الاستعانة بمرشدين كثر. فالباحثون الرئيسون يمكنهم التواصل مع دوائر خاصة مختلفة، تضم أشخاصًا يتفاعلون معهم مرارًا في الأوساط الأكاديمية، حيث تُشارَك وتُناقَش عادةً فرص كثيرة، فعلى سبيل المثال.. تحدثت ديبورا عن عملي مع المكتب الإعلامي لجامعة كلارك، وهو ما أدى إلى هذه المقابلة. ويؤكد هذا أنَّ أفضل المرشدين يدعمون طلابهم في مواقف من الممكن ألَّا يتعرضوا لها بالضرورة، وربما لا يعرفون بها من الأساس.   

  حُرِّرَت هذه المقالات لمراعاة الوضوح والطول.