أخبار

تسلسلات نادرة من الحمض النووي تسلِّط الضوء على التاريخ المبكِّر للإنسان

دراسات الجينوم تكشف عن خيوط تدل على شجرة أصول الإنسان القديمة، وأنماط الهجرات القديمة في أفريقيا. 

إيمي ماكسمِن
  • Published online:
تعمل الجماعات العرقية في أفريقيا – ومنها مجتمعات السان في بوتسوانا – مع العلماء؛ للكشف عن التاريخ المبكِّر للإنسان في القارة.

تعمل الجماعات العرقية في أفريقيا – ومنها مجتمعات السان في بوتسوانا – مع العلماء؛ للكشف عن التاريخ المبكِّر للإنسان في القارة.

CHRISTOPHE COURTEAU/GAMMA-RAPHO/GETTY

يجري تسليط المزيد من الاهتمام على التاريخ المبكر للبشرية في إفريقيا مع ظهور دراسة حديثة أُجريت على 180 جينومًا مأخوذة من دستة من الجماعات العرقية في القارّة، بعضها لم يسبق إخضاعه للدراسة من قبل.

وتشير هذه النتائج الأوليّة إلى أنه قبل أكثر من 40 ألف سنة، كان حجم اثنتين من هذه الجماعات العرقية – وهما جماعة السان San، وجماعة أقزام الباكا Baka Pygmies – أكبر مرتين تقريبًا من حجم الجماعات العرقيّة الأخرى الموجودة في ذلك الوقت، وأن مناطق وجود جماعتي السان والباكا كانت متداخلة فيما بينها، سواء في المنطقة الوسطى من شرق أفريقيا، أو في جنوب أفريقيا. وطرح الباحثون هذه النتائج، التي لم تُنشر بعد، في اجتماع للجمعية الأمريكية لعلم لوراثة البشرية (ASHG)، عُقد في سان دييجو بولاية كاليفورنيا في منتصف أكتوبر الماضي.

وتقول سارة تيشكوف – أخصائية علم الجينات البشريّة من جامعة بنسلفانيا بفيلادلفيا، التي شاركت في إدارة المشروع - إن هذه الدراسة تُعتبر أكثر الدراسات شمولًا عن تسلسل الجينوم الكامل لجماعات عرقية تمثِّل تنوع النسب البشري. وقد بدأت هذه البيانات المحدّثة – جنبًا إلى جنب مع تحليلات وراثية لبقايا بشريّة قديمة من أفريقيا نُشِرت عام 2017 2– في ملء القاعدة المعرفية شبه الخالية الخاصة بالتاريخ المبكِّر للإنسان.

وبالرغم من أن النوع Homo sapiens نشأ في أفريقيا قبل حوالي 250 ألف إلى 315 ألف سنة، فإن علماء الجينات دأبوا في تركيز اهتمامهم - بشكل شبه حصري - على المجموعة الفرعيّة الصغيرة من الأفريقيين، التي هاجرت شمالًا إلى أوروبا بعد ذلك بعشرات الآلاف من السنوات. لكن عددًا من مشروعات دراسة الجينومات الأفريقية قد بدأت بالفعل في التعامل مع هذا الخلل.

عام 2009، نشرت تيشكوف وزملاؤها دراسة3 تدرس قطاعات صغيرة من الجينوم المأخوذ من أفراد ينتمون إلى حوالي 100 جماعة من بين الألفي جماعة عرقية الموجودة في أفريقيا في يومنا هذا. وتشير نتائج الدراسة إلى أنه من المحتمل أن جماعتي السان والباكا قد انحدرتا من سلالة واحدة من الصيادين جامعي الثمار.

غير أن تيشكوف كانت في حاجة إلى جينومات كاملة من هاتين الجماعتين، ومن جماعات عرقيّة أخرى، لاختبار صحة هذه الفرضيّة. وأمضى فريقها البحثي سنوات في الحصول على الموافقات المتعلقة بالمشروع من مجالس حكومية، ومجالس مؤسسية خاصة بمراجعة الأخلاقيات في بلدان في شرق أفريقيا وجنوبها وغربها. وتعاونت تيشكوف وزملاؤها مع باحثين محليين، وتحدثت عن علم الوراثة مع المجتمعات التي كان فريقها يأمل في إشراكها في المشروع، إذ شرحت ما يمكن أن يعرفه العلماء والجماعات نفسها عن أسلافهم القدماء. ويعيش العديد من هذه المجتمعات في مناطق نائية – مثل شعب السابو Sabue في جنوب غرب إثيوبيا – وهي مجتمعات لا يعرف خبراء علم الوراثة إلا القليل عنها.

إن أبحاث علم الجينوم في إفريقيا قد تثير المشكلات والخلافات، ويعمد العديد من العلماء إلى الانخراط في مثل هذه المشروعات، لإشراك المجتمعات التي يعملون معها في أبحاثهم. وقد طالبت مبادرة «الصفات الموروثة والصحة البشرية في أفريقيا» – وهي ائتلاف بقيادة أفريقية، يدعم بحوث علم الجينوم، ويُعرف اختصارًا باسم H3Africa – بدور أكبر، يضطلع به العلماء العاملون في أفريقيا ضمن هذه المشروعات. وخلال العام الماضي، قدَّمت إحدى جماعات الشعوب الأصلية في جنوب أفريقيا إرشادات بشأن الأخلاقيات البحثية للعلماء الراغبين في العمل معها.

وتحرص تيشكوف وزملاؤها على متابعة سير الأمور لدى المجتمعات التي تشارك في دراسات فريقها. على سبيل المثال، يقول ألفريد نجامنشي - عالِم الأعصاب بجامعة ياوندي في الكاميرون - إن البعض من جماعة »فولاني« Fulani – وهي جماعة من البدو الرُّحل بحكم تقاليدها – يهتم بما يمكن أن تكشف عنه جيناته فيما يتصل بتاريخ هجرات هذه الجماعة.

صلات نسب

حوالي خُمس التنوع الجيني الذي اكتشفه الفريق البحثي لم تسبق الإشارة إليه في الأبحاث. وتشير النماذج الإحصائية للبيانات إلى أن شعب الهادزا Hadza، وشعب السانداوي Sandawe في تنزانيا كان لهما سلف مشترك خلال السنوات الثلاثين ألفًا الماضية. وتشير النتائج كذلك إلى وجود اختلاط خلال تلك الفترة بين الهادزا، والسان في جنوب أفريقيا، والباكا في وسط أفريقيا، وإلى أن جميع هذه الشعوب كانت تتألف - بشكل تقليدي - من الصيادين جامعي الثمار. فتقول تيشكوف: "أعتقد أننا نشهد دليلًا على وجود نَسَب قديم مشترك بين الجماعات الرئيسة من الصيادين جامعي الثمار في أفريقيا".

ويقول بونتوس سكوجلوند - عالِم الوراثيات القديمة بمعهد فرانسيس كريك في لندن - إن بعض النتائج يتفق مع دلائل تشير إلى النَّسَب المختلط للهادزا والسان في الحمض النووي المستخلَص من بقايا بشريّة1يرجع تاريخها إلى ما بين 2500، و8100 عام.

ويرغب باحثون آخرون في الاطلاع على المزيد من التحليلات الإحصائية للبيانات، قبل تقبُّلهم للفكرة القائلة إن الهادزا، والسان، والباكا كانوا يُوجَدون في أماكن متداخلة جغرافيًّا. وتقول ديبتي جورداساني - أخصائية الوبائيات الوراثية بمعهد ويلكوم سانجر في هينكستون بالمملكة المتحدة - إن الدراسات السابقة لم تقدِّم إلا القليل من الدلائل على أن أفراد هذه الجماعات قد اختلطوا ببعضهم بعضًا. وتضيف قائلة إن هذا الاحتمال معقول، وتتابع بقولها: "حرفيًّا.. ليس هناك شيء مستحيل في أفريقيا؛ فليس لدينا أي فكرة عمّا كان البشر يفعلونه في القارة قبل 5000 سنة".

خلال السنوات المقبلة، قد تتلاشى هذه الفجوة المعرفية مع قيام المزيد من الفرق البحثية العاملة في مشروعات لدراسة الجينومات الأفريقية بنشر نتائج أبحاثها. وقد قدَّمت جورداساني خلال اجتماع الجمعية الأمريكية لعلم الوراثة البشرية نتائج مأخوذة من تحليل جينومات كاملة من 2000 مواطن أوغندي. وقامت مبادرة «الصفات الموروثة والصحة البشرية في أفريقيا» بتعيين تسلسلات ما يزيد على 400 جينوم مأخوذة من أفراد أفريقيين، وذلك حسب قول تشارلز روتيمي، أخصائي الوبائيات الوراثية النيجيري، الذي يعمل بالمعهد الوطني لبحوث الجينوم البشري في بيثيسدا بولاية ميريلاند، وهو الباحث الذي أسس هذه المبادرة.

وبعد إجراء المزيد من التحليلات، تخطِّط تيشكوف لنشر النتائج، وإتاحة الجينومات مُجَهَّلة المصدر للجمهور، بحيث يستطيع العلماء تجميع بيانات هذه الجينومات.

ويقول شيوهوا فان - باحث البيولوجيا الجزيئية بجامعة فودان في شنجهاي بالصين - إن هذه النقطة الأخيرة مهمّة؛ فبدءًا من عام 2016، كان حوالي 80% من الأشخاص الذين سبق تناولهم في دراسات جينية ينحدرون من أصول أوروبية. ويتابع فان قائلًا: "نحن نعلم أننا كبشر تعود أصولنا إلى أفريقيا، لكننا لا نعرف ما كنا نفعله قبل أن نغادرها؛ أي أننا لا نعرف تاريخنا".

References

  1. Skoglund, P. et al. Cell 171, 59–71 (2017). | article
  2. Schlebusch, C. M. et al. Science 358, 652–655 (2017). | article
  3. Tishkoff, S. A. et al. Science 324, 1035–1044 (2009). | article