أنباء وآراء

علم الأعصاب: لوحة لتنوع الخلايا العصبية في المخ

تكشف دراسة لتسلسل الخلايا المفردة عن الطريقة التي تتوزع بها مختلف أنواع الخلايا العصبية في المخ. ويبيّن تحليل لهذا التوزيع كيف يمكن لهذه البيانات أن تحسِّن من فهْمنا لوظائف الخلايا العصبية. 

أبارنا بادوري، وتوماش جيه. نوفاكوفسكي 
  • Published online:

تخيَّلْ أمينًا لمتحف وهو يُحَضِّر لإقامة معرض فنيّ؛ فيمكنه ترتيب اللوحات في المعرض في مجموعات مختلفة، اعتمادًا على اسم الفنان مثلًا أو تبعًا للخامة المستخدَمة أو الأسلوب الفني أو موضوع العمل الفني. وبالمثل، يمكن تصنيف الخلايا العصبية اعتمادًا على مجموعة من الخصائص، مثل حجمها أو شكلها أو موقعها في المخ. في بحثين منشورين في دورية Nature، تعمّقَتْ تاسيتش وزملاؤها1 وإيكونومو وزملاؤه2 داخل معرض أنواع الخلايا العصبية في القشرة المخية للفأر، واستخدموا أحدث التقنيات لاكتشاف سمات لم تكن معروفة من قبل عن الخلايا العصبية.

مع مطلع القرن العشرين، أَسَّس عالِم الأعصاب الإسباني سانتياجو رامون إي كاخال «صالة عرض» لصور الخلايا العصبية عن طريق فحصه لشرائح من نسيج المخ بدقة من أجل عرض رسوم تفصيلية للخلايا تعبِّر عن أشكالها المتنوعة. ومنذ ذلك الوقت، خضعت الخلايا العصبية للمزيد من التوصيف بحسب سماتها عبر إجراء قياسات للشكل أو الفسيولوجيا أو الوظيفة. واليوم تسمح تقنيات تحليل نمط التعبير الجيني للخلايا المفردة باستكشاف أنواع الخلايا على نحو محايد.

إنّ القشرة المخية بالدماغ مسؤولة عن الإدراك والذاكرة وتحتوي على مناطق تؤدي دورًا في الوظائف الحسية والحركية. استخدمت الباحثة تاسيتش وزملاؤها تقنية وضع تسلسل الخلية المفردة لتنميط مظاهر التعبير الجيني لأكثر من 20 ألف خلية، أغلبها خلايا عصبية، من منطقتين مختلفتين تشريحيًّا من القشرة المخيّة في الفئران البالغة، وهما: القشرة البصرية التي تعالج المعلومات الحسية البصرية الواردة من العينين والقشرة الحركية الأمامية الجانبية التي تساعد في الحركة. وبذلك استطاعوا أن يقارنوا خلايا من النوع نفسه في مناطق مختلفة الوظائف بالمخ (شكل 1).

شكل 1. تنوّع أنواع الخلايا في القشرة المخية للفأر. أجرت تاسيتش وزملاؤها1 تشريحًا مجهريًّا للقشرة الحركية الأمامية الجانبية والقشرة البصرية لمخ الفأر، وعرّضوا الخلايا العصبية في هاتين المنطقتين لتسلسل الخلايا المفردة. تعرَّف الباحثون على 133 نوعًا من الخلايا، بناءً على أنماط التعبير الجيني. وكشف التحليل عن أن أنواع الخلايا العصبية المثبطة توجد في كلتا المنطقتين (تشير الألوان إلى أنواع الخلايا)، لكن توجد أنواع الخلايا الاستثارية في منطقة بعينها. وقد أجرى إيكونومو وزملاؤه2 توصيفًا متعمقًا لخصائص مجموعتين فرعيتين من الخلايا العصبية الاستثارية في القشرة الحركية، ووجدوا أن المجموعتين تتصلان بمنطقتين مختلفتين في المخ (المهاد والنخاع) وتؤديان وظيفتين مختلفتين، فالأولى تعمل على التجهيز للحركة والثانية بدء الحركة.

شكل 1. تنوّع أنواع الخلايا في القشرة المخية للفأر. أجرت تاسيتش وزملاؤها1 تشريحًا مجهريًّا للقشرة الحركية الأمامية الجانبية والقشرة البصرية لمخ الفأر، وعرّضوا الخلايا العصبية في هاتين المنطقتين لتسلسل الخلايا المفردة. تعرَّف الباحثون على 133 نوعًا من الخلايا، بناءً على أنماط التعبير الجيني. وكشف التحليل عن أن أنواع الخلايا العصبية المثبطة توجد في كلتا المنطقتين (تشير الألوان إلى أنواع الخلايا)، لكن توجد أنواع الخلايا الاستثارية في منطقة بعينها. وقد أجرى إيكونومو وزملاؤه2 توصيفًا متعمقًا لخصائص مجموعتين فرعيتين من الخلايا العصبية الاستثارية في القشرة الحركية، ووجدوا أن المجموعتين تتصلان بمنطقتين مختلفتين في المخ (المهاد والنخاع) وتؤديان وظيفتين مختلفتين، فالأولى تعمل على التجهيز للحركة والثانية بدء الحركة. 

كبر الصورة

بشكل عام، يمكن تصنيف الخلايا العصبية في القشرة المخية إلى خلايا استثارية أو خلايا مثبطة، اعتمادًا على نوع جزيء الناقل العصبي الذي تنتجه وعلى إذا كان تنشيطها يؤدي إلى زيادة أو نقصان نشاط الدوائر العصبية. تعرَّف مؤلفو البحث على أكثر من 100 نوع من الخلايا المختلفة، شملت 61 نوعًا من الخلايا العصبية المثبطة و56 نوعًا من الخلايا العصبية الاستثارية. واكتشفوا أن معظم أنواع الخلايا توجد في كلتا المنطقتين من القشرة المخية، باستثناء الخلايا العصبية الاستثارية.

تُعَد هذه الخلايا الوحدات الأساسية المولدة للنشاط في دوائر القشرة المخية، وكان هناك افتراض لوقت طويل بأنها خلايا متماثلة في كافة مناطق القشرة المخية3، لكنّ تاسيتش وزملاءها اكتشفوا أن تقريبًا كل نوع فرعي من الخلايا العصبية الاستثارية مخصّصٌ إما للقشرة البصرية أو القشرة الحركية الأمامية الجانبية. حَقَن مؤلفو البحث الخلايا بمتتبِّعات مضيئة ليتمكنوا من تعقب امتداداتها العصبية إلى مناطق بعيدة من المخ. وكانت المفاجأة أن الخلايا العصبية المختلفة في أنماط التعبير الجيني أظهرت نماذج مختلفة في الامتدادات طويلة المدى، مما يشير إلى قدرة السمات الجزيئية المحددة لأنواع الخلايا – بناءً على التعبير الجيني – على تزويدنا بمعلومات عن الخصائص المتعددة للخلايا العصبية الاستثارية.

كما توصلت دراسة نُشرت العام الماضي4 إلى خلايا عصبية استثارية محددة الموقع في القشرة المخية البشرية النامية، حتى قبل أن تبدأ دوائر القشرة العصبية في معالجة المعلومات الحسية. تشير هذه الدراسة – بالإضافة إلى ملاحظات تاسيتش وزملائها – إلى ضرورة مراجعة إطار استيعابنا لمسألة كيف تعالج المناطق المختلفة من القشرة المخية مختلف أنواع المعلومات. وتشير هذه الاكتشافات تحديدًا إلى أن التخصص الوظيفي لمناطق القشرة المخية لا يعتمد على الاختلافات في الدوائر الدقيقة وأنماط التوصيل بين الخلايا وحسب، بل على استخدام أنواع مختلفة من الخلايا العصبية لمعالجة المعلومات أيضًا. وثمة حاجة للمزيد من الأبحاث في المستقبل للحصول على عينات من الخلايا في مناطق أخرى بالقشرة المخية بهدف تحديد عدد الخلايا العصبية الاستثارية محددة الموقع ومعرفة كيف يؤثر توزيع هذه الخلايا على وظيفة القشرة المخية.

وبينما تقدِّم لنا تاسيتش وزملاؤها معرضًا كاملًا للخلايا العصبية بالقشرة المخية، يركّز إيكونومو وزملاؤه2 على فحص الفروق الدقيقة بين الخلايا العصبية الموجودة في طبقة واحدة من القشرة المخية، فيما يشبه كثيرًا دراسة لوحات مرسومة بالأسلوب نفسه في طابق واحد بمعرض فنيّ. تتواصل الخلايا العصبية الاستثارية للسبيل الهرمي – الموجودة في منطقة تسمَّى الطبقة الخامسة بالقشرة الحركية الأمامية الجانبية – مع الخلايا العصبية الأخرى التي تبعد عنها مسافة تعادل أقطار آلاف الخلايا عن طريق تكوين نقاط تواصل مادية. وكان المعتقَد أن جميع الخلايا العصبية للسبيل الهرمي تؤدي وظائف متشابهة5، إلا أن التحليل الذي أجرته تاسيتش وزملاؤها كشف عن أن هذه الخلايا تنقسم إلى أنواع فرعية مختلفة على أساس أنماط التعبير الجيني. وقد سعى إيكونومو وزملاؤه إلى التعمق في تحليل الفروق بين هذه الأنواع الفرعية.

ترسل الخلايا العصبية للسبيل الهرمي – التي تقع بشكل رئيسي في الجزء العلوي من الطبقة الخامسة – إشارات إلى منطقة بالمخ يُطلق عليها «المهاد» والتي ترسل بدورها الامتدادات مرة أخرى إلى القشرة المخية، لتتكون بذلك دائرة متواصلة تؤدي دورًا في التجهيز للنشاط الحركي. وأوضحت تاسيتش وزملاؤها أن هذه الخلايا العصبية تختلف من الناحية الجزيئية عن الخلايا الموجودة في جزء سفلي من الطبقة الخامسة والتي ترسل امتداداتها إلى النخاع المرتبط بتنفيذ الحركة. وأجرى إيكونومو وزملاؤه هندسة لكل مجموعة فرعية من الخلايا العصبية التي تظهِر البروتين channelrhodopsin، وهو قناة أيونية حسّاسة للضوء. يتيح ذلك الإجراء التحكم الدقيق في نشاط الخلايا العصبية باستخدام الضوء (وهو منهج يُعرف باسم علم البصريات الوراثية)، وبذلك سمح للباحثين بالتعمق في تحليل الأدوار التي تؤديها الخلايا العصبية في المنطقتين، العلوية والسفلية، من الطبقة الخامسة في مختلف أنواع الوظيفة الحركية.

استخدم إيكونومو وزملاؤه الضوء لينشّطوا بشكل مستقل مجموعات الخلايا العصبية في السبيل الهرمي لدى الفئران، وفي الوقت نفسه راقبوا كلًّا من أنماط نشاط الخلايا وسلوك الحيوانات أثناء انهماكها في تمرين للتعلم الحركي. وقد أكّدت هذه التجارب على أن مجموعتي الخلايا العصبية في السبيل الهرمي تؤديان دورين منفصلين، حيث تجهّز إحداهما للنشاط الحركي بينما تبادر الأخرى ببدء الحركة. كما تقدّم النتائج التي توصل إليها الباحثون دليلًا قويًّا على أن فهْم التصنيف الجزيئي للمخ يمكن أن يقودنا إلى فهم الكيفية التي تتواصل بها الخلايا العصبية وتؤدي وظيفتها.

تلقي الدراستان معًا الضوء على الإمكانات التحويلية التي تتمتع بها مجموعات البيانات للخلايا العصبية بمقياس خرائط الأطلس في علم الأعصاب الحديث6،7. وتقدم الدراستان حجةً قويةً تؤكد أهمية إجراء دراسات مشابِهة على المزيد من أنواع الخلايا العصبية وأمخاخ مختلف أنواع الحيوانات، بما فيها البشر، في أعمار متنوعة. ودعمًا للحاجة إلى البيانات المستخلصة من أنواع مختلفة من الحيوانات، اكتشفت دراسة حديثة أجرت تسلسل للخلايا المفردة8 تنوعًا أكبر للخلايا العصبية في منطقة مرتبطة بالإدراك في القشرة المخية للبشر، وذلك بالمقارنة مع الخلايا الموصوفة لدى الفئران، وهو ما قد يفسّر ما نتمتع به من قدرات إدراكية أعلى. وبوسع المزيد من البحوث في خصائص فئات الخلايا العصبية والخلايا غير العصبية أن تقود أيضًا إلى اكتشافات جديدة بشأن تعرُّض تلك الخلايا انتقائيًّا إلى حالات مرضية، وأن يوفر المعلومات التي تفيد في تطوير بروتوكولات توليد هذه الأنواع من الخلايا من الخلايا الجذعية في المختبر لاستخدامها كنماذج لدراسة الأمراض واختبار العقاقير.

سيستفيد الباحثون بكل تأكيد في المستقبل من المحدّدات الجينية لمجموعات معيّنة من الخلايا العصبية المُعرّفة في أطلس الخلايا الذي أعدته تاسيتش وزملاؤها. فعلى سبيل المثال، يمكن استخدام هذه المحدّدات في تصميم المزيد من تجارب علم الوراثة البصرية التي تستهدف مجموعات معينة من الخلايا العصبية، وفي فحص  إذا كان يمكن لأنواع الخلايا "محدّدة المواقع" أن توجد في مناطق أخرى بالقشرة المخية أم لا، وفي عزل مجموعات من الخلايا لإجراء المزيد من الدراسات لخصائصها الوظيفية.

إنّ ترجمة التركيب الخلوي للمخ إلى اكتشافات بيولوجية مفيدة سوف تحتاج إلى استراتيجيات جديدة للتعرّف على وظائف الخلايا العصبية. قد تنجح تقنيات التحكم بأنواع الخلايا العصبية – التي يجري تطويرها حاليًّا من خلال الدعم الذي تقدمه مبادرة «برين»BRAIN 9 التي طرحتها معاهد الصحة الوطنية الأمريكية – في أن تجعل هذه التحليلات ممكنة. وبهذا العمل، سيمكِّننا الباحثون من الاستمتاع بمطالعة معرض صور الخلايا التي تتحكم بوظائف المخ.

References

  1. Tasic, B. et al. Nature563, 72-78 (2018). | article
  2. Economo, M. N. et al. Nature563, 79-84 (2018).| article
  3. Creutzfeldt, O. D. Naturwissenschaften64, 507-517 (1977).| article
  4. Nowakowski, T. J. et al. Science358, 1318-1323 (2017).| article
  5. Harris, K. D. & Shepherd, G. M. G. Nature Neurosci.18, 170-181 (2015). | article
  6. Zeisel, A. et al. Cell174, 999-1014 (2018).| article
  7. Saunders, A. et al. Cell174, 1015-1030 (2018).| article
  8. Hodge, R. D. et al. Preprint at bioRxiv https://doi.org/10.1101/384826 (2018).
  9. Ecker, J. R. et al. Neuron 96, 542-557 (2017). | article

أبارنا بادوري، وتوماش جيه. نوفاكوفسكي

يعملان في مركز إيلاي وإديث برود للطب التجديدي وبحوث الخلايا الجذعية، جامعة كاليفورنيا سان فرانسسكو، سان فرانسسكو، كاليفورنيا 94143، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني:

tomasz.nowakowski@ucsf.edu