افتتاحيات

بارقة أمل تلوح في صراعنا مع الإنفلونزا

إن التوصل إلى لقاح شامل قد يكون أمرًا بعيد المنال، بيد أن البحث في كيفية استجابة الجهاز المناعي للفيروس ضروري لبلوغ هذا الهدف.

  • Published online:

يلقى مئات الآلاف من الناس حتفهم سنويًّا من جرّاء الإصابة بالإنفلونزا، أو إحدى الحالات المرضية المرتبطة بها. وعلى عكس فيروس الجديري المائي، والكثير من الفيروسات الأخرى، التي غالبًا ما تمنح العدوى الأولى منها مناعة مدى الحياة، يتطور فيروس الإنفلونزا باستمرار، وكنتيجة لذلك، على الرغم من أن معظم الأطفال الذين يبلغون الثالثة من عمرهم تقريبًا يكونون قد سبق لهم أن أُصيبوا بهذا الفيروس بالفعل، فإنهم يواجهون نوبات جديدة من الإنفلونزا كل 5 إلى 10 سنوات.

وكما سلطنا الضوء في تحقيق إخباري نُشر مؤخرًا في دورية Nature، يتزايد اهتمام المجتمع العلمي بالطريقة التي يستجيب بها النظام المناعي البشري عند تعرُّضه للإنفلونزا لأول مرة خلال مرحلة الطفولة. هذا «الدمغ» المناعي يفسِّر جزئيًّا التباين الشديد في القابلية التي يُظْهِرها الأفراد الذين وُلدوا في سنوات مختلفة للإصابة بالإنفلونزا الموسمية. وكلما اقتربت خصائص الفيروس المنتشر من خصائص السلالة التي أُصيب بها الشخص لأول مرة؛ كانت الدفاعات الطبيعية الموجودة لدى هذا الشخص أقوى في مواجهة هذا الفيروس.

يعين الفهم المتعمق لهذه الأمور الباحثين على تصميم لقاحات أكثر فعالية. وثمة حاجة ماسة إلى هذه اللقاحات؛ ففي العام الذي تسير فيه الأمور على ما يرام، قد تقي اللقاحات الموسمية ستة أشخاص من كل عشرة أشخاص من العدوى، ولا تلبث هذه الوقاية أن تضعُف بعد بضعة أشهر. وعلى النقيض، توفِّر الحَقْنة الواحدة من اللقاح المضاد للحمى الصفراء مستوى من الفعالية يزيد على 99%، وتمنح وقاية مدى الحياة ضد هذا المرض.

في موسم الإنفلونزا لعام 2017/2018، انتشر نوع فرعي للفيروس يُسمى H3N2 في العديد من البلدان، وكانت فعالية اللقاح المتاح في تلك البلدان أسوأ بكثير من المعتاد: 10% فقط في أستراليا، و17% في كندا، و25% في الولايات المتحدة. صحيح أن هذا أفضل من لا شيء، وقد أنقذ بالتأكيد الكثير من الأرواح القيمة، خاصةً الأطفال الصغار، الذين يُعتبرون عرضة للإصابة بشكل خاص، إلا أن هذا الوضع ليس الوضع الأمثل.

تشير المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن 80% من الأطفال الذين لقوا حتفهم بسبب الإنفلونزا في عام 2018 في الولايات المتحدة لم يسبق تطعيمهم. وفي الوقت الحاضر، لا يتم تحصين العديد من البالغين. إن توفير لقاح أكثر فعالية وأطول أمدًا سيزيد من إقبال الجماهير عليه، وقد يصل أيضًا إلى الحد الأدنى اللازم لتحقيق مناعة جماعية، وبالتالي يقلل من عدد الأشخاص الذين يمكنهم نقل العدوى.

 

بل ويصبح هذا المنطق أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بالعديد من البلدان ذات الدخول المنخفضة والمتوسطة، التي لديها القليل من برامج التطعيم ضد الإنفلونزا، إنْ وُجدت هذه البرامج من الأصل؛ وذلك، ببساطة، لأن تكاليف ولوجستيات إعادة تركيب اللقاحات وتكرار حملات التطعيم كل عام تضع عوائق أمام هذا الأمر. إنّ متطلبات اللقاحات الأقل مشقة وتكلفة من شأنها أن تشجع هذه البلدان على تقديم اللقاحات لشعوبها، وأن تساعد على تقليل حالات الوفيات التي تتراوح بين 290,000 و650,000  حالة وفاة كل عام حول العالم، بسبب الأمراض التنفسية المرتبطة بالإنفلونزا، وذلك حسب تقديرات منظمة الصحة العالمية. وسيظل الخيار الأفضل هو لقاحات الإنفلونزا الشاملة، التي من شأنها أن توفر مناعة ضد جميع أنواع الإنفلونزا الفرعية الجديدة التي تظهر وتسبِّب جوائح.

تتزايد ثقة العديد من العلماء في أن تحقيق هذه الطفرة ليس بعيد المنال. فهل هُم على حق؟ تشير الأبحاث التي أُجريت على مدار العقد الماضي إلى أن تطوير مثل هذه اللقاحات أمر ممكن. تشمل هذه الأبحاث نتائج، مفادها أن آثار الدمغ في مرحلة الطفولة "تتذكر" مناطق من الفيروس شهدت القليل من التطفُّر، ومن ثم، فإنها تختلف قليلًا عبر الأنواع الفرعية للإنفلونزا. وهذه الذاكرة تكون خاملة، ولكنها موجودة. ولذا، فإن اللقاح الذي يتمكن من «إيقاظ» هذه الذاكرة يُفترض أن يكون قادرًا على إنتاج أجسام مضادة تُظهِر سلوكًا تفاعليًّا واسع النطاق، وتوفر وقاية ضد سلالات وأنواع فرعية متعددة من الإنفلونزا. لقد أحدثت التطورات التقنية – مثل تقنيات فصل الخلايا المفردة، ووضع تسلسلاتها – ثورة في قدرة العلماء على وضع توصيف بالغ الدقة لوظائف أنواع الخلايا التي تلعب دور في الاستجابة المناعية لدى العائل.

من المتوقع تَوالِي ظهور الكثير من المعلومات الضرورية من دراسة جماعية كبيرة جديدة، يمولها المعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المعدية (NIAID) في بيثيسدا بولاية ميريلاند. فقد كان من المقرر أنه بدءًا من العام الحالي، ستراقب الدراسة الأطفال حديثي الولادة في عدة بلدان خلال عدة مواسم للإنفلونزا، لمعرفة كيف تؤثر الإصابات الأولى بعدوى الإنفلونزا، وأيّ عدوى لاحقة منها (وكذا التطعيمات)، على الجهاز المناعي لهؤلاء الأطفال. ستضع الدراسة أيضًا مخططًا يوضح كيف يستجيب الأطفال لحالات التعرُّض الجديدة للعدوى، وبالتالي فإنها ستساعد على حل ألغاز آليّات الدمغ المناعي الموجودة لدى هؤلاء الأطفال.

الأمر الجدير بالثناء هو أن المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية اشترط مشاركة جميع البيانات والعينات الإكلينيكية على نطاق واسع مع باحثين آخرين. وهذا أمر مهم، ليس فقط لأن هذه النوعية من الدراسات الجماعية الكبيرة والمكثَّفة تكون باهظة الكُلفة، وتَصعُب إدارتها، ولكن أيضًا لأن هذه الدراسة يتم إجراؤها على الرُضَّع، وهذا يعني ضرورة تقليل عدد مرّات سَحْب عيّنات الدم، وتحقيق أقصى استفادة من كل عينة.

لا يزال أمامنا طريق طويل، ولكنّ الجهود الساعية للتوصل إلى لقاحات واقية، يستمر مفعولها لأمد أطول، تبدو على الطريق الصحيح.