رؤية كونية

لعلاج الألم ادرسوا الناس بكافة تعقيداتهم

تقول بيث دارنال إنه يتعين على البحوث الإكلينيكية ألا تتقصى الأدوية فحسب، وإنما أيضًا سيكولوجية إصابة الأفراد بالألم.

بيث دارنال
  • Published online:

 

IAN MACKEY

أطلقت رسميًّا معاهد الصحة الوطنية (NIH) الأمريكية، في أبريل 2018، جهودًا مشتركة بين عدة وكالات لمجابهة أزمة إدمان الأفيون في البلاد. وسوف يتضاعف في نفس العام التمويل المخصص لأبحاث مكافحة إساءة استخدام الأفيون، وعلاج الألم ليصل إلى حوالي 1.1 مليار دولار أمريكي.

وتتجاوز القوى المسئولة عن هذا الوباء إفراط الأطباء في وصفها؛ فأغلب الوفيات التي تُقدر بعشرات الآلاف، والتي تحدث إثر جرعات زائدة من الأفيون في الولايات المتحدة كل عام، يكون سببها الاستخدام غير المشروع للأفيون. غير أن القصور في فهم كيفية علاج الألم قد أسهم بالتأكيد في هذا الوباء. فنحن بحاجة إلى توصيف المرضى بصورة أدق، ويلزمنا إجراء المزيد من الدراسات التي تجمع بين العلاجات غير الدوائية، وأي شكل من أشكال الأدوية.

لنتناول هذا السؤال المهم: ما أول علاج يُفترض أن تصفه لشخص يعاني آلامًا مزمنة، أو حتى من العديد من الإصابات الحادة؟ أغلب الأطباء المعالجين لا يختلفون حاليًّا على أنه لا يُفترض وصف الأفيون في هذه الحالات. وقليلون منهم هم من يدركون أن السؤال الواجب طرحه ليس ما الأقراص البديلة، وإنما ما هو نظام التدخلات العلاجية – بما في ذلك الأدوية – والمتابعة الذي يجب إتباعه.

كثيرًا ما يتعامل الأطباء مع الألم باعتباره مشكلة طبية بيولوجية بحتة، في حين إنه حالة بيولوجية نفسية اجتماعية. ويمكن الجمع بين العلاج النفسي، والدوائي؛ لتزويد الناس بالأدوات اللازمة من أجل تحكم أفضل في الألم الذي يعانون منه. ويمكن لأساليب العلاج النفسي أيضًا أن تقلل من المخاطر؛ مثل الإدمان، لأن تلك الأساليب تركز على انخراط المرضى في التحكم في أفعالهم اليومية؛ لمساعدة أنفسهم على الشعور بالتحسن على المدى الطويل، بدلًا من الاعتماد على تلقي الأدوية الموصوفة فحسب. ومع ذلك توصي ممارسة إكلينيكية شائعة بعدم إتباع هذه الاستراتيجيات النفسية الاجتماعية في علاج الألم، إلا بعد أن فشل كافة العلاجات الدوائية.

يصعب على الأطباء الإكلينيكيين معرفة العلاجات الأمثل استخدامها؛ لأن نظامنا البحثي يتجاهل المرضى عينهم الذين يلزم فهمهم. فكثيرًا ما تستبعد تجارب أبحاث الألم البالغين المصابين بالاكتئاب، والقلق، وغيرها من الاضطرابات، وأولئك الذين يتلقون أدوية موصوفة أخرى، وكذلك من تجاوزوا سن السبعين، الذين عادة ما يصابون بعدة أمراض متزامنة.

ومن أجل علاج أفضل للألم، حري بنا إيلاء الاهتمام لهؤلاء المرضى ذوي الحالات المعقدة، بدلًا من استبعادهم. ومن بين الجهود الرامية إلى تحقيق ذلك يأتي "السجل التعاوني لمعلومات النتائج الصحية"، أو ما يعرف اختصارًا بـ (CHOIR (http://choir.stanford.edu، الذي طوره زملائي بدعم من معاهد الصحة الوطنية. تجمع هذه المنصة بيانات عن المرضى الذين نلتقيهم بشكل شخصي يوميًّا في عيادات علاج الألم خاصتنا؛ وتتضمن البيانات عمرهم، وجنسهم، وجودة النوم لديهم، ومدى تأثير الألم على روتين حياتهم اليومي، وقدرتهم على التنقل، وقوتهم وقدرتهم على التحمل، وكيفية تفاعلهم مع عائلاتهم وأصدقائهم، وما الأدوية الأخرى التي يتناولونها، وما الأمراض الأخرى التي يعانون منها. كذلك يتعقب السجل العلاجات، واستجابة المرضى لها مع مرور الوقت. ويمكن للأطباء الإكلينيكيين بسهولة تتبع مسار حالات مرضاهم، كما يمكن برمجة النظام للتوصية بعلاجات مصممة خصيصًا، أو توعية المرضى.

وبإمكان الباحثين التفتيش عن أنماط بين مجموعات المرضى؛ فعلى سبيل المثال، تشير العديد من الدراسات إلى أن أغلب الناس الذين يتعاطون الأدوية الأفيونية لفترات طويلة لا يستفيدون منها (انظر go.nature.com/2vylvkp). ومع ذلك، يلاحظ كافة الأطباء الإكلينيكيين الذين يعالجون الآلام المزمنة تقريبًا أن حالات بعض المرضى تتحسن مع استخدام الأدوية الأفيونية. علينا أن نكون قادرين على التنبؤ بالأفراد الذين قد يستفيدون من هذه الأدوية؛ وإلا فإننا إما سنحرم أشخاص من علاج نافع لهم، أو سنعرضهم إلى دواء خطير.

نحن نعلم، على سبيل المثال، أن الأشخاص الذين ينتابهم قلق أكثر تجاه الألم، أو الذين يقولون إنهم يشعرون بالعجز عند مواجهته، معرضون إلى خطر الإصابة بنوبات ألم مطولة، واحتمال استخدام الأفيون بعد العمليات الجراحية (M. M. Wertli et al. Spine 39, 263–273; 2014). أباشر حاليًّا بالتعاون مع زملائي تقييم ما إذا كان بإمكان أحد تطبيقات التوعية عبر الإنترنت مساعدة المرضى على التحكم في مخاوفهم، وتخفيف الألم، والحد من استخدام الأفيون بعد العمليات الجراحية، أم لا.

وتزداد الحاجة إلى هذه النوعية من التجارب الإكلينيكية العملية، وكذلك إلى الأدوات المتيسرة المتاحة؛ مثل السجل التعاوني لمعلومات النتائج الصحية، لتنفيذ هذه التجارب. ونحن نعكف حاليًّا على تأسيس شبكة سجل تعاوني لمعلومات النتائج الصحية تمتد عبر الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، وإسرائيل، لدمج البيانات، وللإجابة على أسئلة عن أكفأ علاج من بين عدة علاجات شائعة لتسكين الألم، وفي أي الأفراد تنجح. وفي الحالة المثلى، سوف نستخدم نتائج تلك التجارب؛ لتوعية الأطباء الإكلينكيين – باستمرار – حول أكثر العلاجات أمانًا، وفعالية؛ ليصفوها لمرضاهم.

يلزمنا أيضًا دراسة كيف يمكن لتأثيرات العلاج الوهمي أن تحسّن من عملية علاج الألم، من خلال إدراجه عمدًا في التجارب الإكلينيكية. لا أقصد بالعلاج الوهمي أقراص السكر، وإنما استراتيجية تسمى تحسين العلاج الوهمي. ويمكن للتوعية العلمية البسيطة عن الألم، وتنظيم الوظائف الإدراكية، ومهارات الاسترخاء أن تساعد على تمكين المرضى من الحد من عملية معالجة الألم في الدماغ، واكتساب قدرة أكبر على التحكم في الأعراض التي تصيبهم، والاستفادة بشكل أكبر من العلاجات الطبية.

ويمكن تدريب المرضى فعليّا للوصول إلى حالة الارتياح. فعلى سبيل المثال، قد ينطوي تحسين العلاج الوهمي على التشديد على المرضى إننا نمتلك أدلة تشير إلى إمكانية إتباع العديد من الخطط العلاجية دون حدوث زيادة في حدة الألم؛ مثل خفض جرعات الأفيون تدريجيًّا. يحتاج الأطباء الإكلينيكيون كذلك إلى استراتيجيات لرصد تأثيرات الأوهام المرضية أو ما يعرف بتأثيرات «نوسيبو»، وتقليلها: وهي في هذه الحالة، التوقعات السلبية، والمخاوف من الألم، التي من الممكن أن تقوض فعالية العلاج الطبي.

لا بد من دمج علم النفس، والتعقيدات البشرية في التجارب الإكلينيكية، وخدمات الرعاية الطبية. كما يعتبر الحصول على المزيد من التمويل لعلاج إدمان الأفيون وسوء استخدامه أمرًا مرحبًا به. ولكن من الضروري كذلك توافر التمويل لتقصي الألم باعتباره مرض مستقل.

في عام 2016، قدر معهد الطب أن حوالي ثلث سكان الولايات المتحدة يعانون آلامًا مستمرة. كما أن الآلام المزمنة، التي تعد السبب الرئيس للإعاقة، أكثر انتشارا من داء السكري، أو أمراض القلب. ويكبد الألم الاقتصاد الأمريكي ما يصل إلى 630 مليار دولار أمريكي سنويًّا موزعة ما بين نفقات على الرعاية الصحية، وانخفاض في الإنتاجية، فضلًا عن أنه يقلل جودة حياة العديد من البشر. وبالرغم من صعوبة التوصل إلى أرقام دقيقة، فإن انخفاض نفقات معاهد الصحة الوطنية تظهر أن الوكالة خصصت ما يزيد عن 500 مليون دولار أمريكي قليلًا في عام 2017 لبحوث موسعة عن الألم. إن إيجاد طرق أفضل لعلاج الألم يستحق بالتأكيد ضخ استثمارات أكبر.

بيث دارنال، بروفيسورة إكلينيكية من قسم التخدير، وطب ما قبل العمليات الجراحية، وعلاج الألم بجامعة ستانفورد بكاليفورنيا.

«تويتر»: bethdarnall@