أنباء وآراء

علم الكواكب: نظرة أعمق على كوكب المشتري

أَجْرَت مركبة الفضاء "جونو" - التابعة لوكالة ناسا - قياسات دقيقة لحقل جاذبية كوكب المشتري. وقد كشفت البيانات عن تفاصيل بشأن بِنْية باطن الكوكب وديناميكياته.

جوناثان فورتني
  • Published online:

عادةً ما يكشف سطح الكوكب عن القليل ممّا يحدث في باطنه؛ فعلى سبيل المثال، يتكون سطح كوكب المشتري من أحزمة عرضية من غازات ساطعة وداكنة بالتبادل، تكمن في طيّاتها رياح عنيفة تتدفق في اتجاهات متضادة، وقد تصل سرعتها إلى أكثر من 100 متر في الثانية. لكن ماذا يحدث في أعماق الكوكب، ولا يمكننا رؤيته؟ وعلى وجه التحديد، هل باطن الكوكب ديناميكي كسطحه؟ في ثلاث ورقات علمية1-3 منشورة في هذا العدد المذكور أعلاه، استخدم العلماء سمات صغيرة مميزة في حقل جاذبية كوكب المشتري؛ للإجابة عن هذه الأسئلة، ولإحداث ثورة محتملة في فهْمنا للديناميكيات الداخلية لتلك الكواكب الغازية الضخمة.

يُذكر أن باطن كوكب المشتري عبارة عن سائل كثيف يتكون من خليط من الهيدروجين والهيليوم. ويتسبب فقدان الطاقة من الباطن في تحريك تيارات الحِمل الحراري داخل الكوكب وتصل هذه التيارات إلى سطحه. ومع ذلك فإن الأعمال البحثية، التي أجريت على مدار العقود القليلة الماضية، حول طبيعة فيزياء الهيدروجين والهيليوم تحت ضغط عال، والقياسات المنقحة التي سجلتها مراكب فضائية لحقل جاذبية كوكب المشتري، والطرق المحسَّنة لنمذجة بنية الكوكب، قد عجزت عن تحديد آليات عمل الحمل الحراري، وما إذا كانت تيارات الحمل في الباطن ترتبط بمظهر الأحزمة على السطح، أم لا.

سطح كوكب المشتري، كما التقطت صورته المركبة الفضائية "جونو"، التابعة لوكالة ناسا.

    سطح كوكب المشتري، كما التقطت صورته المركبة الفضائية "جونو"، التابعة لوكالة ناسا.

NASA/JPL-CALTECH/SWRI/MSSS/KEVIN M. GILL

وعند تفسير هذه الظاهرة، يبرز أمامنا احتمالان، أحدهما: أن الأحزمة مجرد ظاهرة سطحية، وأن الحمل الحراري في باطن الكوكب يتبع نمطًا مختلفًا كليًّا عن الحمل الحراري على السطح. أما الاحتمال الآخر، فهو أن ما نراه على السطح قد يكون امتدادًا لتدفق عميق من الحمل الحراري، ينقل الطاقة من الداخل إلى الخارج. وفي كلا الإطارين، وُضعت نماذج متطورة؛ لشرح تركيب الأحزمة5 وقد كان تحديد الإطار الصحيح من بينهما أحد الأهداف الرئيسة لمهمة «جونو» Juno، التابعة لوكالة ناسا، إلى المشتري (أقرب كوكب عملاق غازي للأرض). ولأن من المعروف الآن أن تلك الكواكب الغازية شائعة في المجرة6، فإن تحقيق هذا الهدف ستكون له دلالات بالغة الأثر على فهْمنا لتلك الفئة من الأجرام الفيزيائية الفلكية.

تتبع آيس وزملائه1 في بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature تسارع المركبة الفضائية جونو في مدارها البيضاوي، القريب من المشتري، عن طريق مراقبة التغير في تردد الموجات الراديوية المرسَلة إلى الأرض؛ المعروفة باسم «زحزحة دوبلر». وقد كشَف شذوذ صغير في هذه الإشارات عن تفاصيل بشأن توزيع كتلة كوكب المشتري. لم تكن عملية التتبع التي أجرتها «جونو»عملًا سهلًا، إذ كان على المؤلفين أن يأخذوا في اعتبارهم أنواع التسارع الأخرى الصغيرة للمركبة «جونو»، ومن ضمنها التسارع الناجم عن امتصاص ضوء الشمس وإعادة إشعاعه. وقد نجحوا في تحقيق ذلك باستخدام نموذج متطور يحاكي الطاقة الواردة والصادرة من المركبة الفضائية.

توصَّل آيس وزملاؤه إلى نتائج مذهلة، أكثرها إثارة للدهشة على الإطلاق أن أحد عناصر حقل جاذبية المشتري لا يبدي تماثلًا بين الشمال والجنوب. وهي ملاحظة غريبة بالنسبة لكوكب عملاق غازي سريع الدوران كالمشتري. وأوضح كاسبي وآخرون2 أن تلك السمة تنتج عن عدم التماثل العرضي في سرعة الرياح على السطح. ولا يمكن أن تؤثر هذه الرياح على حقل الجاذبية للكوكب بأي طريقة، إلا إذا كانت عميقة نسبيًّا، وتتضمن مقدارًا كبيرًا من الكتلة. وهذا يعني أن الأحزمة على كوكب المشتري ليست مجرد ظاهرة سطحية، ما يجيب على سؤال ظل معلَّقًا لفترة طويلة.

كذلك أشار كاسبي والعاملون معه أن شدة الرياح تضمحل ببطء مع زيادة العمق، وصولًا إلى 3 آلاف كيلومتر أسفل سطح كوكب المشتري (ما يعادل واحد على عشرين من نصف قطر الكوكب)، وهي النقطة التي يعادل الضغط عندها حوالي مئة ألف ضعف الضغط في الغلاف الجوي على سطح الأرض. ويمثل حجم الجزء الذي تحدث فيه هذه الرياح ما يقرب من 1% من كتلة المشتري.

وفي السياق ذاته، أكد جييو وآخرون3 على مقدار العمق البالغ 3 آلاف كيلومتر، الذي حدده كاسبي وزملاؤه باستخدام العنصر المتماثل من حقل جاذبية المشتري، إذ أوضحوا أن باطن الكوكب يدور أسفل هذا العمق كجسم صلب، على الرغم من طبيعته السائلة. وتتفق تلك النتائج مع التكهنات القائلة إن الهيدروجين يتأين، وتَنْتُج عنه بروتونات وإلكترونات حرة الحركة في مثل تلك البيئة مرتفعة الضغط. وتعمل تلك الجسيمات على توليد قوى سحب قوية تثبط تدفق الرياح في اتجاهات عكسية7.

وبذلك، فإن الدراسات الثلاث تؤكد الاقتراحات السابقة القائلة بإمكانية استخدام القياسات عالية الدقة لحقل الجاذبية في الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالديناميكيات الداخلية للكواكب8،9. وفي الأبحاث المستقبلية، يمكن للعلماء استخدام مسبار «جونو» في قياس عمق الأعاصير على المشتري، مثل إعصار البقعة الحمراء الكبيرة، أو يمكنهم مراقبة استجابة الكوكب للمدّ والجَزْر الناتج عن تأثير أقماره الكبرى. وسوف تفتح هذه التحليلات أمامنا نافذة أخرى على باطن كوكب المشتري.

الجدير بالذكر أن العمل البحثي المذكور هنا متماسك للغاية، على العكس من الاستنتاجات الأخرى المستنبطة باستخدام بيانات من «جونو»، ومنها تلك المُتعلقة بكتلة وكثافة اللب الأوّلِي لكوكب المشتري10، وهى الاستنتاجات التي اعتمدت، إلى حد ما، على النموذج المستخدَم، و على فهْمنا غير الكامل لفيزياء الهيدروجين تحت ضغط شديد. ولا أتوقع أي قفزة معرفية أخرى تتعلق بباطن المشتري بعد إنهاء جونو لمهمتها، إلا إذا تمكَّن الفلكيون من دراسة التذبذبات الداخلية للكوكب11، كما حدث في حالة الشمس12.

وبالنظر إلى التعقيد المتأصل في الكواكب، فإن عِلم الكواكب المُقارَن قد صار إطارًا ضروريًّا، يمكن من خلاله دراسة هذه الأجسام الفيزيائية الفلكية. ولحسن الحظ، فإنّ لكوكب المشتري شقيقًا، وهو الكوكب العملاق الغازي زحل. إنّ مهمة «كاسيني»، التابعة لوكالة ناسا، إلى كوكب زحل، والتي انتهت في عام 2017، قد وفرت مجموعة بيانات – شبيهة ببيانات جونو – حول الحقل المغناطيسي لزحل، ويجري تحليلها الآن13. ونظرًا إلى أن الضغط الداخلي بزحل أقل من المشتري، فمن المفترض أن تتمكن الرياح في غلافه الجوي من الوصول إلى أعماق أكبر في باطنه، قبل تأين الهيدروجين، وسيطرة قوى السحب المصاحِبة. وإذا استطعنا أن نتمكن من تكوين صورة مادية متناسقة لهذين العملاقين الغازيين في نظامنا الشمسي، نكون بذلك قد قطعنا شوطًا طويلاً نحو ترسيخ فهمنا للديناميكيات الداخلية لهذه الفئة من الأجسام الفيزيائية الفلكية.  

References

  1. Iess, L. et al. Nature 555, 220–222 (2018). | article
  2. Kaspi, Y. et al. Nature 555, 223–226 (2018).| article
  3. Guillot, T. et al. Nature 555, 227–230 (2018).| article
  4. Cho, J. Y.-K. & Polvani, L. M. Phys. Fluids 8, 1531–1552 (1996).| article
  5. Busse, F. H. Icarus 29, 255–260 (1976).| article
  6. Butler, R. P. et al. Astrophys. J. 646, 505–522 (2006).| article
  7. Liu, J., Goldreich, P. M. & Stevenson, D. J. Icarus 196, 653–664 (2008).| article
  8. Hubbard, W. B. Icarus 137, 357–359 (1999). | article
  9. Kaspi, Y. Geophys. Res. Lett. 40, 676–680 (2013).| article
  10. Wahl, S. M. et al. Geophys. Res. Lett. 44, 4649–4659 (2017).| article

  11. Gaulme, P., Schmider, F.-X., Gay, J., Guillot, T. & Jacob, C. Astron. Astrophys. 531, A104 (2011) | article

  12. Christensen–Dalsgaard, J. Rev. Mod. Phys. 74, 1073–1129 (2002).| article
  13. Edgington, S. G. & Spilker, L. J. Nature Geosci. 9, 472–473 (2016). | article

جوناثان فورتني يعمل في  مختبر العوالم الأخرى، بقسم الفلك والفيزياء الفلكية في جامعة كاليفورنيا، سانتا كروز، كاليفورنيا 95064، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: jfortney@ucsc.edu