تحقيق إخباري

العلاج بالموجات

كيف يُمكِن أن يتحوّل الضوء الومّاض أو الضوضاء الوردية أو غيرها من الأساليب غير الباضعة المُتَّبَعة في التحكم بالموجات الدماغية إلى علاجات للأمراض التنكسية العصبية يومًا ما.

هيلين طومسون

  • Published online:
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

ILLUSTRATION BY PAWEŁ JOŃCA

في مارس من عام 2015، أنشأت لي-هوي تساي مرقصًا مُصغَّرًا لبعض الفئران في مختبرها. فعلى مدار ساعة واحدة يوميًّا، كانت تساي تضع الفئران في صندوق مُضاء بمصباح ستروب ومّاض فقط. وظلت الفئران – التي كانت قد عُدِّلت وراثيًّا لإنتاج لويحات ببتيد الأميلويد-بيتا amyloid-β في الدماغ، وهو سمة مميزة لمرض ألزهايمر – تحبو جيئة وذهابًا في فضول. وعندما قامت تساي لاحقًا بتشريح هذه الحيوانات اكتشفت أن مستويات اللويحات لدى الفئران التي ذهبت إلى حفلات الرقص المُصغَّرة كانت أقل كثيرًا من مستويات اللويحات لدى الفئران التي أمضت الفترة ذاتها في الظلام1.

تقول تساي – وهي عالِمة أعصاب بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج – إنها تحققت من النتائج ثم تحققت منها مجددًا. وتضيف: "ظللتُ غير مصدّقة لهذه النتائج لأغلب الوقت". كان فريق تساي قد تمكّن من إزالة الأميلويد من جزء من الدماغ باستخدام ضوء ومّاض؛ فتم ضبط تردد مصباح الستروب على 40 هرتز وتم تصميمه للتحكم بالموجات الدماغية لدى القوارض، مما تسبّب في مجموعة من التأثيرات البيولوجية تخلصت من البروتينات المكوّنة للويحات. وكما هو معروف، رغم صعوبة تكرار النتائج الواعدة في نماذج الفئران المستخدمة لدراسة مرض ألزهايمر لدى البشر، طرحت التجربة بعض الإمكانات المثيرة للاهتمام. وتعقّب تساي: "كانت النتيجة مُحيّرة للأذهان ومُحكمة تمامًا، حتى أننا استغرقنا بعض الوقت لاستيعاب الفكرة، لكننا أدركنا أننا بحاجة إلى تدبير وسيلة لتجربة الأمر ذاته على البشر".

تعرّف العلماء منذ ما يقارب 100 عام على موجات النشاط الكهربائي التي تنتقل باستمرار عبر الدماغ، لكنهم وجدوا صعوبة في تعيين دور حاسم لهذه التذبذبات في السلوك أو وظيفة الدماغ. ربطَت الدراسات بقوة بين الموجات الدماغية وتعزيز الذاكرة في أثناء النوم، كما ربطَت هذه الموجات بمعالجة المدخلات الحسية، بل وبتنسيق الوعي أيضًا. لكنْ لا يقتنع الجميع بأنّ الموجات الدماغية على هذا القدر من الأهمية. يقول مايكل شادلين، وهو عالِم أعصاب بجامعة كولومبيا في مدينة نيويورك: "نحن حقًّا لا نعرف في الوقت الحالي ما تفعله هذه الموجات".

يشير في الفترة الحالية قَدْرٌ متزايد من الأدلة – بما في ذلك النتائج التي توّصلت إليها تساي – إلى وجود علاقة مهمة بين هذه الموجات والاضطرابات العصبية، مثل مرض ألزهايمر ومرض باركنسون. وتتيح هذه الأبحاث إمكانية الحؤول دون حدوث الضرر الذي تسببه هذه الحالات المرضية، بل وعلاجه أيضًا، دون استخدام أيّ أدوية. وتهدف أكثر من عشرين تجربة إكلينيكية حاليًّا إلى تعديل الموجات الدماغية بطريقة أو بأخرى؛ بعضها عن طريق استخدام أضواء ومّاضة أو أصوات إيقاعية، لكن معظمها من خلال تعريض الدماغ أو فروة الرأس للتيارات الكهربائية مباشرةً. وتهدف هذه التجارب إلى علاج كل شيء، بدءًا من الأرق وصولًا إلى الفصام والاضطراب المزعج السابق للطمث.

كانت دراسة تساي أول إطلالة على الاستجابة الخلوية للتحكم بالموجات الدماغية. ويعلّق والتر كوروشيتس، مدير المعهد الوطني الأمريكي للاضطرابات العصبية والسكتة الدماغية في بيثيسدا بولاية ميريلاند: "كانت نتائج دراستها مفاجأة كبيرة حقًّا، إنه اكتشاف جديد ستكون متابعته مثيرة جدًّا".

 

موجة قوية

كان الطبيب النفسي الألماني هانز بيرجر هو أول مَن لاحظ الموجات الدماغية. ففي عام 1929، نشر بيرجر ورقة بحثية2 وصف فيها موجات التيار المتكررة التي لاحظها عندما وضع أقطابًا كهربائية على فروة الرأس لدى الأفراد. وكان ذلك أول تسجيل للتخطيط الكهربائي للدماغ، لكنه لم يلقَ قدرًا كبيرًا من الاهتمام. كان بيرجر شخصًا مثيرًا للجدل، فقد أمضى جلّ حياته المهنية يحاول تحديد الأساس الفسيولوجي للظواهر النفسية. ولم يحظَ اختراع بيرجر بالتقدير – بوصفه نافذة على نشاط الدماغ – إلا بعد أن بدأ زملاؤه في تأكيد النتائج بعد عدة سنوات.

تتواصل الخلايا العصبية باستخدام النبضات الكهربائية التي يصنعها تدفق الأيونات إلى داخل وخارج كل خلية. ورغم أنه لا يمكن التقاط خلية عصبية واحدة تطلق إشاراتها من خلال الأقطاب الكهربائية في التخطيط الكهربائي للدماغ، فعندما تطْلِق مجموعة من الخلايا العصبية إشاراتها مرارًا وتكرارًا بشكل متزامن، يظهر ذلك في شكل تموجات كهربائية متذبذبة تنتشر عبر الدماغ.

تُعرَف الموجات ذات التردد الأعلى باسم موجات جاما، ويتراوح ترددها بين 25 و140 هرتز. ويُظهِر الناس في الغالب قدرًا كبيرًا من هذا النوع من النشاط عندما يكونون في قمة تركيزهم. أما على الطرف الآخر من هذا المقياس، فتوجد موجات دلتا ذات التردد الأدنى الذي يتراوح بين 0.5 و4 هرتز. وتحدث هذه الموجات عادةً في أثناء النوم العميق (انظر الشكل: «إيقاعات العقل»).

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.
كبر الصورة

في أي نقطة زمنية، يسود عادةً نوع واحد من الموجات الدماغية، وإنْ كانت النطاقات الترددية الأخرى موجودة دائمًا بدرجة ما. ولطالما تساءل العلماء عن الهدف – إن وُجِد – الذي يخدمه هذا النشاط الحافل، وقد ظهرت بعض المفاتيح لحل هذا اللغز على مدار العقود الثلاثة الماضية. ففي عام 1994 على سبيل المثال، أشارت اكتشافات في الفئران إلى أن الأنماط المميّزة للنشاط المتذبذب أثناء النوم تحاكي الأنماط التي حدثت في أثناء جلسة تعلّم سابقة3. واقترح العلماء إلى أن هذه الموجات يمكن أن تساعد في تعزيز الذكريات.

يبدو كذلك أن الموجات الدماغية تؤثر على الإدراك الواعي؛ فقد ابتكر راندولف هيلفريش بجامعة كاليفورنيا في بيركلي وزملاؤه طريقة لتعزيز أو خفض تذبذبات موجات جاما بتردد 40 هرتز تقريبًا باستخدام تقنية غير باضعة تُسمَّى «التحفيز بالتيار المتردد عبر الجمجمة». ومن خلال تعديل هذه التذبذبات، تمكّن الباحثون من التأثير على إدراك الشخص لمجموعة من النقاط المتحركة في مقطع فيديو إذا ما كانت تنتقل بشكل عمودي أو أفقي4.

توفر التذبذبات أيضًا آلية ممكنة لتفسير كيفية إنتاج الدماغ لتجربة متناغمة من قلب الفوضى الناشئة عن المثيرات التي تصل إلى الحواس في أي وقت من الأوقات، وهو اللغز المعروف باسم "مشكلة الارتباط". فمِن خلال مزامَنة معدلات إطلاق إشارات الخلايا العصبية التي تستجيب للحدث نفسه، ربما تضمن الموجات الدماغية وصول جميع المعلومات ذات الصلة بغرض واحد إلى المنطقة الصحيحة من الدماغ في الوقت المناسب تمامًا. ويُعتبر تنسيق هذه الإشارات هو مفتاح الإدراك، حسبما يقول روبرت نايت العالِم المختص في علم الأعصاب الإدراكي بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، والذي يضيف قائلًا: "لا يمكنك الاكتفاء بالأمل أنْ تنتظم هذه الإشارات من تلقاء نفسها ذاتيًا".

 

تذبذبات صحية

لكن يمكن أن تتعرض هذه التذبذبات إلى خللٍ مِن جرّاء اضطرابات معينة. ففي مرض باركنسون على سبيل المثال، يبدأ الدماغ عامةً بإظهار زيادة في موجات بيتا في المناطق الحركية حيث تتضرر حركة الجسم. في الدماغ السليم، يتم كبح موجات بيتا قبل أيّ حركة للجسم مباشرةً، أما في مرض باركنسون يبدو أن الخلايا العصبية تصبح معلَّقة في نمط متزامن من النشاط. ويؤدي ذلك إلى حالة من التصلب وصعوبات في الحركة. ويقول بيتر براون، الذي يدرُس مرض باركنسون في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، إن العلاجات الحالية لأعراض المرض – مثل التحفيز الدماغي العميق وعقار «ليفودوبا» – قد يكون لها تأثير عن طريق التقليل من موجات بيتا.

أما الأشخاص المصابون بمرض ألزهايمر، فيظهر لديهم انخفاض في تذبذبات جاما5. لذا، تساءلت تساي وآخرون عما إذا كان من الممكن استعادة نشاط موجات جاما، وما إذا كان ذلك سيؤثر على المرض بأي شكل من الأشكال أم لا.

بدأ هؤلاء الباحثون باستخدام علم الوراثة البصرية من أجل هندسة خلايا المخ وراثيًّا للاستجابة مباشرةً لومضة من الضوء. وفي عام 2009، وبالتعاون مع كريستوفر مور الذي كان يعمل أيضًا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا آنذاك، أثبت فريق تساي لأول مرة أنه من الممكن استخدام هذا الأسلوب لتحفيز تذبذبات جاما في جزء محدد من دماغ الفئران6.

واكتشفت تساي وزملاؤها بعد ذلك أن تعديل التذبذبات يتسبّب في حدوث مجموعة من الأحداث البيولوجية؛ حيث يبدأ هذا التعديل تغييرات في التعبير الجيني ينتج عنها تغيير في شكل الدُبَيْقِيَّات – وهي خلايا مناعية في الدماغ 1– فتتحول الخلايا في الأساس إلى وضع الخلايا الكاسحة، مما يتيح لها التخلص بشكل أفضل من الفوضى الضارة في الدماغ، مثل أميلويد-بيتا amyloid-β. ويقول كوروشيتس إن هذه العلاقة الارتباطية بالمناعة العصبية مسألة جديدة ولافتة للنظر. ويضيف: "للخلايا المناعية من نوع الدُبَيْقِيَّات في الدماغ دور بالغ الأهمية، لكنه غير مفهوم جيدًا. ويمثّل هذا الدور أحد أكثر المجالات البحثية إثارة للاهتمام في الوقت الراهن".

وكي تكون لهذا الأسلوب استخدامات علاجية، كان على تساي وزملائها إيجاد وسيلة أقل استخدامًا للتدخل الباضع من أجل التحكم بالموجات الدماغية. فقد اتضح أن تسليط أضواء ومّاضة بترددات محددة يؤثر على التذبذبات في بعض مناطق الدماغ، ولذا، اتجه الباحثون إلى استخدام أضواء ستروب. واستهلُّوا عملهم بتعريض الفئران الصغيرة التي تميل إلى تراكم الأميلويد لأضواء مصابيح «ليد» ومّاضة لمدة ساعة واحدة. ونتج عن ذلك انخفاض في الأميلويد الحر العائم، لكنه كان انخفاضًا مؤقتًا استمر لأقل من 24 ساعة واقتصر على القشرة البصرية.

ولتحقيق تأثير أطول أمدًا على الحيوانات التي تتكوّن لديها لويحات الأميلويد، كرر الباحثون التجربة لمدة ساعة في اليوم على مدار أسبوع، واستخدموا في تلك المرة فئران أكبر سنًّا كانت اللويحات قد بدأت في التكوّن لديها. وبعد انتهاء التجربة بأربع وعشرين ساعة، أظهرت تلك الحيوانات انخفاضًا بنسبة 67% في اللويحات الموجودة في القشرة البصرية بالمقارنة مع حيوانات المجموعة الضابطة. واكتشف الفريق كذلك أن هذا الأسلوب قلل من نسبة بروتين «تاو» tau، وهو من السمات الأخرى المميزة لمرض ألزهايمر.

تظهر عادةً التأثيرات السلبية الأولى للويحات ألزهايمر على الحُصين، لا على القشرة البصرية. ولإحداث التذبذبات في الموقع المراد، تدرس حاليًّا تساي وزملاؤها أساليب أخرى. فعلى سبيل المثال، يبدو أن تعريض القوارض لضوضاء بتردد 40 هرتز يُسبِّب انخفاضًا في الأميلويد في الحُصين، وربما يعود السبب وراء ذلك إلى أن الحُصين يقع في مكان أقرب إلى القشرة السمعية منه إلى القشرة البصرية.

تمتلك حاليًّا تساي وزميلها إد بويدن، عالِم أعصاب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، شركة باسم «كوجنيتو ثيرابيوتكس» Cognito Therapeutics في كامبريدج لاختبار علاجات مشابِهة على البشر. في العام الماضي، بدأ الباحثان تجربة من تجارب السلامة تنطوي على اختبار جهاز للضوء الومّاض يتم ارتداؤه مثل النظّارة، وذلك على 12 شخصًا من مرضى ألزهايمر.

توجد محاذير كثيرة متعلقة بهذه التجربة؛ فنموذج الفئران لدراسة مرض ألزهايمر ليس محاكاة مثاليّة للاضطراب، وهناك علاجات عديدة كانت واعدة لدى القوارض ولكنها فشلت مع البشر. يقول توماس إنسل، وهو عالِم أعصاب وطبيب نفسي تولَّى رئاسة المعهد الوطني الأمريكي للصحة العقلية في بيثيسدا بولاية ميريلاند من عام 2002 حتى 2015: "اعتدت أن أقول للناس: "إذا كنتم ستصابون بمرض ألزهايمر، فعليكم أولًا أن تصبحوا فئرانًا"".

يتطلع باحثون آخرون أيضًا إلى اختبار كيف أن التحكم بالموجات الدماغية ربما يساعد الأشخاص المصابين بمرض ألزهايمر. يقول إميليانو سانترنيتشي الذي يعمل بكلية طب جامعة هارفارد في بوسطن بولاية ماساتشوستس: "نرى أن دراسة تساي ممتازة بحق". كان فريق سانترنيتشي قد بدأ بالفعل في استخدام تقنية التحفيز بالتيار المتردد عبر الجمجمة لتحفيز الدماغ، وكان التساؤل الذي شغل الباحث هو إذا كان بإمكان هذه التقنية إحداث تأثيرات أقوى مما يمكن الحصول عليها باستخدام مصباح ستروب ومّاض أم لا. ويضيف الباحث: "يمكن أن يستهدف هذا النوع من التحفيز مناطق من الدماغ بشكل أكثر تحديدًا مما تستطيع عملية الإثارة الحسية الوصول إليه. ولذا، فبعد رؤية النتائج التي توصلت إليها تساي، اتضح لنا بجلاء أننا ينبغي أن نجرِّب هذا العلاج على مرضى ألزهايمر".

بدأ فريق سانترنيتشي تجربة إكلينيكية مبكرة، حيث يتلقى عشرة أشخاص يعانون من مرض ألزهايمر تحفيزًا بالتيار المتردد عبر الجمجمة لمدة ساعة يوميًّا على مدار أسبوعين. وبالتعاون مع بويدن وتساي، ستبحث تجربة ثانية عن إشارات تدل على الدُبَيْقِيَّات المُنشَّطة ومستويات بروتين تاو. ومن المتوقع التوصل إلى نتائج من كلتا التجربتين بحلول نهاية العام.

يقول نايت إن دراسات تساي على الحيوانات تُظهِر بوضوح أن التذبذبات لها تأثير على عملية الأيض الخلوي. ولكن سيختلف الأمر إذا تساءلنا عمّا إذا كنّا سنرى التأثير ذاته على البشر أم لا، فتلك مسألة أخرى. ويضيف نايت: "في نهاية المطاف، البيانات هي التي ستحدد النتيجة".

ربما تكشف الدراسات أيضًا عن مخاطر؛ فتذبذبات موجات جاما هي النوع المرجَّح لإحداث النوبات لدى الأشخاص المصابين بالصرع الحسّاس للضوء، بحسب قول دورا هيرمِس، عالِمة أعصاب بجامعة ستانفورد في كاليفورنيا. تتذكر هيرمِس حلقة مشهورة من مسلسل ياباني للرسوم المتحركة تظهر فيها أضواء حمراء وزرقاء ومّاضة تسببت في حدوث نوبات لدى بعض المشاهدين. وتضيف هيرمِس: "شاهد عدد كبير جدًّا من الناس تلك الحلقة حتى أن قسم الطوارئ بالمستشفى استقبل في ذلك اليوم حوالي 700 حالة إضافية".

 

تعزيز الدماغ

مِن الواضح أن ثمة حماس متنامي بشأن علاج الأمراض العصبية باستخدام التعديل العصبي، بدلًا من المستحضرات الدوائية. يقول إنسل: "توجد أدلة وجيهة جدًّا على أنه من خلال تغيير نشاط الدوائر العصبية يمكننا إحداث تحسُّن ملحوظ في كل من: مرض باركنسون، والألم المزمن، واضطراب الوسواس القهري، والاكتئاب". ويضيف قائلًا إن هذا أمر مهم لأن العلاجات الدوائية للأمراض العصبية يعيبتها حتى الآن غياب الدقة. ومن جانبه يعقّب كوروشيتس قائلًا إن المعاهد التي تقدم التمويل تتلهف للحصول على علاجات مبتكرة وغير باضعة وقابلة للتطبيق سريعًا على البشر.

يقول بويدن إنه منذ نشْر الورقة البحثية لفريقه عن الفئران، انهمر عليه سيل من الطلبات من الباحثين الراغبين في استخدام الأسلوب نفسه لعلاج حالات مرضية أخرى، لكنه لا يزال هناك الكثير من التفاصيل التي يلزم استيضاحها. ويضيف بويدن: "إننا بحاجة إلى معرفة الطريقة غير الباضعة الأكثر فعالية للتحكم بالتذبذبات في مختلف مناطق الدماغ. ربما تتمثّل هذه الطريقة في استخدام الضوء، ولكنْ يمكن الاستعانة بوسادة ذكية أو عصابة رأس يمكنها استهداف تلك التذبذبات باستخدام الكهرباء أو الصوت". ومن بين أبسط الأساليب التي اكتشفها العلماء كانت ردود الأفعال العصبية التي أظهرت بعض النجاح في علاج مجموعة من الحالات المرضية، بما في ذلك القلق، والاكتئاب، واضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة. ويتم تعليم الأشخاص الذين يستخدمون هذا الأسلوب كيف يتحكمون بموجاتهم الدماغية من خلال قياسها باستخدام التخطيط الكهربائي للدماغ والحصول على ردّ الفعل في شكل إشارات بصرية أو سمعية.

وقد قامت فيليس زي، اختصاصية طب الأعصاب بجامعة نورث ويسترن في شيكاغو بولاية إيلينوي، وزملاؤها بتمرير نبضات من «الضوضاء الوردية» – وهي ترددات صوتية تشكّل مع بعضها صوتًا يشبه صوت الشلال – إلى مجموعة من كبار السن الأصحاء في أثناء نومهم. كان فريق البحث مهتمًا بوجه خاص بتحفيز تذبذبات دلتا التي تميّز النوم العميق. فهذا الجانب من النوم يتناقص مع التقدّم في العمر ويرتبط بانخفاض القدرة على ترسيخ الذكريات.

وحتى الآن، اكتشف فريق زي أن التحفيز قد زاد من سعة الموجات البطيئة، وأسهم في حدوث تحسُّن بنسبة 25% إلى 30% في استدعاء أزواج الكلمات المتعلمة في الليلة السابقة بالمقارنة مع علاج وهمي7. وفريق زي حاليًّا في منتصف تجربة إكلينيكية تهدف إلى معرفة إذا كان يمكن أن يساعد التحفيز الصوتي طويل الأجل الأشخاص المصابين بقصور إدراكي معتدل أم لا.

على الرغم من أن هذه الأنواع من التقنيات آمنة نسبيًّا، فإنها تعاني بالفعل من بعض القيود. فعلى سبيل المثال، من السهل تعلُّم ردود الأفعال العصبية، لكنها يمكن أن تستغرق وقتًا طويلًا حتى يظهر أثرها وتكون النتائج غالبًا قصيرة الأمد. وفي التجارب التي تستخدم التحفيز المغناطيسي أو السمعي، من الصعب معرفة أي منطقة من مناطق الدماغ بالضبط هي المتأثرة. يقول نايت: "يعاني مجال التحفيز الخارجي للدماغ بعض الضعف في الوقت الراهن"، فهناك منهجيات عديدة، حسب قوله، تسير بنظام الحلقة المفتوحة، بمعني أنها لا تتتبع أثر التعديل باستخدام التخطيط الكهربائي للدماغ. ويرى نايت أن نظام الحلقة المغلقة أكثر عملية. وبالفعل تقوم بعض التجارب – مثل تجربة زي وغيرها من التجارب التي تستخدم رد الفعل العصبي – بتوظيف ذلك النهج. ويضيف نايت: "أعتقد أن المجال يحقق تحسنًا حاليًّا، فقد بدأ يجتذب بعض الأبحاث الجادة".

وفضلًا عن أن هذه الدراسات يمكن أن تؤدي إلى التوصل إلى علاجات، فإنها كذلك قد تتيح مجال التذبذبات العصبية بشكل عام، ما من شأنه أن يسهم في ربطها بشكل أكثر دقة بالسلوك وبكيفية عمل المخ ككل.

يقول شادلين إنه يتقبّل فكرة قيام التذبذبات بدور في السلوك البشري والوعي، لكنه لا يزال غير مقتنع حاليًّا بأنها مسؤولة مسؤولية مباشرة عن هذه الظواهر، مشيرًا بذلك إلى الأدوار العديدة التي ينسبها الناس إلى هذه التذبذبات بوصفها "تعويذات سحرية". ويضيف شادلين إنه يتقبل تمامًا أيضًا أن هذه الإيقاعات الدماغية هي علامات مميزة لعمليات دماغية مهمة، "لكنْ ينبغي الحصول على مزيد من الإيضاحات إذا طرحنا فكرة أن زيادات النشاط بشكل متزامن لها دلالة معينة، وأن تعديلات بسيطة مفاجئة في المدخلات بتردد معين سترفع فجأة من النشاط في شعورنا الواعي".

وبغض النظر عن الدور الذي تؤديه الموجات الدماغية، تريد تساي في الأساس ضبط عمل هذه الموجات وتسخيرها لمواجهة الأمراض. وقد حصلت مؤخرًا شركة «كوجنيتو ثيرابيوتكس» على موافقة لإجراء تجربة ثانية أكبر حجمًا ستبحث في مسألة إذا كان لذلك العلاج أي تأثير على أعراض مرض ألزهايمر أم لا. وفي الوقت نفسه، يركّز فريق تساي حاليًّا على فهم المزيد عن الآثار البيولوجية اللاحقة وكيفية تحسين عملية استهداف الحُصين باستخدام تقنيات غير باضعة.

تَعتبِر تساي هذا العمل مسألة شخصية، فقد أُصيبت جدتها التي تولَّت تربيتها بالخرف. وتقول تساي عن هذه التجربة: "لقد تَرَكَتْ نظرتها الحائرة أثرًا عميقًا في نفسي. لعل هذا هو التحدي الأكبر في حياتنا، وسوف أبذل في سبيله كل ما أملك".

References

  1. Iaccarino, H. F. et al. Nature 540, 230–235 (2016). | article
  2. Berger, H. Arch. Psychiatr. Nervenkr. 87, 527–570 (1929)| article
  3. Wilson, M. A. & McNaughton, B. L. Science 265, 676–679 (1994).| article
  4. Helfrich, R. F. et al. PLoS Biol. 12, e1002031 (2014). | article
  5. Koenig, T. et al. Neurobiol. Aging 26, 165–171 (2005).| article
  6. Cardin, J. A. et al. Nature 459, 663–667 (2009).| article
  7. Papalambros, N. A. et al. Front. Hum. Neurosci. 11, 109 (2017). | article

هيلين طومسون صحفية علمية مقيمة في لندن، وهي صاحبة كتاب «اللامعقول رحلة استثنائية داخل أغرب الأدمغة في العالم» Unthinkable: An Extraordinary Journey Through the World’s Strangest Brains.