أنباء وآراء

علم الأعصاب: هَبّات من إشارات الخلايا العصبية تمهد الطريق للاكتئاب

تؤدي دفقات نشاط الخلايا العصبية في العِنان الجانبي للدماغ – التي تنظّمها الخلايا النجمية – إلى سلوكيات شبيهة بسلوكيات الاكتئاب لدى القوارض. وربما يساعدنا هذا الاكتشاف على فهم كيفية عمل أحد مضادات الاكتئاب وتطوير المزيد منها. 

ويليام إم. هاو، وبول جيه. كيني
  • Published online:

تعمل قوى متعارضة على تشكيل حياتنا اليومية؛ فعلى سبيل المثال، يمكن أن تشجعنا المثيرات على التحرك أو التوقف، ويمكن أن تجعلنا الأحداث الواقعة سعداء أو تعساء. وبالتالي، فإن أدمغتنا مُصممة بمنظومة أشبه بالطاقتين المتضادتين "يِن ويانج" في الفلسفة الصينية، بحيث توجّه أفعالنا وتؤثّر في مشاعرنا. تعزز الخلايا العصبية في الجهاز الحوفي المتوسط بالدماغ من السلوك الباحث عن المكافأة وتساعد على معالجة المعلومات المتعلقة بالأفعال التي تجلب نتائج ممتعة1-3. وفي المقابل، فإن الخلايا العصبية في العِنان الجانبي تقوم بتشفير المعلومات المتعلقة بالنتائج المؤذية وتثبيط البحث عن المكافأة4-6. ولذلك، فإن الإخلال بالتوازن بين هذين النظامين المتعارضين قد يؤثّر على سلوكنا. وفي الواقع، تشير أدلة ناشئة7 إلى أن فرط نشاط العِنان الجانبي يسهم في حدوث الاضطرابات المزاجية، مثل الاكتئاب الكبير. وقد ألقت ورقتان بحثيتان8،9 نُشِرتا مؤخرًا في دورية Nature الضوء على الآليات التي تقف وراء فرط نشاط العنان الجانبي، وعلى الكيفية التي يُعدِّل بها عقار الكيتامين المضاد للاكتئاب من هذه الحالة.

في الورقة البحثية الأولى، قيّمت يانج وزملاؤها8 نشاط إطلاق الخلايا العصبية للإشارات في العِنان الجانبي في نموذجين للاكتئاب لدى الجرذان. ويشمل إطلاق الخلايا العصبية للإشارات إزالة استقطاب الجهد الكهربي في أنحاء غشاء الخلية (في حالة الراحة، يحمل الجزء الداخلي للخلية شحنة سالبة مقارنةً بالحيز الخارجي من حولها). وترتبط عادةً حالة فرط الاستقطاب – عندما يصبح الجزء الداخلي من الخلية أكثر سالبية من المعتاد – بتثبيط الخلايا العصبية.

وعن طريق دراسة شرائح دماغية خارج الجسم الحي، بيَّنت يانج وزملاؤها أنه في الجرذان "المكتئبة" كان احتمال أن تُطْلِق الخلايا العصبية بالعٍنان الجانبي الإشارات في نمط هَبّات سريعة أكبر من احتمال حدوث ذلك لدى الجرذان بالمجموعة الضابطة. ولاحظ الباحثون أيضًا أنه عندما حدث فرط استقطاب في الخلايا العصبية بالعنان الجانبي العصبية، زاد احتمال أن تطلِق هذه الخلايا الإشارات على هيئة هَبّات أكثر من إطلاقها على هيئة دفعات ثابتة. وانتقل الباحثون بعد ذلك إلى إظهار أن بإمكانهم أن يزيدوا من السلوكيات المشابِهة لسلوكيات الاكتئاب في الجرذان عن طريق التحكم في الجينات لإحداث فرط الاستقطاب، ومن ثم إطلاق الخلايا العصبية بالعنان الجانبي للإشارات في صورة هَبّات.

بعد ذلك، فحصت مجموعة الباحثين المؤشرات التي تنظّم هذا الإطلاق للإشارات في صورة هَبّات. ففي مناطق أخرى بالدماغ10، يتحكم في هذا الإطلاق مستقبلات البروتين (N-methyl-d-aspartate (NMDARs، وهي بروتينات قنويّة تنتشر في أنحاء الأغشية ويؤدي تنشيطها إلى تدفق لأيونات الكالسيوم موجبة الشحنة إلى داخل الخلايا العصبية، مما يؤدي بدوره إلى إزالة الاستقطاب وإطلاق الخلايا العصبية للإشارات. واكتشفت يانج وزملاؤها أن إطلاق الخلايا العصبية بالعنان الجانبي للإشارت في صورة هَبّات تطلَّب نشاط مستقبلات N-methyl-d-aspartate وطائفة أخرى من البروتينات هي قنوات الكالسيوم الحساسة للجهد الكهربي من النوع (T (T-VSCCs.        

هل يمكن أن يؤدي تثبيط مستقبلات N-methyl-d-aspartate إلى منع إطلاق الإشارات في هيئة هَبّات؟ يُعَد عقار كيتامين مثبطًا لهذه المستقبلات ومضادًّا واعدًا وسريع المفعول للاكتئاب لدى البشر (إذ يسري مفعوله في غضون وقت قصير يصل إلى 30 دقيقة)11، وهو يخضع الآن للتجارب الإكلينيكية بهدف علاج اضطراب الاكتئاب الكبير الذي ينطوي على احتمال وشيك للانتحار. وقد مثّلت الآليات التي يعمل بها الكيتامين لغزًا محيّرًا للعلماء. والمدهش أن يانج وزملاءها اكتشفوا أن للحقن الموضعي للكيتامين في العنان الجانبي تأثيرات شبيهة بالاستجابات لمضادات الاكتئاب في الجرذان المعرَّضة للإصابة بالاكتئاب. وتشير هذه النتائج إلى أن تأثيرات العلاجية للكيتامين قد تعود – على الأقل جزئيًّا – إلى قدرته على منع إطلاق الإشارات في هيئة هَبّات في العنان الجانبي.

وفي البحث الثاني، أَوْلَت تسوي وزملاؤها9 اهتمامهم للآليات التي تغيّر من سلوك الخلايا العصبية بالعِنان الجانبي لتطلِق الإشارات بنمط الهَبّات أثناء الاكتئاب. أجرى مؤلفو البحث تحليلًا واسع النطاق للبروتينات التي يتم التعبير عنها بشكل متباين في العنان الجانبي. وكشف هذا التحليل عن أن التعبير عن بروتين Kir4.1 – وهو مكوِّن من مكونات قنوات أيونات البوتاسيوم (K+) – قد ازداد في العِنان الجانبي لدى الجرذان المعرضة للاكتئاب بالمقارنة مع جرذان المجموعة الضابطة.

يتم التعبير عن بروتين Kir4.1 في الخلايا النجمية، وهي الخلايا التي تتفاعل مع الخلايا العصبية لتؤثّر على حالة نشاطها12 (وإنْ كانت الأهمية الوظيفية لمثل هذه التفاعلات لا تزال في طور التحديد). بيَّنَ الباحثون أن التعبير المفرط عن بروتين Kir4.1 في الخلايا النجمية بالعنان الجانبي أدى إلى زيادة إطلاق الإشارات في هيئة هَبّات بالخلايا العصبية المحلية، كما عَجَّل بظهور سلوكيات شبيهة بسلوكيات الاكتئاب لدى الجرذان. وعلى النقيض من ذلك، أدى نقص التعبير عن بروتين Kir4.1 لدى الجرذان المعرضة للاكتئاب إلى خفض إطلاق الخلايا العصبية بالعِنان الجانبي للإشارات في هيئة هَبّات وكذلك الحدّ من السلوكيات الشبيهة بالاكتئاب لدى الجرذان.

كيف تعمل القنوات المحتوية على بروتين Kir4.1 في الخلايا النجمية على تنظيم نشاط الخلايا العصبية؟ تستطيع الخلايا العصبية أن تضخ أيونات البوتاسيوم K+ من السيتوبلازم إلى الحيز الخارجي المحيط بالخلية لإحداث فرط الاستقطاب. وتقدِّم تسوي وزملاؤها أدلة على أن قنوات أيونات البوتاسيوم في الخلايا النجمية بالعنان الجانبي تساعد على إزالة أيونات البوتاسيوم من الحيز المحيط بالخلية. ويسهل ذلك قدرةَ الخلايا العصبية بالعنان الجانبي على الدخول في حالة فرط استقطاب، ومن ثم إطلاق إشارات في هيئة هَبّات (الشكل 1). تجدر الإشارة إلى أنه سيلزم إجراء دراسات في المستقبل لفهم إذا كانت الخلايا النجمية بالعنان الجانبي تتفاعل مع الخلايا العصبية بطرق أخرى لتؤثّر على أنماط نشاطها أم لا.

الشكل 1 | إطلاق الإشارات العصبية في هيئة هَبّات أثناء الاكتئاب. (أ) يؤدي تنشيط مستقبلات N-methyl-d-aspartate المنتشرة في الأغشية إلى تدفق أيونات الكالسيوم (Ca2+) التي تزيل استقطاب الخلايا العصبية (التي يكون داخلها سالب الشحنة بالمقارنة مع الحيز الموجود خارجها في حالات الراحة)، ويتسبب في إطلاقها للإشارات. ويؤدي تدفق أيونات الكالسيوم أيضًا إلى خروج فيض من أيونات البوتاسيوم (K+) عبر بروتينات قنوات البوتاسيوم. وتوضّح يانج وزملاؤهه 8أنه في العِنان الجانبي بالمخ يتسبب النشاط المنسَّق لمستقبلات N-methyl-d-aspartate وقنوات الكالسيوم الحساسة للجهد الكهربي من النوع T (T-VSCCs) في إطلاق الخلايا العصبية للإشارات على هيئة هَبّات سريعة، وأن هذا النمط من إطلاق الإشارات يؤدي إلى ظهور أعراضٍ شبيهة بالاكتئاب لدى الجرذان من خلال آليات مجهولة. (ب) تبيّن تسوي وزملاؤها9 أن أيونات البوتاسيوم تُزال سريعًا بواسطة خلايا قريبة تُسمَّى بالخلايا النجمية التي تُعبِّر عن قنوات لأيونات الكالسيوم تحتوي على البروتين Kir4.1. ويسهّل ذلك عملية الخروج السريع لفيض أيونات البوتاسيوم من الخلية العصبية ودخولها في حالة فرط الاستقطاب التي تزيد من احتمال إطلاق الإشارات على هيئة هَبّات8.

الشكل 1 | إطلاق الإشارات العصبية في هيئة هَبّات أثناء الاكتئاب. (أ) يؤدي تنشيط مستقبلات N-methyl-d-aspartate المنتشرة في الأغشية إلى تدفق أيونات الكالسيوم (Ca2+) التي تزيل استقطاب الخلايا العصبية (التي يكون داخلها سالب الشحنة بالمقارنة مع الحيز الموجود خارجها في حالات الراحة)، ويتسبب في إطلاقها للإشارات. ويؤدي تدفق أيونات الكالسيوم أيضًا إلى خروج فيض من أيونات البوتاسيوم (K+) عبر بروتينات قنوات البوتاسيوم. وتوضّح يانج وزملاؤهه 8أنه في العِنان الجانبي بالمخ يتسبب النشاط المنسَّق لمستقبلات N-methyl-d-aspartate وقنوات الكالسيوم الحساسة للجهد الكهربي من النوع T (T-VSCCs) في إطلاق الخلايا العصبية للإشارات على هيئة هَبّات سريعة، وأن هذا النمط من إطلاق الإشارات يؤدي إلى ظهور أعراضٍ شبيهة بالاكتئاب لدى الجرذان من خلال آليات مجهولة. (ب) تبيّن تسوي وزملاؤها9 أن أيونات البوتاسيوم تُزال سريعًا بواسطة خلايا قريبة تُسمَّى بالخلايا النجمية التي تُعبِّر عن قنوات لأيونات الكالسيوم تحتوي على البروتين Kir4.1. ويسهّل ذلك عملية الخروج السريع لفيض أيونات البوتاسيوم من الخلية العصبية ودخولها في حالة فرط الاستقطاب التي تزيد من احتمال إطلاق الإشارات على هيئة هَبّات8

كبر الصورة

يقدم هذان البحثان معًا رؤى متعمقة مهمة حول نمط مرتبط بالاكتئاب من أنماط إطلاق الخلايا للإشارات في العنان الجانبي وأيضًا تنظيم هذا النمط بواسطة الكيتامين. ولكن لا يتضح السبب الدقيق وراء أن إطلاق الخلايا العصبية بالعنان الجانبي للإشارات في هيئة هَبّات يؤدي إلى ازدياد السلوكيات الشبيهة بالاكتئاب لدى القوارض. ويتمثّل أحد التفسيرات المحتملة الذي قدمته يانج وزملاؤها في التأثير المثبّط الذي تُحدِثه الخلايا العصبية بالعنان الجانبي في خلايا الدوبامين العصبية المرتبطة بالمكافأة في الجهاز الحوفي المتوسط وفي خلايا السيروتونين المرتبطة بالحالة المزاجية في الدماغ المتوسط. وربما يغيّر إطلاق الخلايا العصبية بالعنان الجانبي للإشارات في هيئة هَبّات من نشاط أنظمة النواقل العصبية هذه في المراحل اللاحقة بطريقة تقلل من تأثيراتها الإيجابية على الحالة المزاجية، ومن ثم يزيد من قابلية الإصابة بالاكتئاب. وسوف يتطلب اختبار هذه الإمكانية والآليات الأخرى المحتملة إجراء المزيد من التجارب. ويجب أن يؤخذ بعين الاعتبار أيضًا احتمال أن يكون هناك دور لمجموعات فرعية من خلايا الدوبامين والسيروتونين العصبية التي تقوم بتشفير المثيرات المرتبطة بالنفور13.

تنطوي الدراستان الحاليتان على إمكانات علاجية متعددة؛ فأولًا، توضّح بيانات تسوي وزملائها أن الخلايا النجمية قد يكون لها دور أساسي في التحكم بمنظومة دماغية تشارك في الحالة المزاجية والدافعية. وقد ركزت معظم الدراسات السابقة التي تربط وظيفة الخلايا النجمية بحالات مرضية على الاضطرابات التنكسية في الجهاز العصبي واضطرابات النمو14،، لكن البحثين الحاليين يشيران إلى أن تعديل نشاط هذه الخلايا قد يكون طريقة لعلاج الأمراض النفسية.

ثانيًا، أوضحت يانج وزملاؤها أن أحد مُحصِرات قنوات الكالسيوم الحساسة للجهد الكهربي من النوع T – الذي أُدخِل مباشرة إلى العِنان الجانبي – كان له تأثيرات مضادة للاكتئاب تشبه تأثيرات الكيتامين. ويطرح هذا الأمر الاحتمال المثير للانتباه المتمثل في أنْ تكون مُحصِرات قنوات الكالسيوم الحساسة للجهد الكهربي من النوع T، أو المركّبات الأخرى التي تثبّط إطلاق الخلايا العصبية بالعنان الجانبي للإشارات في هيئة هَبّات، مضادات اكتئاب فعّالة.

وأخيرًا، يلقي البحثان الضوء على الآليات الممكنة التي يسبب من خلالها الكيتامين تأثيرات سريعة مضادة للاكتئاب لدى البشر. فالكيتامين ومستقلَباته تحفّز تكوين الارتباطات المشبكية بين الخلايا العصبية في الدماغ16-18، وهي العملية التي يُعتقَد أنها مهمة في التأثيرات العلاجية للعقار. وتشير النتائج إلى أن خاصية أخرى للعقار – وهي قدرته على تثبيط إطلاق الإشارات في هيئة هَبّات في منطقة بالدماغ ضالعة في النفور والحالة المزاجية السلبية – تسهم أيضًا في فاعليته وتفسّر الظهور السريع لتأثيره. وربما تسهم هذه المعرفة في تيسير تطوير الجيل التالي من مضادات الاكتئاب المرتبطة بالكيتامين، والتي تستهدف على وجه الخصوص نشاط العنان الجانبي والتي يمكن أن تحدّ من أثرين من الآثار الجانبية الرئيسية للكيتامين ومُحصِرات مستقبلات N-methyl-d-aspartate الأخرى: وهما احتمال التعاطي والتسبب في حالة ذُهانية مؤقتة شبيهة بالفصام. 

References

  1. Berridge, K. C. & Robinson, T. E. Brain Res. Brain Res. Rev. 28, 309-369 (1998). | article
  2. Di Chiara, G. & Bassareo, V. Curr. Opin. Pharmacol. 7, 69-76 (2007).| article

  3. Schultz, W. Neuron36, 241-263 (2002).| article
  4. Christoph, G. R., Leonzio, R. J. & Wilcox, K. S. J. Neurosci. 6, 613-619 (1986). | article
  5. Ji, H. & Shepard, P. D. J. Neurosci. 27, 6923-6930 (2007).| article
  6. Matsumoto, M. & Hikosaka, O. Nature447, 1111-1115 (2007).| article
  7. Sartorius, A. et al. Biol. Psychiatry 67, e9-e11 (2010).| article
  8. Yang, Y. et al. Nature554, 317-322 (2018).| article
  9. Cui, Y. et al. Nature554, 323-327 (2018).| article
  10. Grace, A. A., Floresco, S. B., Goto, Y. & Lodge, D. J. Trends Neurosci. 30, 220–227 (2007). | article
  11. Berman, R. M. et al. Biol. Psychiatry47, 351-354 (2000).| article
  12. Halassa, M. M. & Haydon, P. G. Annu. Rev. Physiol. 72, 335-355 (2010).| article
  13. Lammel, S., Ion, D. I., Roeper, J. & Melenka, R. C. Neuron70, 855-862 (2011).| article
  14. Molofsky, A. V. et al. Genes Dev. 26, 891-907 (2012).| article
  15. Ransom, B., Behar, T. & Nedergaard, M. Trends Neurosci. 26, 520–522 (2003). | article
  16. Autry, A. E. et al. Nature475, 91-95 (2011).| article
  17. Zanos, P. et al. Nature533, 481-486.| article
  18. Li, N. et al. Science 329, 959-964 (2010).| article

ويليام إم. هاو، بول جيه. كيني يعملان في قسم علم الأعصاب بكلية آيكان للطب في ماونت سايناي، نيويورك، ولاية نيويورك 10029، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: paul.kenny@mssm.edu