افتتاحيات

بناء نموذج مستدام من مبادرة الحزام والطريق 

مبادرة الحزام والطريق الصينية الضخمة في طريقها لإعادة تشكيل ملامح البحث العلمي في بلدان الجنوب. وعلى كل قيادات العلم في كل مكان أن تعكف على إضفاء الشفافية لهذه المبادرة، وجعلها صديقة للبيئة، وخالية من تضارب المصالح.

 
  • Published online:
إنّ «عرش الأصول»، أو ما يعرف بـ«تختي باهي» Takht-i-Bahi، هو مُجمع أديرة بوذية، عمره 2000 عام، ويُوجَد في مكان غير متوقع، ألا وهو قمة تل في شمال باكستان ذات الأغلبية الإسلامية، لكن تعود أصوله إلى العصر الذي ساعدت فيه هذه المنطقة في نشر ديانة البوذية في الصين. وقبل قرون، كانت هذه المنطقة تطل على أحد «طرق الحرير التجارية»، التي تربط الصين بدول غربية بعيدة، وصولًا إلى أوروبا. وكانت هذه الطرق بالنسبة إلى العالَم القديم بمثابة شبكة الإنترنت في عصرنا الحالي، إذ كانت تربط بين شعوب من مناطق بعيدة عن بعضها بعضًا، وتنقل الفنون، والثقافات، والأديان، والعلوم، بالإضافة إلى السلع.

أما اليوم، فصارت هذه الحركة تتدفق في الأغلب في اتجاه واحد. على عمق مائة متر أسفل الدير، يوجد طريق سريع، أُنشئ حديثًا، لحد أن عدد الحيوانات عليه لا يزال يفوق عدد السيارات على أسفلته الحديث. ويُعَدّ هذا الطريق السريع جزءًا صغيرًا من شبكة ضخمة من الطرق، وخطوط السكة الحديد، والمطارات، والموانئ البحرية الجاهزة لنقل البضائع إلى 126 دولة وقّعَت معها الصين اتفاقيات تعاوُن، ضمن إطار ما يسمى بـ«مبادرة الحزام والطريق» (التي يُشار إليها اختصارًا بـ BRI).

وتُعد مبادرة الحزام والطريق المشروع الأكبر لتأسيس بنية تحتية عالمية النطاق منذ مشروع مارشال» Marshall، الذي قام من أجل إعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. وتشير التقديرات المتحفظة إلى أن تكلفة المبادرة الإجمالية سوف تصل إلى تريليون دولار أمريكي تقريبًا.

وتمثل التجارة أهم ما تركز عليه مبادرة الحزام والطريق، لكن زعماء الصين يقولون إن العلوم تمثل جانبًا مهمًا أيضًا بها. ومن هنا، انطلق فريق من مراسلي دورية Nature لبحث كيف تحدد المبادرة ملامح حياة الباحثين، وعملهم في أربع قارات تستهدفها مبادرة الحزام والطريق. وعلى مدار الأشهر الستة الماضية، أجرى المراسلون مقابلات مع أكثر من 100 شخص من الباحثين، وطلاب الدراسات العليا، وصناع القرار السياسي، ومنظمات الرقابة الحكومية؛ لرصد الفرص، والمشكلات المحتمل أن تواجهها أنشطة الصين. وقد تم نشر تقاريرهم في سلسلة من خمسة مقالات خلال الأسبوعين الثاني والثالث من شهر مايو من العام الحالي (2019).

إنّ تأثير الصين في مجال العلوم واسع النطاق، بدايةً من دورها فيما يتصل بمشروعات البنية التحتية، مرورًا بالبرامج البحثية، وصولًا إلى الأفراد. ففي غضون ست سنوات، قدمت الأكاديمية الصينية للعلوم  (CAS) – التي ربما تُعتبر أكبر مساهم في مجال العلوم في مبادرة الحزام والطريق - ما يقرب من 268 مليون دولار أمريكي لمشروعات تشمل إنشاء خمس منشآت بحثية في بكين، وتسعة مراكز بحثية في بلدان أخرى. كما يُضخ الكثير من استثمارات الصين لتمويل مِنَح الماجستير والدكتوراة. ففي باكستان وحدها، يتم تمويل حوالي 7 آلاف طالب كل عام، وهو عدد مِن المقرر أن يرتفع إلى 20 ألف طالب، بدءًا من العام المقبل.

وجهات نظر متضاربة                                     

إن النظرة الإيجابية التي يتبناها العديد من العلماء تجاه الصين، والتي تخلقها هذه الاستثمارات تتناقض تمامًا مع الشكوك التي تسود طريقة تَعامُل حكومات الدول الغربية، والهند، واليابان مع مبادرة الحزام والطريق. ويبشر الدعم الذي تقدمه الصين بإحداث تغيير على مستوى الأجيال أيضًا. فعلى وجه الخصوص، في دول جنوب آسيا المتعاوِنة مع المبادرة، في الوقت الذي أخذ فيه العديد من رواد العِلْم كبار السن من المتحدثين بالإنجليزية، والحاصلين على الدكتوراة من أوروبا والولايات المتحدة في التقاعد، يكون قد تم تدريب العديد من خلفائهم في الصين، ليكون هذا هو المكان الذي سيتطلع إليه الجيل الجديد من العلماء مستقبلًا؛ في سعيهم لصنع شبكات العلاقات، والتعاوُن، وطلب الدعم.

غير أن الصين لا تنفق أموالها بدون مقابل؛ ففي كثير من الحالات تتضمن مشروعات البِنْية التحتية قروضًا ضخمة مقدَّمة من البنوك الصينية، تكافح دولٌ منخفضة الدخل لسدادها. وقد أدّى ذلك إلى استحواذ الشركات الصينية على أصول وطنية محورية؛ مثل موانئ مدينة بيرايوس  في اليونان، ومدينة هامبانتوتا في سريلانكا.

وترتبط كل المساعدات في مجال العلوم - في نهاية المطاف - بتحذيرات صحية. وجدير بالذكر أن إنفاق الصين السخي ليس استثناء من هذه القاعدة. وقد سلطت تقاريرنا الضوء على ثلاثة مخاوف، تحتاج الصين والدول الشريكة لها إلى أخْذها في الحسبان.

أول هذه المخاوف هو التدخل الشديد للمؤسسات التجارية في المشروعات العلمية داخل إطار مبادرة الحزام والطريق. ففي كثير من الأحيان، يُستلزم توفير المباني – وأحيانا المعدات - من قِبَل شركات من الصين. ويَعتبِر قادة الصين هذا «ربحًا لجميع الأطراف»، وهو إدراك جليّ لفكرة أن مساعدات الصين تأتي مع قيود، إلا أن هذا يمثل مشكلة، لأن اشتراط إسناد العمل إلى شركات بعينها، وباستخدام تقنيات معينة يمكن أن يؤثر في البحوث، أو ينتقص من مصداقيتها.

تقييم المخاطر

ثاني هذه المخاوف يتعلق بطريقة عمل مشروعات مبادرة الحزام والطريق في العديد من البلدان - مثل مشروعات تشييد الطرق، والسدود الجديدة - والتي تُنَفَّذ دون تقييم دقيق للمخاطر البيئية، أو الأثر الواقع على السكان المحليين. فعلى سبيل المثال، تكاد تكون الأبحاث في مجال الآثار الصحية والبيئية لمبادرة الحزام والطريق في جامعات باكستان منعدمة، لأن الحكومة والجيش لا يريدان إحراج الصين، إذا كانت استنتاجات الأبحاث تؤدي إلى نتيجة أخرى بخلاف التصديق على مشروعات المبادرة.

ولحسن الحظ، بدأت قيادة الصين تقر بالمخاطر البيئية للمبادرة. ففي الأسبوع الأخير من شهر إبريل من العام الحالي (2019)، استضافت الحكومة الصينية أول منتدى يتعلق بصداقة البيئة على الإطلاق؛ لبحث كيفية التخفيف من الآثار البيئية للمشروع، غير أن هذه الجهود يمكن أن تتحول بسرعة إلى «تمويه مضلل يوهم بصداقة البيئة»، ما لم تكن هناك متابعة نشطة من الرئيس شي جينبينج، أو غيره من القادة الصينيين.

ثالث هذه المخاوف يتعلق بافتقار مبادرة الحزام والطريق إلى الشفافية، وبتضارب المعلومات عنها. وعلى الجانب الإيجابي، ساعدت أكاديمية الصين للعلوم دوريةَ Nature في زيارة مواقع الأبحاث المشتركة في سريلانكا، وفي عقد اجتماعات مع فريق العمل في الصين، لكنْ عندما طلب مراسلونا إجراء مقابلات مع قيادة الأكاديمية، لم نتلق أي رد. وحتى الآن، لم تنشر الحكومة الصينية قائمة نهائية بمشروعات المبادرة، وتَنْدُر العقود المتاح للجمهور الاطلاع عليها، ولا توجد تقديرات متفَق عليها لحجم التمويلات في المبادرة.

 

وتُعَد المساءلة العامة ضرورية من جميع الجوانب كلما زاد انخراط الصين في شؤون الدول الأخرى. فبمقدور مبادرة الحزام والطريق أن تشكل ملامح البحث العلمي في بلدان الجنوب، وأنْ تسرع عملية توليد المعارف بطرق يمكن أن تفيد العديد من البلدان، لكن يجب أن يتسق النهج العام للمبادرة مع أفضل القيم الصينية، والعالمية.

وفي النهاية، فإن تحقيق المزيد من الشفافية، وإشراك الجمهور بدرجة أكبر في المبادرة، والحدّ من حالات تضارب المصالح، مع التوصل إلى فهم متبادَل للتحديات العلمية والبيئية على طول مسار المبادرة، سوف يضمن تدفق حركة الأفكار باتجاهين، مثلما كان الحال على طول طرق الحرير الأصلية.