مستقبليات

جاليفر في المنزل 

قصة رحَّال

أناتولي بِليلوفِسكي
  • Published online:

Illustration by Jacey

إننا نعتقد أن المخلوقات الفضائية تراقِبنا طيلة الوقت. فبهذا نشعر بمزيد من الأمان. إنها لا تتهاون مع الأشخاص الذين يضايقون أبي، أو يضايقونني.

وهي لا ترضى بالقسوة.

اتسعت عينا أبي على آخرهما، لكنْ من دون أن يختلج ذقنه، أو أن تتجمع دموع في عينيه.

سألني: "أين أنت يا نانا؟"

أجبت: "أنا هنا، أعدّ لك وجبة الغداء".

سألني: "هل هي جاهزة؟"

قلت: "تقريبًا".

يمشي أبي إلى الحمام مترنحًا، ويضيء النور. أسمع صوت المياه الجارية تتناثر بينما يغسل يديه. إنه لا ينسى أبدًا غسيل يديه، فقد أحسنت جدتي تربيته. كان يقول دائمًا إنني أشبهها، وأتحرك مثلها، حتى إنّ رائحتي تشبه رائحتها، منذ أن كنتُ فتاة صغيرة، ومنذ أن كان يؤرجحني على ركبتيه بينما أداعب شعر وجهه في الأوقات التي كان يقضى فيها أجازته في المنزل. والآن أطهو مثل جدتي أيضًا، وأعد منزليًا شعرية بالبيض من لفائف عجين رقيقة شفافة، وأضع الكثير من ورق الغار في حساء الدجاج. وبمجرد أن أتقنتُ إعداد هذه الوجبة، لم يعد يظهر عليه التجهم والحيرة مع أول ملعقة يتذوقها من الحساء.

إنها مسألة تعلم بالتجربة والخطأ.

بعد الغداء، يقصد أبي المكتبة كالمعتاد. كان هذا الجزء اليسير من نشاطه هذا، حيث جمع الكتب التي قرأها عندما كان لا يزال محتفظًا بعقله، مضاهيًا النُّسَخ بذكريات طفولته، ووضع بنفسه كل كتابٍ على رف من المكتبة. والآن، يسحب كتاب «رحلات جاليفر»، ويشرع في قراءته، وتتحرك شفتاه بينما ينطق كل كلمة.

طريقة غريبة تلك التي صار يتذكر بها الأشياء أو يغفلها منذ أن أعاده الفضائيون.

غادر أبي إلى كوكب زحل، عندما كنتُ في الصف السادس. كان قد ذهب إلى القمر لعدد لا حصر له من المرات، وإلى المريخ مرات قليلة. وقد فوّت الرحلة إلى المشترى، لكنه نجح في الانضمام إلى الفريق البديل لرحلة زحل. وكان بديلًا لعضوة أساسية بالفريق كُسرت ساقها في أثناء التزلج.

سنح لأبي أن يذهب مع ستة رواد فضاء آخرين. وفقدت سفينته الاتصال بالأرض قبل عملية الاندفاع بجاذبية المشترى. بعدها بيومين، ظهرت السفينة في المدار الأرضي المنخفض، وكان أبي الوحيد على متنها.

بل مُعْظَم أبي... توخيًا للدقة.

أعاد الفضائيون بناء المنزل الذي قضى فيه أبي طفولته؛ في لحظة لم يكن هناك أي شيء، وفي اللحظة التالية كان موجودًا. ما زلتُ غير قادرة على تحديد أيّ الأمرين كان أكثر إثارة للإعجاب، السرعة، أم درجة التطابق مع ذكريات أبي. كان المنزل مربع الشكل، له باحة مركزية، ويتألف من ثلاثة طوابق؛ وكانت لشقق الطابق الأرضي مداخل من الباحة، أما جميع الشقق الأخرى، فكانت مداخلها من شرفات طوقت جدرانها الداخلية. يذهب أبي في بعض الأحيان إلى هناك، وينظر إلى رقُعة من السماء، ويتجول في شرفة الطابق الثاني، دون أن يطرق أبدًا أيًّا من الأبواب، أو يدلف إلى بئر السلّم.

بنى أبي خيمةً هناك عدة مرات في الأيام الدافئة، باستخدام ملاءات، وحبل غسيل، وبسط وسائد بالداخل، واستلقى هناك يلهو بألعابه. لديَّ صورة قديمة له بالأبيض والأسود في تلك الشرفة. إنّ إعادة البناء التي قام بها الفضائيون متقنة للغاية، ويمكنني ملاحظة تطابق الصورة بدقة مع ما بنوه، وصولًا إلى التشققات في الجص بالبناء.

هل حصل الفضائيون على كل ما احتوته ذاكرة أبي؟ وعلى كل شيء وقعت عليه عيناه؟ وعلى كل كلمة تبادلها مع أمي؟ كل رائحة، وكل مذاق، وكل ألم، وكل فرح؟

 

لم يكن من الصعب أن أحب أبي. في صغري، لم أكن أراه إلا نادرًا. وأعتقد أن أمي أحبته بدورها، ربما للسبب نفسه. بَكَتْ أول مرة نَظَرَتْ فيها في عينيه، ووَجَدَتْ شخصًا غريبًا يبادلها النظر. أمسك أبي بيدها، وهمس: "لماذا تبكين يا سيدتي؟". سحبَتْ أمي يدها، وركضت إلى خارج الحجرة وهي تنتحب. وبعد قليل، حاولت العودة، لكن الفضائيين أوقفوها. كان هذا مذهلًا للغاية أيضًا؛ ففي لحظة كانت تتحرك، وفي اللحظة التالية توقفَتْ عن الحركة.

أتمنى لو كنا نعرف كيف يبدو شكل الفضائيين.

يعتقد البعض أن أبي أنقذَ العالَم، وأن الفضائيين انتزعوا عقله، ووجدوه رائعًا ولطيفًا، ثم أعادوا بناءه قدر استطاعتهم. يُعتقد أن الفضائيين تركونا في الغالب لحالنا، بسبب ما وجدوه في ذكرياته، وبالنظر إلى ما فعلوه بأبي، وأيًّا ما فعلوه برواد الفضاء الستة الآخرين، الذين لا نعرف ما الذي حدث لهم حتى الآن... إن كانت عقول «فضائية» قاسية أو عديمة الرحمة إلى هذه الدرجة قد شعرت بالألفة تجاه والدي، فما الذي يقوله هذا عنه؟

أتساءل ماذا جرى لرواد الفضاء الآخرين، وأيّ خطأ ارتكبوه، حُكم عليهم بسببه بالإدانة؟

كتاب «رحلات جاليفر» يقرأه أبي كل يوم، لكنه لا يتجاوز أبدًا قصة الأقزام. كان يقرأ لي أجزاء من الكتاب بصوت مرتفع عندما كنت صغيرة، وبعد ذلك، حلمت بأنني عملاقة بين أقزام.

ألا يحلم الجميع بذلك؟

هل الجميع يقسون على الأقزام في أحلامهم؟

أم أن الجميع كذلك، ما عدا أبي؟  

أناتولي بِليلوفِسكي: ولد في بلد يُعرف الآن بأوكرانيا، وتعلَّم الإنجليزية من إعادة عرض حلقات «ستار تريك»، وشق طريقه في كلية أمريكية بتدريس اللغة الروسية في أثناء تخصصه في الكيمياء، وعمل على مدى الثلاثين عامًا الماضية كطبيب أطفال في نيويورك في مهنة تمثل فيها الإنجليزية رابع أكثر اللغات المنطوقة شيوعًا.