رؤية كونية

كيف يمكن بلورة الأبحاث لتعزيز الصحة العالمية

تشرح سوميا سواميناثان كيف يمكن لقسم العلوم الجديد بمنظمة الصحة العالمية تعزيز تغطية صحية شاملة في جميع البلدان.

  • Published online:

CHRIS BLACK/WHO

على مدار سبعة عقود، كُلفت منظمة الصحة العالمية (WHO) بوضع قواعد ومعايير الصحة العالمية. وخلال العام الماضي، أخضعت المنظمة عملياتها للتقييم النقدي في ضوء التقدم التكنولوجي والمجتمعي، وأجرت عملية إعادة هيكلة؛ بغرض التركيز على بناء قدرات النظم الصحية. وفي مارس، أُنشئ قسم العلوم في منظمة الصحة العالمية، الذي أتولى رئاسته. يجمع القسم الفرق البحثية القائمة التي تُعنى بالصحة الإنجابية، والأمراض المُعدية، وأنظمة الرعاية الصحية. يضطلع القسم أيضًا بتعزيز قدرة منظمة الصحة العالمية على دعم وترسيخ المبادئ التوجيهية بشأن الصحة العامة، والرعاية الوقائية، والطب الإكلينيكي، وأخلاقيات البحث، بالإضافة إلى ضمان إسهام التقنيات الناشئة في تحسين السلامة والرفاهة.

في أدواري السابقة في منظمة الصحة العالمية، ووزارة الصحة الهندية، كنت كثيرًا ما أُدهَش بالتوقعات العالية التي تضعها الحكومات على المشورة التي تقدمها منظمة الصحة العالمية. إذ حجم بلدان كثيرة – ولا سيما تلك ذوات الدخل المنخفض - عن تطبيق سياساتٍ، دون توجيه من منظمة الصحة العالمية. وتعتمد مليارات الأشخاص على القوائم الرسمية للأدوية والتشخيصات الأساسية: التوصيات عالية التدقيق، والقائمة على الأدلة، لتتبع الأمراض؛ وتحديد أولويات الخدمات الصحية التي ينبغي تقديمها.

ينطبق الأمر نفسه على البيانات؛ فعلى الرغم من أن كثيرًا من المسؤولين الحكوميين قد لا تروق لهم الإحصاءات الصحية التي تُظهِر، على سبيل المثال، معدلات تطعيم منخفضة، أو تدني مستوى رعاية ما قبل الولادة، فإن معلومات كهذه يمكن أن تحفزهم على اتخاذ إجراءات. تلتزم منظمة الصحة العالمية بجعل الوصول إلى البيانات الصحيّة وشفافيتها منفعة عامة. وسيؤدي ذلك إلى تحسين فهم الاحتياجات الصحيّة، وعبء الأمراض، لكن الدول ستحجم عن مشاركة بياناتها، ما لم تعاين فوائد ملموسة تعود على الصحة العامة، وتشعر بأن المجموعات التي توفر بياناتٍ تُعامَل بعدل. وبالرغم من أننا نتوقع مواجهة صعوبات، فإننا نخطط لتغيير طرق جمع البيانات، وأرشفتها، وإدارتها، وتحليلها، ومشاركتها.

سوف يساعد قسم العلوم أيضًا على تحفيز الابتكار، الذي كثيرًا ما يغفله القطاع الصناعي، والأوساط الأكاديمية. فبعد تفشي جائحة الإيبولا في عام 2014، وضعت منظمة الصحة العالمية قائمة بالمُمْرِضات ذات الأولوية القصوى، إلى جانب مواصفات المنتجات المستهدفة من أجل عمليات التدخل (على سبيل المثال، أن لقاح حمى «لاسا» ينبغي أن يوفر الحماية لمدة خمس سنوات، بعد تلقِّي جرعة واحدة). شجع وضوح المبادئ التوجيهية الباحثينَ على خوض هذه التحديات، بما في ذلك إنشاء «تحالف ابتكارات الاستعداد للأوبئة» CEPI، وهو تحالف للتأهب لمواجهة الأوبئة، يحرز تقدمًا في لقاحات حمى لاسا، وفيروس نيباه Nipah))، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس) (MERS).

وقبل بضعة أسابيع، دعت منظمة الصحة أصحابَ المصلحة لوضع طرق استراتيجية لتطوير لقاح محتمل مضاد للسل، قد يتطلب - على الأرجح - اتباع نُهُج تطوير مبتكرة، مثل دعم شراكات بين القطاعين العام والخاص. فقد كان تصميم «التطعيم الحلقي» المستخدَم في التجارب الإكلينيكية للقاح المضاد لفيروس الإيبولا rVSV-ZEBOV  في غرب أفريقيا، وليد التعاون بين متخصصي المنهج التجريبي، وعلماء الفيروسات، وعلماء الإحصاء، وخبراء الصحة العامة. وجاء هذا اللقاح بنتيجة لم يكن يتوقع أحد أنها ممكنة؛ حيث كان اللقاح فعالًا بشكل ملحوظ في خضمِ جائحة مروعة.

تأمل منظمة الصحة العالمية أيضًا في دعوة خبراء عالميين؛ لمساعدة قادة البحوث وصناع السياسات على سد فجوات معرفية في قضايا تخص بلدانهم، سيكون لها تأثير عملي واسع. على سبيل المثال، من شأن التدخلات الفعالة - من ناحية التكلفة - لمكافحة الأمراض غير المعدية أن تعزز الصحة، وتتصدى للأسباب الرئيسة للوفاة. فأيّ سياسات تلك التي تزيد من استهلاك الأشخاص الذين يعيشون في فقر للفواكه والخضراوات؟ وهل يمكن للتمريض، حيث يندر الأطباء، مساعدة مرضى السكري على تنظيم الاعتناء بحالتهم، باستخدام أنظمة دعم القرار على الهواتف المحمولة؟ إن الهدف من ذلك هو أن يتولى علماء نصف الكرة الجنوبي دورًا قياديًّا حقًا، بحيث تتناول هذه القضايا والأفكار احتياجات تلك البلدان، وتحقق نتائج ملموسة.

نتوقع أن يعمَّم هذا البحث؛ للمساعدة على تعزيز النظم الصحية. فعلى سبيل المثال، ما هي الطريقة المُثلى التي يمكن بها لأدوات الصحة الرقمية أن تعين العاملين الذين يواجهون المشكلات الأساسية على توفير خدمات ذات جودة؟ هل يمكن للتصوير البياني القائم على التزود بالبيانات الآنية في مدن العواصم التعرف على جائحة التهاب الكبد في إحدى المقاطعات، أو على نقص ناموسيات الملاريا في مقاطعة أخرى؟ كيف يمكن للبلدان تعلُّم استخدام بياناتها لتحسين النظم الصحية؟

تتمثل مهمة أخرى في التأكد من أن التقدم التكنولوجي يتناسب مع الاحتياجات الأكثر إلحاحًا. فعلى سبيل المثال، التأكد من أن الهواتف المحمولة تسمح بتدفق المعلومات بسرعة إلى الأماكن البعيدة، وبالتالي تمكِّن من توفير خدمات صحية بعينها، دون زيارات شخصية. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يفعل المثل، ولكنه سيتطلب إطارًا تنظيميًّا. ولا يجب أن تُطرح الأدوية ولا خدمات التشخيص، حتى يجري تقييم مخاطرها، وفوائدها النسبية. ويُفترض أن تكون لبرمجيات الرعاية الصحية اشتراطات مماثلة.

تتمتع منظمة الصحة العالمية بميزتين فريدتين، للمساعدة على تحديد الأُطر التي ينبغي تطبيقها على التكنولوجيا الناشئة: ألا وهما مصداقيتها العالية، وسلطتها التنظيمية. وتوفر التقنيات الحديثة إمكانيات لا حصر لها، بداية من استخدام تعلُّم الآلة؛ للتنبؤ بالمرض، حتى التحفيز الجيني في البعوض؛ للقضاء على الملاريا. تستدعي التكنولوجيا كذلك نقاشًا مجتمعيًّا واسعًا للأخلاقيات، والإنصاف، والعدالة، والمخاطر، والفوائد، والحدود المناسبة، خاصة عندما يمكن للتكنولوجيا أن تُلْحِق الضرر بالفئات الأكثر ضعفاً. هذا وقد ناشد العديد من الخبراء منظمةَ الصحة العالمية، لإنشاء مرصد، أو سِجل؛ لتسجيل الدراسات الإكلينيكية الجارية، التي تتضمن تحريرًا جينيًّا علاجيًّا للخلايا أو الأجنة البشرية، ولجمع المدخلات من العامة، ومن خبراء متنوعين؛ لاقتراح إطار تنظيمي عالمي.

سيمثل تحقيق هذه الأهداف تحديًّا لقسم العلوم، فمنظمة الصحة العالمية تملك ميزانية صغيرة على نحو مثير للدهشة، مقارنة بدورها الضخم، كما أن أمامها عملًا شاقًّا لتحقيق توافق آراء وتعاون من الممولين والبلدان الأعضاء. ومع ذلك، يتفق الجميع على الضرورة الملحة لهذه المهام، والحاجة إلى التكاتف وتحقيقها. ولا شك أن تعزيز تنسيق الأنشطة العلمية داخل منظمة الصحة العالمية سيساعد على تحقيق ذلك.

سوميا سواميناثان كبيرة العلماء في منظمة الصحة العالمية بجنيف في سويسرا.

البريد الإلكتروني: swaminathans@who.int