أخبار

إبقاء أدمغة الخنازير حية لعدة ساعات خارج الجسم

نظام مستحدَث يعيد الحياة إلى أدمغة الخنازير بعد موتها يثير الكثير من التساؤلات الأخلاقية، والقانونية.

سارة ريردون

  • Published online:
الخنازير التي استُخدمت أدمغتها في الدراسة كانت قد ذُبحت في مسلخ من أجل لحومها.

الخنازير التي استُخدمت أدمغتها في الدراسة كانت قد ذُبحت في مسلخ من أجل لحومها. 

SCOTT OLSON/GETTY IMAGES

في تحدٍّ للفكرة القائلة إن موت الدماغ لا رجعة فيه، تمكَّن باحثون من إحياء أدمغة خنازير خارج أجسامها، بعد أربع ساعات من ذبح الحيوانات. وعلى الرغم من أن التجارب لم تصل إلى حدّ استعادة الوعي، فهي تثير تساؤلات حول الجوانب الأخلاقية لهذا النهج، وتساؤلات أكثر أهمية حول طبيعة الموت نفسه، إذ تسترشد بروتوكولات الإنعاش وزراعة الأعضاء بالتعريفات القانونية والطبية الحالية للموت.

وتظهر تفاصيل البحث في ورقة بحثية1 نُشرت مؤخرًا في دورية Nature، حيث عمد العلماء في جامعة ييل بمدينة نيوهافن في ولاية كونيتيكت إلى توصيل الأعضاء بنظام يضخّ سائلًا بديلًا للدم. ومكَّنَت هذه التقنية الباحثين من استعادة بعض الوظائف الأساسية؛ مثل قدرة الخلايا على إنتاج الطاقة، والتخلّص من الفضلات، وساعدت في الحفاظ على البِنَى الداخلية للأدمغة.

ويقول كريستوف كوخ، رئيس معهد «ألين» لعلوم الدماغ في سياتل، بواشنطن، وكبير علمائه: "على امتداد معظم التاريخ الإنساني، كان الموت عملية بسيطة جدًّا. ويضيف: "أما الآن، فعلينا أن نتشكك في ما لا يُحتمل الرجعة فيه". 

في معظم البلدان، يُعتبر الشخص متوفيًا - من المنظور القانوني - عندما يتوقف نشاط الدماغ، أو عندما يتوقف القلب والرئتان عن العمل. فالدماغ يحتاج إلى كمية هائلة من الدم، والأكسجين، والطاقة. ويُعتقد أن الحرمان -  ولو لبضع دقائق - من منظومة الدعم الحيوية هذه يُسبب أضرارًا لا يمكن إصلاحها.

منذ مطلع القرن العشرين، أجرى العلماء تجارب تُبْقِي أدمغة الحيوانات حيّة منذ لحظة توقُّف القلب، عن طريق تبريد الأدمغة، وضخّ الدم - أو سائل بديل عنه - فيها، لكنْ تظل كفاءة هذه الأعضاء في أداء وظائفها بعد ذلك مبهمة2. وقد أظهرت دراسات أخرى أن الخلايا المأخوذة من الأدمغة بعد فترة طويلة من الموت يمكنها أداء أنشطة طبيعية؛ كتصنيع البروتينات3 مثلًا. وقد دفع هذا نيناد سيستان - عالِم الأعصاب من جامعة ييل - إلى التساؤل: هل يمكن إحياء دماغ بأكمله بعد ساعات من الوفاة؟

قرر سيستان اكتشاف الإجابة على ذلك باستخدام رؤوس مفصولة عن أجسادها لـ32 خنزيرًا، ذُبحت من أجل لحومها في مسلخ بالقرب من مختبره. وأخرج فريقه كل دماغ من جمجمته، قبل أن يوصلوه بقسطرة. وبعد أربع ساعات من الوفاة، بدأ العلماء في ضخ محلول ذي تأثير حافظ للخلايا داخل أوردة الدماغ، وشرايينه.

يحاكي هذا النظام، الذي أطلق عليه الفريق البحثي اسم «برين إي إكس» BrainEx، عملية تدفق الدم، عن طريق إمداد خلايا الدماغ بالمواد الغذائية، والأكسجين.  وقد احتوى المحلول الحافظ للخلايا أيضًا على مواد كيميائية تمنع الخلايا العصبية من إطلاق الإشارات العصبية؛ لحمايتها من التلف، ولمنع استئناف الدماغ لنشاطه الكهربائي. وعلى الرغم من ذلك، راقب العلماء نشاط الأدمغة طوال التجربة، وكانوا على استعداد لحقن أدوية تخدير، إذا رصدوا أي علامات تشير إلى أن الأدمغة ربما تستعيد وعيها. 

واختبر الباحثون مدى كفاءة عمل الأدمغة خلال فترة استمرت ست ساعات. ووجدوا أن الخلايا العصبية، وغيرها من خلايا الدماغ قد استأنفت أداء الوظائف الأيضية الطبيعية، وبدا أن أجهزة المناعة الدماغية تؤدي وظائفها.  وحُفظت بِنَى الخلايا المفردة وأقسام الدماغ من التلف، بينما انكمشت خلايا الأدمغة في التجربة المضبطة التي لم تُحقن بالمحلول الحافظ للخلايا، وانهارت بِنْيتها. وعندما مرَّر العلماء تيارًا كهربائيًّا في عينات الأنسجة الدماغية المعالجة، وجدوا أن بعض الخلايا العصبية المفردة ما زالت قادرة على حمل الإشارات العصبية الكهربائية.

لكن لم يرصد الباحثون قط عبر كامل الدماغ أنماطًا كهربائية متناغمة، من شأنها أن تشير إلى نشاط معقّد. وقد صرحوا بأن استئناف معالجة الأنشطة المعقدة قد يتطلب صدمة كهربائية، أو حفظ الدماغ في محلول لفترة ممتدة؛ للسماح للخلايا بالتعافي من أي ضرر لحق بها في أثناء حرمانها من الأكسجين.

ولا يمتلك سيستان، الذي استخدم هذا النظام لإبقاء أدمغة الخنازير حية لمدة تصل إلى 36 ساعة، أي خطط مباشرة لمحاولة استعادة النشاط الكهربائي للدماغ، فهدفه هو معرفة المدة التي سيتمكن فريقه فيها من الحفاظ على الوظائف الأيضية والفسيولوجية في دماغ معزول خارج جسمه.

ويقول سيستان في هذا الصدد: "يُحتمل أننا نحاول فقط الوقاية مما هو حتمي، وأن الدماغ لن يتمكن من التعافي". ويضيف: "لقد قطعنا شوطًا ناجحًا في تلك التجربة، لكن هل سنتمكن حقًّا من إحياء الدماغ بالكامل مرة أخرى؟" ويعلق سيستان على ذلك قائلًا إن نظام «برين إي إكس» ما يزال بعيدًا كل البعد عن أن يكون جاهزًا للاستخدام على البشر، وبالأخص بسبب صعوبة استخدامه، دون فصل الدماغ عن الجمجمة. 

ومع ذلك، فإن تطوير تكنولوجيا لديها القدرة على دعم أعضاء الوعي خارج الجسم الحي له دلالات عديدة من الناحية الأخلاقية فيما يخص الحيوانات والإنسان. ويقول ستيفن لاثام، أخصائي أخلاقيات علم الأحياء من جامعة ييل، والذي تعاون مع فريق سيستان: "لا توجد آلية إشراف فعلية قائمة للتعامُل مع المخاوف بشأن العواقب الأخلاقية المحتمَلة لخلق الوعي في عضو لا يُعتبر حيوانًا حيًّا". وهو يقول إن الإقدام على إعادة الوعي للدماغ قد يكون له ما يبرره في بعض الحالات. مثلًا، إذا مكّن ذلك العلماء من اختبار الأدوية المخصصة لعلاج أمراض الدماغ التنكسية على الأعضاء، بدلًا من البشر.

تثير الدراسة الأخيرة تساؤلات حول ما إذا كان تلف الدماغ وموته أمرين دائمين، أم لا. ويقول لانس بيكر - أخصائي طب الطوارئ في معهد فاينشتاين للأبحاث الطبية في مانهاست بولاية نيويورك - إن العديد من الأطباء يفترضون أن مرور حتى دقائق قليلة من دون أكسجين يمكنه أن يسبب ضررًا قاتلًا، لكنْ تشير التجارب على الخنازير إلى احتمالية بقاء الدماغ حيًا لفترة أطول بكثير مما كان يُعتقد سابقًا، حتى من دون دعم خارجي. ويضيف بيكير: "قد نكون قد استهننا بشكل كبير بقدرة الدماغ على التعافي". 

وقد تكون لتلك التجربة عواقب على عملية التبرع بالأعضاء. ففي أجزاء من أوروبا، يعمل مسعفو الطوارئ الذين لا يستطيعون إنعاش شخص ما في بعض الأحيان على الاحتفاظ بالأعضاء، لكي تُستخدم في زراعة الأعضاء، وذلك عن طريق ضخ الدم المؤكسج في  الجسم، لكنْ ليس الدماغ.  ويقول ستيوارت يونجر  - أخصائي أخلاقيات علم الأحياء من جامعة كايس ويسترن ريزيرف في كليفلاند بولاية أوهايو - إنه إذا أصبحت تقنية مثل نظام  «برين إي إكس»  متاحة على نطاق واسع، فإن القدرة على زيادة فرص نجاح الإنعاش قد تقلِّص مجموع الأفراد الصالحين للتبرع بالأعضاء. ويضيف قائلًا: "ثمة تعارُض محتمَل في هذه الحالة بين مصالح كل من المتبرعين المحتملين بالأعضاء - الذين قد لا يكونون حتى متبرعين - والأشخاص الذين ينتظرون نقل الأعضاء".

وفيالوقت الحالي،يواجهالعلماءوالحكوماتمهمة سبر أغوارالمشكلاتذاتالصلةبإمكانيةالحصول علىدماغواعٍمنفصل عنالجسم. ويقولكوخ: "إنها فكرة لم يتم التطرق إليها سابقًا قط". ويضيف: "منالمحتملأنيُستلزم تطوير القانون؛لمواكبةهذا التطور". ويريد كوخعقدنقاشأخلاقيّأكبر،قبلأنيحاولأيشخصإعادةالوعيإلى دماغمعزول. ويقول: "إنهالخطوةكبيرة،بل هائلة، وبمجردأنتتحقق،فعندئذ لن يكون هناكمجال للتراجع". 

References

  1. Vrselja, Z. et al. Nature 568, 336–343 (2019). | article
  2. White, R. J., Albin, M. S. & Verdura, J. Science 141, 1060–1061 (1963).

     | article
  3. Verwer, R. W. et al. FASEB J. 16, 54–60 (2002). | article