أنباء وآراء

فيزياء الجزيئات: رصْد انحلال نووي نادر

رَصَدَ كاشِفٌ كان قد صُمِّم لسبر المادة المظلمة (وهي الكتلة "المفقودة" في الكون) انحلالًا نوويًّا مُحيرًا، يسمَّى الالتقاط مزدوج الإلكترون ثنائي النيوترينوات. وهو اكتشاف له دلالات في مجال الفيزياء النووية، وفيزياء الجسيمات.

يوني سوهونين
  • Published online:

على مدار نصف قرن من الزمن، كانت رؤيتنا للعالَم قائمة على النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات، لكن هذه الرؤية طعنت في صحتها نظريات1 أمكنها التغلب على بعض جوانب القصور في النموذج القياسي. وتسمح هذه النظريات باعتبار النيوترينوات كجسيمات معروفة باسم جسيمات «ماجورانا» Majorana (أي تلك الجسيمات التي لا يمكن التفرقة بينها وبين الجسيمات المضادة لها)، وتتنبأ هذه النظريات بوجود جسيمات ضخمة ضعيفة التفاعُل، (تُعرف اختصارًا بـ«ويمبس» WIMPs)، وتُعد من مكونات «المادة المظلمة» غير الظاهرة في الكون. وتتوسط نيوترينوات «ماجورانا» هذه نوعًا من أنواع تفاعلات الانحلال النووي؛ يُعرف باسم «انحلال بيتا المزدوج عديم النيوترينوات»، وهو مثال على عملية الالتقاط مزدوج الإلكترون عديم النيوترينوات. ومن الخطوات شديدة الأهمية لمشاهدة هذا الانحلال، رصد المكافئ له في النموذج القياسي؛ ألا وهو الالتقاط مزدوج الإلكترون ثنائي النيوترينوات. وفي بحث نُشِرَ مؤخرًا في دورية Nature، أفاد تعاوُّن مشروع «زينون»2 XENON بأول رصد مباشر لهذا الالتقاط في أنوية العنصر النظير الزينون-124، باستخدام كاشف كان قد صُمم لرصد الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل.

تحدث جميع التفاعلات المعروفة في الكون بوساطة من واحد من أربعة أنواع من القوى؛ القوى الكهرومغناطيسية، أو قوى الجاذبية، أو القوى النووية الشديدة، أو القوى النووية الضعيفة. وتتميز القوى الكهرومغناطيسية، وقوى الجاذبية - التي نصادفها في حياتنا اليومية - بمداها الطويل، وقدرتها على إحداث تأثيرها عبر مسافات شاسعة. أما القوى النووية الشديدة، فتُحْدِث تأثيرها على مسافات قصيرة، وتربط الجسيمات الأولية المعروفة باسم الكواركات ببعضها بعضًا، لتكوين النيوكليونات؛ (أي البروتونات والنيوترونات) وفق مقياس فمتومتري (فمتومتر واحد = 10-15 متر). وتعمل الكمية الأضعف طويلة المدى المتبقية من القوى النووية الشديدة بدورها على ربط النيوكليونات معًا داخل أنوية الذرات. على سبيل المثال، تعمل هذه القوة المتبقية على ربط الـ124 نيوكلونًا (54 بروتونًا، و70 نيوترونًا) في نواة نظير الزينون-124. وأخيرًا، تتسم القوة النووية الضعيفة بمدى تأثير بالغ القصر، وتسبب تفكك أنوية الذرات من خلال عملية تسمَّى «انحلال بيتا النووي».

أحد أنواع انحلال بيتا النووي هو التقاط الإلكترون النووي، وفيه تلتقط النواة المدمجة داخل ذرة ما إلكترونًا من الأغلفة الإلكترونية المحيطة بها (شكل 1أ). ونتيجة لذلك، يتحول أحد البروتونات في النواة إلى نيوترون، وينبعث نيوترينو. ويُعرف التقاط الإلكترون، أو أي شكل آخر من أشكال انحلال بيتا، باسم التفاعل الضعيف الأقل رتبة. وفي مثل هذه العملية، يكون معدل انحلال النواة - وهو يتناسب عكسيًّا مع فترة عمر النصف لها - متناسبًا مع مربع ثابت الاقتران الضعيف، وهو مقياس لقوة القوى النووية الضعيفة. ونظرًا إلى صغر قيمة هذا الثابت، فإن فترة عمر النصف الناتجة تكون طويلة. على سبيل المثال، في حالة انحلال العنصر النظير اليود-124 إلى العنصر النظير تيلوريوم-124 بفعل التقاط الإلكترون، تكون فترة عمر النصف 4.2 يوم.

شكل 1. عملية التقاط الإلكترون، وعملية التقاط مزدوج الإلكترون ثنائي النيوترينوات. أ. يمكن أن تتحلل ذَرّة العنصر النظير اليود-124 بفترةِ عمرِ نصفٍ قدرُها 4.2 يوم، مُكوِّنةً ذرة العنصر النظير تيلوريوم-124، من خلال عملية تسمَّى التقاط الإلكترون. تقتنص نواةُ ذَرّة العنصر النظير اليود-124 أحدَ الإلكترونات من الأغلفة الإلكترونية المحيطة بها. وينتج عن ذلك تحوُّل أحد البروتونات (محاط بدائرة في الشكل) في النواة إلى نيوترون، وانبعاث نيوترينو. ب. لا تستطيع ذَرّة العنصر النظير الزينون-124 أن تُجْري تفاعل الانحلال عن طريق التقاط إلكترون، وذلك بسبب قانون بقاء الطاقة، لكنها تستطيع أن تنحل في فترةِ عمرِ نصفٍ بالغةِ الطول إلى ذرة العنصر النظير تيلوريوم-124، من خلال عملية تسمَّى الالتقاط مزدوج الإلكترون ثنائي النيوترينوات، إذ تلتقط نواة الزينون-124 زوجًا من الإلكترونات الموجودة في الأغلفة الإلكترونية المحيطة بها، وهو ما يؤدي إلى تحول زوج من البروتونات (محاطان بدائرتين في الرسم) إلى زوج من النيوترونات مع انبعاث زوج من النيوترينوات. وقد تَمكَّن2تعاوّن مشروع «زينون» من قياس فترة عمر النصف لهذه العملية، ووُجد أنها تساوي 1.8 2210x سنة، وهو ما يعادل تريليون مرة تقريبًا من عمر الكون.

شكل 1. عملية التقاط الإلكترون، وعملية التقاط مزدوج الإلكترون ثنائي النيوترينوات. أ. يمكن أن تتحلل ذَرّة العنصر النظير اليود-124 بفترةِ عمرِ نصفٍ قدرُها 4.2 يوم، مُكوِّنةً ذرة العنصر النظير تيلوريوم-124، من خلال عملية تسمَّى التقاط الإلكترون. تقتنص نواةُ ذَرّة العنصر النظير اليود-124 أحدَ الإلكترونات من الأغلفة الإلكترونية المحيطة بها. وينتج عن ذلك تحوُّل أحد البروتونات (محاط بدائرة في الشكل) في النواة إلى نيوترون، وانبعاث نيوترينو. ب. لا تستطيع ذَرّة العنصر النظير الزينون-124 أن تُجْري تفاعل الانحلال عن طريق التقاط إلكترون، وذلك بسبب قانون بقاء الطاقة، لكنها تستطيع أن تنحل في فترةِ عمرِ نصفٍ بالغةِ الطول إلى ذرة العنصر النظير تيلوريوم-124، من خلال عملية تسمَّى الالتقاط مزدوج الإلكترون ثنائي النيوترينوات، إذ تلتقط نواة الزينون-124 زوجًا من الإلكترونات الموجودة في الأغلفة الإلكترونية المحيطة بها، وهو ما يؤدي إلى تحول زوج من البروتونات (محاطان بدائرتين في الرسم) إلى زوج من النيوترونات مع انبعاث زوج من النيوترينوات. وقد تَمكَّن2تعاوّن مشروع «زينون» من قياس فترة عمر النصف لهذه العملية، ووُجد أنها تساوي 1.8 2210x سنة، وهو ما يعادل تريليون مرة تقريبًا من عمر الكون.

كبر الصورة

وفي بعض الحالات، يَحُول قانون بقاء الطاقة دون حدوث التقاط الإلكترون (أو أي تفاعل ضعيف آخر منخفض الرتبة). وحينئذ يمكن أن يُستكمل تفاعل الانحلال النووي من خلال عملية تتضمن تفاعلًا ضعيفًا من الرتبة الثانية، يتناسب فيها معدل الانحلال مع الأس الرابع لثابت الاقتران الضعيف، وتكون فترة عمر النصف المصاحِبة لهذه العملية بالغة الطول. وتُعتبر عملية الالتقاط مزدوج الإلكترون ثنائي النيوترينوات أحد أمثلة التفاعلات الضعيفة من الرتبة الثانية، وفي هذه العملية تلتقط النواة إلكترونين من الأغلفة الإلكترونية المحيطة بها، وهو ما يسبب تحوُّل بروتونين إلى نيوترونين، وانبعاث زوج من النيوترينوات (شكل 1ب).

يمكن اعتبار هذه العملية بمثابة عمليّتين متزامنتين من الانحلال بالتقاط إلكترون، تُحَوِّلان نواة الذرة مباشرة إلى نواة أخرى تحتوى على عدد برتونات يقل بمقدار زوج، وعدد نيوترونات يزداد بمقدار زوج عن أعدادها في الذرة الأصلية. ويُخَلِّف كل إلكترون مُلتقَط وراءه فجوة في الغلاف الإلكتروني الذي أتى منه. وتُملأ هذه الفجوات بإلكترونات ذرية أخرى، وهو ما يؤدي إلى انبعاث أشعة سينية، وإلكترونات تُعرف باسم إلكترونات «أوجيه» Auger. وتمهد مثل هذه الانبعاثات الطريق أمام الرصد المباشر لعملية الالتقاط مزدوج الالكترون ثنائي النيوترينوات داخل النواة. وقد حصل العلماء على أولى الدلائل التجريبية على هذه العملية مع العنصر النظير كربتون-78 في تجارب العد المباشر3،4، التي يتم فيها تسجيل كل عملية من عمليات الالتقاط مزدوج الإلكترون، واحدة تلو الأخرى، كما حصلوا عليها مع العنصر النظير باريوم-130 في الدراسات الجيوكيميائية6،5.

وبحث تعاوّن مشروع «زينون» عن عملية انحلال العنصر النظير الزينون-124 إلى العنصر النظير التيلوريوم-124، التي تحدث من خلال عملية الالتقاط مزدوج الإلكترون ثنائي النيوترينوات، باستخدام جهاز يسمَّى «زينون 1 تي» XENON1T، يعمل ككاشف للمادة المظلمة. ويحتوي هذا الجهاز على حوالي ثلاثة أطنان من الزينون السائل فائق النقاء، وقد صُمِمَ للبحث عن تشتت الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل، التي تنطلق من أنوية الزينون7. ويوجد الجهاز في مختبر جران ساسو الوطني، الواقع عند سفح سلسلة جبال «جران ساسو» Gran Sasso في وسط إيطاليا، على بعد 120 كيلومترًا تقريبًا من روما. وأجرى الباحثون تجربة عد مباشر، قيست فيها انبعاثات الأشعة السينية، وإلكترونات «أوجيه»؛ للعثور على هذا الانحلال النادر. وجُمعت البيانات على مدار عام (في الفترة ما بين عامي 2017، و2018) كجزء من الجهود الرامية إلى البحث عن الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل.

وبفضل احتواء الكاشف على كمية هائلة من الزينون، حقق الباحثون أول رصد مباشر لعملية الالتقاط مزدوج الإلكترون ثنائي النيوترينوات، في أنوية العنصر النظير الزينون-124. وطبقًا لقياسات الباحثين، بلغت فترة عمر النصف لهذه العملية 2210x 1.8 سنة، وهو ما يعادل تريليون ضعف تقريبًا من عمر الكون. وأرسى القياس الناجح لفترة عمر النصف في هذه العملية أسس التجارب الهادفة إلى الكشف عن تفاعلات الانحلال النادرة هذه في الأنوية الذرية الأخرى. وإضافة إلى ذلك، فإن استخدام الباحثين لجهاز الزينون السائل الباحث عن الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل يوفر دليلًا قاطعًا على قدرة مثل هذه الكواشف، وتعدُّد استخداماتها، لكنْ لا يوجد سوى أربعة أنواع فقط من تفاعلات انحلال بيتا المزدوج يمكن رصدها عن طريق هذه الأجهزة؛ وهي تحديدًا: انحلال العنصر النظير الزينون-124، والعنصر النظير الزينون-126، والعنصر النظير الزينون-134، والعنصر النظير الزينون-136. 

ومن منطلق النظرية النووية، يمكن ربط معدل انحلال كل من الالتقاط مزدوج الإلكترون ثنائي النيوترينوات، والالتقاط مزدوج الإلكترون عديم النيوترينوات بكميات تسمَّى «عناصر المصفوفة النووية»، إذ تحمل هذه الكميات في طياتها معلومات عن البِنْية النووية المستخلَصة من النماذج النووية، ويمكن أن يستخدمها الباحثون العاملون في مجال نظرية البنية النووية. وسيساعد قياس عملية الالتقاط مزدوج الإلكترون ثنائي النيوترينوات على اختبار صحة نماذج نووية8 مختلفة؛ تُستخدَم لحساب معدلات انحلال بيتا المزدوج. وبالإضافة إلى ذلك، فإن البيانات المكتسبة الخاصة بفترة عمر النصف ستمكننا من توليف معلمات النماذج بدقة، وهو ما يسمح للعلماء بطرح تنبؤات أكثر دقة لقيم عناصر المصفوفة النووية المصاحبة لعملية الالتقاط مزدوج الإلكترون عديم الينوترينوات، والمصاحبة أيضًا لتفاعلات انحلال بيتا المزدوجة عديمة النيوترينوات بشكل عام. وأخيرًا، ستضيف كل هذه العوامل الكثير إلى قدرة العلماء على الاستخلاص الدقيق لمعلمات النيوترينوات من البيانات التي يحصلون عليها من تجارب النيوترينوات الحالية، والمستقبلية.

References

  1. Vergados, J. D. Phys. Rep. 133, 1–216 (1986). | article
  2. XENON Collaboration. Nature 568, 532–535 (2019). | article
  3. Gavrilyuk, Y. M. et al. Phys. Rev. C87, 035501 (2013). | article
  4. Ratkevich, S. S. et al. Phys. Rev. C96, 065502 (2017). | article
  5. Meshik, A. P., Hohenberg, C. M., Pravdivtseva, O. V. & Kapusta, Y. S. Phys. Rev. C64, 035205 (2001). | article
  6. Pujol, M., Marty, B., Burnard, P. & Philippot, P. Geochim. Cosmochim. Acta73, 6834–6846 (2009). | article
  7. Aprile, E. et al. Phys. Rev. Lett. 121, 111302 (2018). | article
  8. Ejiri, H., Suhonen, J. & Zuber, K. Phys. Rep. 797, 1–102 (2019). | article

يوني سوهونين من قسم الفيزياء بجامعة يوڤاسكولا، يوڤاسكولا 40014، فنلندا.

البريد الإلكتروني: jouni.t.suhonen@jyu.fi