أنباء وآراء

سمنة: المناطق الريفية تُسجل أعلى معدلات زيادة الوزن عالميًّا

لطالما اعتُبرت الزيادة العالمية في معدلات انتشار السمنة مشكلة تخص المناطق الحضرية. وتعارض دراسةٌ واسعة النطاق ذلك الرأي، من خلال إظهار أن زيادة الوزن في المناطق الريفية هي العامل الرئيس وراء وباء السمنة في الوقت الراهن.

باري إم. بوبكين

  • Published online:

رَبَطَ العلماءُ بين الحياة الحضرية وارتفاع معدلات زيادة الوزن، ومرض السمنة في جميع الشرائح السكانية1. ومع ذلك، ظلت الأدلة على ذلك الارتباط مستندة بشكل رئيس إلى حسابات مؤشر كتلة الجسم (BMI)؛ وهي الأداة الأكثر استخدامًا لقياس الوزن الزائد والسمنة عند إجراء الدراسات. لكن العلماء لم يدرسوا ديناميكيات تغير مؤشر كتلة الجسم في المناطق الحضرية والريفية بشكل منفصل. وفي بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature، عارض أعضاء «تعاوُن2 مواجهة عوامل الخطر المرتبطة بالأمراض غير المعدية» NCD Risk Factor Collaboration الفكرة القائلة أن الاتجاهات العامة لمؤشر كتلة الجسم هي - في الأساس - نتيجة للحياة الحضرية.

ولطالما اعتُبرت مشكلة زيادة الوزن والسمنة على الصعيد العالمي مشكلةً تخصّ المناطق الحضرية بشكل رئيس. ويرجع ذلك في جزء منه إلى أن الخدمات الغذائية في المدن أكثر توفرًا وأسهل في الوصول إليها منها بالمناطق الريفية. كذلك يُتاح لسكان المدن مجموعة متنوعة من خيارات شراء الأطعمة والمشروبات المُعالجة بنسبة كبيرة، التي تحتوي على نسب عالية من الملح، والدهون المشبعة، والسكر، والتي غالبًا ما يُطلق عليها "الأطعمة فائقة المعالَجة التصنيعية المسبِّبة للسمنة". وفي مجتمعات عديدة منخفضة الدخل بالمناطق الحضرية، تُستهلك بالدرجة الأولى الأطعمة والمشروبات فائقة المعالَجة التصنيعية، التي تُباع في مطاعم الوجبات السريعة، والمنافذ الصغيرة للبيع بالتجزئة. ويعود ذلك غالبًا إلى أن أفراد تلك المجتمعات يعيشون فيما يُسمَّى بـ«الصحاري الغذائية»، ويُقصد بها المناطق منخفضة الدخل، التي تكون فيها تلك الأطعمة المصنَّعة هي الوحيدة المتاحة. ومن جهة أخرى، يُنظَر إلى المناطق الريفية باعتبارها نوعًا مختلفًا من الصحراء الغذائية، حيث يستهلك الناس محصول مَزارعهم وحدائقهم بشكل أساسي، كما تتاح لهم فرص أقل للحصول على الأغذية فائقة المعالَجة التصنيعية، والأغذية المُعلَّبة.

فضلًا عن ذلك، يتمتع سكان المدن بخيارات أفضل فيما يخص وسائل النقل والمواصلات، وبإمكانية أكبر للحصول على الهواتف الذكية، والتمتع بالبث التليفزيوني، إلى جانب فرص أكثر لأداء أنشطة ترفيهية غير بدنية، مقارنة بقاطني المناطق الريفية. كما أن سكان المدن لديهم فرص أكثر للعمل في مهن ووظائف لا تتطلب مجهودًا بدنيًّا كبيرًا. ولا شك أن كل هذه العوامل تحدّ من الطاقة البدنية المستهلَكة. وعلى النقيض من ذلك، عادة ما يُنظر إلى المناطق الريفية على أنها أماكن يسبب فيها العملُ الشاق في المزارع، والغابات، فضلًا عن الأنشطة المتعلقة بالتعدين إلى ارتفاع مستويات الطاقة البدنية المستهلَكة. وكان يُعتقد سابقًا أن مستويات النشاط البدني في المناطق الريفية أعلى بكثير منها في المدن، وبالتالي فإن احتمال زيادة الوزن في المناطق الريفية كان أقل بكثير منه لدى سكان المدن.

كما أظهرت الأبحاث أنه في بعض البلدان منخفضة الدخل، مثل الصين، يتبع قاطنو المناطق الحضرية أنظمة غذائية تختلف اختلافًا واضحًا عن نظرائهم3 في المناطق الريفية. ففي العقدين الماضيين، عزَّز التحول نحو اتباع أنظمة غذائية مسبِّبة للسمنة من معدلات زيادة الوزن، كما زاد من خطر الإصابة بالمشكلات الصحية المرتبطة بالأمراض المزمنة في المناطق الحضرية في الصين3.

لكن أشارت نتائج بحوث إلى أن معدلات زيادة الوزن، والسمنة تزداد بوتيرة أسرع في المناطق الريفية عنها في المناطق الحضرية، حتى في العديد من البلدان ذات الدخل المنخفض، والمتوسط4 (LMICs). ومن المحتمل أن يكون ذلك مرتبطًا بحقيقة أن المناطق الريفية في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط بدأت تشبه المناطق الحضرية، لأن الإمدادات الغذائية الحديثة قد صارت متاحة5 لها (الشكل 1)، وذلك بالتزامن مع توفُّر معدات آلية تُستخدم في الزراعة والنقل بأسعار رخيصة. وحاليًّا، صارت الأطعمة فائقة المعالَجة التصنيعية جزءًا لا يتجزأ من الأنظمة الغذائية للفقراء في تلك البلدان. وتفيد تقارير بأنه حتى الأطفال الرضع صاروا يتغذون على تلك الأطعمة6. وعلى الرغم من هذه الملاحظات، ركزت غالبية الجهود في مجالَي البحوث، ووضع السياسات على مواجهة الزحف نحو الحياة الحضرية، باعتبار أنه مسبب أساسي للسمنة، لأن التفكير السائد لا يزال يرتكز على أن قاطني المناطق الريفية أكثر عرضة بدرجة كبيرة للجوع، وسوء التغذية، أكثر مما يعدون عرضة لعوامل زيادة الوزن.

الشكل 1| تسهم التغييرات التي تطرأ على الإمدادات الغذائية في المناطق الريفية في تزايد المعدلات العالمية للسمنة. وتكشف الدراسة2 التي أجراها تعاوُن مواجهة عوامل الخطر للأمراض غير المعدية أن الزيادات في مؤشر كتلة الجسم لدى سكان الريف في معظم مناطق العالم، بما في ذلك البلدان ذات الدخل المنخفض، والمتوسط، هي التي تقود الارتفاع العالمي في معدلات السمنة. وتُعَد التغييرات التي طرأت على إمدادات الغذاء في المناطق الريفية – أي الانتقال من الاعتماد على السلع الغذائية الأساسية التقليدية (أ) إلى الأغذية الحديثة فائقة المعالَجة التصنيعية (ب) – بالاقتران مع توفر وسائل النقل ذات المحركات، ومعدات الزراعة الآلية في المناطق الريفية من العوامل التي أسهمت في ذلك. وتُظْهِر الصورة (أ) أحد أسواق الشوارع في ينومولا بالي بولاية أندرا براديش في الهند، بينما تُظْهِر الصورة (ب) متجرًا ريفيًّا في قرية بوتابارثي بولاية أندرا براديش.

الشكل 1| تسهم التغييرات التي تطرأ على الإمدادات الغذائية في المناطق الريفية في تزايد المعدلات العالمية للسمنة. وتكشف الدراسة2 التي أجراها تعاوُن مواجهة عوامل الخطر للأمراض غير المعدية أن الزيادات في مؤشر كتلة الجسم لدى سكان الريف في معظم مناطق العالم، بما في ذلك البلدان ذات الدخل المنخفض، والمتوسط، هي التي تقود الارتفاع العالمي في معدلات السمنة. وتُعَد التغييرات التي طرأت على إمدادات الغذاء في المناطق الريفية – أي الانتقال من الاعتماد على السلع الغذائية الأساسية التقليدية (أ) إلى الأغذية الحديثة فائقة المعالَجة التصنيعية (ب) – بالاقتران مع توفر وسائل النقل ذات المحركات، ومعدات الزراعة الآلية في المناطق الريفية من العوامل التي أسهمت في ذلك. وتُظْهِر الصورة (أ) أحد أسواق الشوارع في ينومولا بالي بولاية أندرا براديش في الهند، بينما تُظْهِر الصورة (ب) متجرًا ريفيًّا في قرية بوتابارثي بولاية أندرا براديش.

كبر الصورة

A, B, TIM GAINEY/ALAMY

جميع البحوث السابقة حول اتجاهات مؤشر كتلة الجسم استندت إلى بيانات محدودة، وركّزت إما على البلدان ذات الدخل المنخفض، والمتوسط، أو على البلدان4مرتفعة الدخل. وفي هذا السياق، تُعَد الورقة البحثية التي نشرها تعاوُن مواجهة عوامل الخطر المرتبطة بالأمراض غير المعدية بمثابة دراسة رائدة، لأنها تجمع أحدث البيانات من جميع البلدان تقريبًا؛ لدراسة الاتجاهات العالمية لمؤشر كتلة الجسم بشكل شامل. وتشير النتائج إلى أن معدلات زيادة الوزن والسمنة أعلى بالفعل في المناطق الريفية، مقارنة بالمناطق الحضرية في جميع البلدان مرتفعة الدخل، كما تشير أيضًا إلى أن معدل تغير الوزن في العديد من البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط قد بلغ حدًا يشير إلى أن مستويات زيادة الوزن والسمنة في المناطق الريفية في طريقها إلى أن تُضاهي - إنْ لم تتجاوز - نظيراتها في المناطق الحضرية. وقد أخذت زيادة الوزن والسمنة تحل محل نقص الطعام، والهُزَال، والتقزم في المناطق الريفية بوتيرة سريعة في معظم مناطق العالم، باستثناء جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى، وجنوب آسيا، وقلة من البلدان في مناطق أخرى.

وتُعَد هذه النتائج شديدة الأهمية، لأن التركيز الرئيس لبرامج الوقاية من السمنة وسياساتها اللتين تستهدفان مناطق جغرافية بعينها على الصعيد العالمي كان عادةً ما ينصَبّ على علاج مشكلة السمنة في المناطق الحضرية. وتشمل الأمثلة على التدخلات الموجهة إلى المناطق الحضرية سياسات مشجعة على أداء النشاط البدني؛ مثل «مسارات الدراجات»، التي تُعرف بـciclovias في أمريكا اللاتينية؛ والتي تُغلَق فيها شوارع المدن أمام السيارات؛ لتحفيز الناس على المشي، وركوب الدراجات. ومن الأمثلة كذلك، تشييد طرق ومسارات للدراجات في المناطق الحضرية، وتصميم المباني الحضرية بحيث تسهم في تعزيز الحركة، والتركيز على توفير مساحات للمشي واللعب في المدن، بما في ذلك إنشاء الحدائق والمتنزهات. وكذلك عُقدت مبادرات تستهدف المدن بشكل رئيس، تتضمن التعاوُن مع تجار التجزئة والمتاجر التي تبيع المواد الغذائية. وباستثناء عدد قليل من السياسات التي استهدفت الريف، مثل توفير المتاجر التي تبيع أغذية رخيصة وصحية في المناطق الريفية النائية في المكسيك برعاية الحكومة، تَعَرَّض سكان الريف للتجاهل بشكل كبير.

إنّ الدراسة التي أجراها تعاوُن مواجهة عوامل الخطر المرتبطة بالأمراض غير المعدية تحثنا على وضع برامج وسياسات تركز على المناطق الريفية؛ للحد من انتشار زيادة الوزن فيها، حيث توجد فجوة سياساتية كبرى على مستوى العالم. ويمكن أن تمتد العديد من السياسات المالية والتنظيمية في ذلك الصدد إلى المناطق الريفية على مستوى العالم. وتتراوح تلك السياسات بين البرامج التي تجمع بين الضوابط التسويقية الشاملة، والضوابط الخاصة بالطعام المدرسي، والملصقات التي تُوضع على الأطعمة فائقة المعالَجة التصنيعية، مثل تلك التي طُبقت في تشيلي7، وبين فرض الضرائب على الأغذية والمشروبات فائقة المعالَجة التصنيعية غير الصحية، كما حدث في المكسيك8،9. وتتميز هذه البرامج بأنها قومية، تتطلب تشريعات قومية، وتُنفذها حاليًّا أعداد متزايدة من البلدان ذات الدخل المنخفض، والمتوسط. ومع ذلك، يجب على الدول تنسيق برامج تنظيمية ومالية متعددة، مماثلة لتلك المُطبَّقة في تشيلي؛ حتى يكون لها تأثير حقيقي في سلوكيات الأفراد الغذائية.

References

  1. Malik, V. S., Willett, W. C. & Hu, F. B. Nature Rev.Endocrinol. 9, 13–27 (2013). 
  2. NCD Risk Factor Collaboration. Nature 569, 260–264 (2019). | article
  3. Zhai, F. Y. et al. Obesity Rev. 15, 16–26 (2014). | article
  4. Jaacks, L. M., Slining, M. M. & Popkin, B. M. J. Nutr. 145, 352–357 (2015). | article
  5. Popkin, B. M. & Reardon, T. Obesity Rev. 19, 1028–1064 (2018). | article
  6. Huffman, S. L., Piwoz, E. G., Vosti, S. A. & Dewey, K. G. Matern. Child Nutr. 10, 562–574 (2014). | article
  7. Corvalán, C., Reyes, M., Garmendia, M. L. & Uauy, R. Obesity Rev. 20, 367–374 (2019). | article
  8. Colchero, M. A., Popkin, B. M., Rivera, J. A. & Ng, S. W. Br. Med. J. 352, h6704 (2016). | article
  9. Batis, C., Rivera, J. A., Popkin, B. M. & Taillie, L. S. PLoS Med. 13, e1002057 (2016). | article

باري إم. بوبكين من قسم التغذية في كلية جيلينجز للصحة العامة العالمية بجامعة نورث كارولينا في تشابل هيل، تشابل هيل، نورث كارولينا 27516، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: popkin@unc.edu