أنباء وآراء

ذكاء اصطناعي: روبوتات ذات تناسق حركي متقن

تتعلّم الروبوتات أخيرًا المشي والجري وإمساك الأشياء بسلاسة بعد عقود من الحركة غير المتقنة. وتُنْبِئ تطورات كهذه ببداية عصر من الذكاء الصناعي تتحقق فيه المهارة الجسدية.

هود ليبسون
  • Published online:

تنطلق صغار الحيوانات راكضة عبر الحقول، وتتسلق الأشجار. وفي حالة سقوطها، فإنها سريعًا ما تعاود الوقوف بسلاسة تثير الحسد1. ويستطيع البشر، على غرار أبناء عمومتهم من الرئيسيات، استخدام أصابع الإبهام المقابل لديهم، وتوظيف المهارات الحركية الدقيقة، لأداء مهام معينة، مثل تقشير ثمرة كليمونتين، دون مجهود، أو تحسُّس المفاتيح؛ بحثًا عن المفتاح المناسب في رواق مظلم. وبالرغم من أن المشي وإمساك الأشياء سهلان لكثير من الكائنات الحية، فمن المعروف عن الروبوتات رداءة حركات المشي وضعف أدائها في المهارات اليدوية حتى الآن.

وفي دراسة نُشرت في مجلة «ساينس روبوتكس» Science Robotics، قدّم هوانجبو وزملاؤه2 أدلة مثيرة للاهتمام على أن المنهجيات القائمة على البيانات لتصميم برمجيات روبوتية قد تتغلب على تحدٍّ قائم منذ فترة طويلة، في أبحاث الروبوتات والذكاء الاصطناعي، وهو تحد يُطلق عليه الفجوة بين المحاكاة والواقع. فعلى مدار عقود، وجّه علماء الروبوتات أطرافَ الروبوتات، مستخدمين برمجيات صُممت بناءً على أساس من نماذج رياضية تنبؤية، تُسمى بـ«نظريات التحكم الكلاسيكية»، غير أن هذا النهج أثبت عدم كفاءته عند تطبيقه على ما بدا بالوهلة الأولى كمشكلةٌ بسيطةٌ، تتمثل في توجيه أطراف الروبوتات في أثناء مهام المشي والتسلق والإمساك بأشياء متنوعة الأشكال.

يبدأ الروبوت حياته عادة في عملية محاكاة. فعندما تحقِّق برمجيته التوجيهية أداءً جيدًا في العالَم الافتراضي، تُوضع هذه البرمجية في جسدٍ آلي، ثم تُرسل إلى العالَم المادي. وهناك سيواجه الروبوت، لا محالة، اضطرابات في البيئة لا حصر لها، ويصعب التنبؤ بها. تتضمّن الأمثلة على تلك المشاكل العقبات المتصلة بالاحتكاك السطحي، والمرونة الهيكلية، والاهتزازات، وتأخر أجهزة الاستشعار والمُشغلات سيئة التوقيت (وهي أجهزة تحوِّل الطاقة إلى حركة). ولسوء الحظ، يستحيل  توصيف هذه المشكلات بشكل كامل ومسبَق باستخدام الرياضيات. وكنتيجة لهذا، فإنه حتى الروبوتات التي حققت أداء ممتازًا في المحاكاة، ستتعثّر وتسقط بعد مواجهة القليل من العوائق المادية، التي تبدو بسيطة في الظاهر.

طرح هوانجبو وزملاؤه سبيلًا لتجاوُز تلك الفجوة الأدائية، من خلال المزج بين نظرية التحكم الكلاسيكية، وتقنيات تعلّم الآلة. فبدأ الفريق بتصميم نموذج رياضي تقليدي لروبوت رباعي الأرجل، يعادل في حجمه كلبًا متوسط  الحجم، وأطلقوا عليه اسم «أنيمال» ANYmal (الشكل 1). بعد ذلك، جمّع الفريق البيانات من المُشغّلات التي توجه حركات أطراف الروبوت، واستخدموا تلك المعلومات لتغذية أنظمة متعددة لتعلّم الآلة، تُعرف بالشبكات العصبية، لبناء نموذج ثانٍ قادر على التنبؤ تلقائيًّا بالحركات غير المألوفة لأطراف الروبوت «أنيمال». وأخيرًا، زرع أعضاء الفريق الشبكات العصبية المُدرَّبة في النموذج الأول من الروبوت، وبدأوا تشغيل النموذج الهجين في محاكاة على جهاز كمبيوتر سطح مكتب عادي.

الشكل رقم 1: الروبوت "أنيمال". أفاد هوانجبو وزملاؤه 2 بأن استخدام منهج قائم على البيانات لتصميم برمجية الروبوت يمكنه تحسين مهارات الحركة لدى الروبوتات. وشرحوا هذا المنهج، مستعينين بالروبوت «أنيمال» رباعي الأرجل، الذي يعادل حجمه كلبًا متوسط الحجم.

الشكل رقم 1: الروبوت "أنيمال". أفاد هوانجبو وزملاؤه 2 بأن استخدام منهج قائم على البيانات لتصميم برمجية الروبوت يمكنه تحسين مهارات الحركة لدى الروبوتات. وشرحوا هذا المنهج، مستعينين بالروبوت «أنيمال» رباعي الأرجل، الذي يعادل حجمه كلبًا متوسط الحجم.

كبر الصورة

ETH Zurich/Daniel Winkler

كان المُحاكي الهجين أسرع وأكثر دقةً من المحاكي القائم على النماذج التحليلية. لكن الأهم من ذلك، هو أن استراتيجية الحركة حققت عند اختبارها في العالَم المادي مستوى النجاح نفسه الذي حققته في المحاكاة، عندما جرى تحسينها في المحاكي الهجين، ثم نقلها إلى جسد الروبوت. وتشير هذه الطفرة  - التي طال انتظارها - إلى تبدد الفجوة بين المحاكاة والواقع، والتي بدت عصية على الحل.

يدل المنهج الذي استخدمه هوانجبو وزملاؤه على طفرة كبرى أخرى في مجال علم الروبوتات. والنماذج الهجينة هي الخطوة الأولى نحو هذه الطفرة. أما الخطوة التالية، فستكون إيقاف العمل بالنماذج التحليلية كليًّا لصالح نماذج تعلُّم الآلة التي تدربت باستخدام البيانات المُجمّعة من بيئة الروبوت الفعلية. وهذه المناهج المعتمدة كليّة على البيانات – والتي يُشار إليها بالتدريب من طرف إلى طرف - تكتسب زخمًا، وقد سُجلت بالفعل عدد من التطبيقات المبتكرة لها، تضمنت أذرع روبوتية مفصليّة3، وأيدٍ آلية متعددة الأصابع4، وطائرات بدون طيار5، بل وسيارات ذاتية القيادة6.

في الوقت الحالي، لا يزال علماء الروبوتات يتعلمون تسخير قوة الحوسبة السريعة، ووفرة بيانات أجهزة الاستشعار، والتحسينات في جودة خوارزميات تعلُّم الآلة. وليس واضحًا بعد ما إذا كان الوقت قد حان لتتوقف الجامعات عن تدريس نظرية التحكم الكلاسيكية، أم لا، لكنني أعتقد أن إمارات إخفاقها قد ظهرت بالفعل؛ فعلماء الروبوتات المستقبليون لن يعطوا بعد الآن أوامر توضح للروبوتات كيفية المشي، بل سيتركون الروبوتات تتعلم بمفردها، باستخدام البيانات التي جمعتها أجسادها ذاتها.

ولا يزال كثير من التحديات قائمًا بالطبع، وأهمها هو تحدي قابلية التوسع، فحتى الآن طُبق التدريب من طرف إلى طرف على الروبوتات الميكانيكية التي تملك عددًا قليلًا فحسب من المشغّلات. فكلما قَل عدد المشغّلات، قلت المُعَلّمات اللازمة لوصف حركات الروبوت؛ ومن ثم كان النموذج أبسط. إن الطريق للوصول إلى قابلية التوسع سوف يتضمن - على الأرجح - استخدام هياكل تعلُّم آلة نموذجية، تتسم بدرجة أكبر من الترتيب الهرمي. ويلزم إجراء مزيد من الأبحاث؛ لمعرفة ما إذا كان يمكن توسيع نطاق التحكم من طرف إلى طرف؛ لتوجيه آلات معقدة تملك عشرات من المُشغلات، بما فيها الروبوتات التي تملك بِنْية بشرية7، أو الأنظمة الكبرى، مثل المنشآت الصناعية، أو المدن الذكية؛ أي المناطق الحضرية التي تَستخدِم التكنولوجيا الرقمية لتحسين حياة المواطنين.

هناك تحدٍّ آخر، لكنه شخصيّ، أكثر من كونه تقنيًّا. ففي منظور بعض الباحثين، الانتقال من استخدام النماذج الرياضية البسيطة نسبيًّا إلى تطبيق أنظمة الصندوق الأسود البرمجية المرتبطة بتعلّم الآلة - التي تكون فيها العمليات الداخلية غير معروفة – يعد مؤشرًا على النهاية المؤسفة للتعلم بالاستبصار، ويجلب معه إحساسًا بفقدان السيطرة. أنا لست أحد هؤلاء الباحثين، وبالنسبة لي، هناك شيء مُرْضٍ في رؤية روبوت يتعلّم المشي بنفسه، وكأنه طفل.

إن النظرة المتعمقة التي يوفرها هوانجبو وزملاؤه يمكن وضعها في الاعتبار في سياق ألغاز العقل؛ إذ لطالما كان الوعي واحدًا من أقدم ألغاز الطبيعة البشرية8. ومن واقع خبرتي، أرى أن تعريفات الوعي بالذات التي ابتدعها البشر غامضة جدًّا لدرجة تصبح عندها ذات قيمة عملية ضعيفة عند تصميم برمجيات الروبوتات، لكن قد يكون العكس صحيحًا، وتقدِّم دراسة برمجيات الروبوتات نظرة متعمقّة بخصوص الأسئلة الأزلية  حول العقل البشري.

يمكن للمرء أن يخمّن أن الوعي بالذات - وبالتبعية الوعي - هما في جوهرهما دلالة على قدرتنا على التفكير في أنفسنا بطريقة مجردة، أي أن نكون قادرين على المحاكاة الذاتية. ويمكنني القول إنه كلما زادت قدرة المرء على النظر إلى وقت أبعد في المستقبل، وكلما ازداد تفصيل الصورة الذهنية لأنشطته المستقبلية، ستزداد قدرته على الوعي بذاته. والآن، أصبحت الروبوتات قادرة على  تعلّم المحاكاة الذاتية. وهذه الطفرة ليست مجرد تقدُّم عملي سيوفر جهدًا هندسيًّا، بل إنه كذلك بداية لعصر تتمتع فيه الروبوتات بالاستقلال الذاتي.

References

  1. McNeill Alexander, R. Principles of Animal Locomotion (Princeton Univ. Press, 2003).  | article
  2. Hwangbo, J. et al. Sci. Robot. 4, eaau5872 (2019). | article
  3. Kwiatkowski, R. & Lipson, H. Sci. Robot. 4, eaau9354 (2019). | article
  4. OpenAI et al. Preprint at https://arxiv.org/abs/1808.00177 (2018). 
  5. Gandhi, D., Pinto, L. & Gupta, A. IEEE Int. Conf. Intell. Robot. Syst. 2017, 3948–3955 (2017).  | article
  6. Bojarski, M. et al. Preprint at https://arxiv.org/abs/ 1604.07316 (2016). 
  7. Kuindersma, S. et al. Auton. Robot. 40, 429–455 (2016). | article
  8. Dehaene, S., Lau, H. & Kouider, S. Science 358,486–492 (2017). | article

يعمل هود ليبسون في قسم الهندسة الميكانيكية وعلم البيانات بجامعة كولومبيا، نيويورك، نيويورك 10027، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: hod.lipson@columbia.edu