أنباء وآراء

علم البيئة: العلاقة ثلاثية الأطراف في التكافل المرجاني

كشف تحليلُ الحمض النووي والفحص المجهري عن كائن مجهري ثالث في علاقة التكافل التي تشكّل المرجان. يؤكّد هذا الاكتشاف مدى التعقّد الوظيفي والتطوّري للعلاقات التكافلية، التي تدعم الكثير من النظم البيئية.

توماس إيه. ريتشاردز و جون بـي. ماكوتشون
  • Published online:

التكافل مفهومٌ سهل التعريف على نحو مخادع: كائنان حيان أو أكثر يعيشان معًا في ترابط طويل الأمد. ويُعد المرجان - وهو نتاج شراكة بين حيوان من طائفة الزهريات الشعاعية، وطحالب ميكروبيّة تُسمى «المتعايشات» - مثالًا نموذجيًا لعلاقة التكافل. إذ يوفّر الحيوان الزهري الشعاعي موطنًا للطحلب الذي بدوره يستخدم عملية التمثيل الضوئي لإنتاج سكّريّات يعطيها للحيوان، وكأنها «أجرةُ سكن»1. وهذه العلاقات التكافلية الثنائية الثابتة ذات الإنتاجية العالية، هي التي تبني الشعاب الهائلة التي تُحدّد شكل النظم البيئية البحرية. ويحتج كوونج وزملاؤه2 بعدم صحة هذا النموذج الثنائي البسيط للتكافل المرجاني، بالكشف عن طرف ثالث في هذه العلاقة.

الكائنات الحية المجهرية، وفقًا لتعريفها، هي كائنات دقيقة. وبوصفها كذلك، يصعب عزلها وإنماؤها ودراستها. ولم يتم الوقوف على مدى التنوّع الهائل للميكروبات إلاّ في العقدين الأخيرين بعد تطبيق تقنيات البيولوجيا الجزيئية على هذا المجال3.  ومعظم المجموعات المكتَشفة حديثًا من الميكروبات، هي سلالات غامضة تفُوق أعدادُها بدرجة كبيرة الأشكال المتنوعة "المعروفة" للحياة4، ولا يمكن تمييزها إلاّ بوصفها تسلسلاتٍ لأحماض نووية مُخزَّنة في قواعد للبيانات. ونعرف القليل عن شكل هذه الميكروبات أو كيفية عمل خلاياها، أو الدور الذي تؤدّيه في النظم البيئية، ولهذا فإن التحدّي الذي نواجهه يتمثّل في وضع مخطط لتسلسلات الأحماض النووية التي تعرف هذه الميكروبات للخلايا المادّية، كما يتمثل في الكشف عن الخصائص البيولوجية لتلك الكائنات الحية، وهي مهمةٌ ليست بالسهلة.

عُثر بشكل ثابت في عيّنات من النظم البيئية المرجانية5على اثنين من تسلسلات الأحماض النووية الغامضة هذه، ويسميان ARL-V (سلالة V ذات القرابة من معقدات القمة) والنوع N . وهناك أشجار تطوّرٍ توضح علاقة النسب التي تجمع الكائنات الحية المحتوية على ARL-V والنوع N بميكروبات معروفة، و تشير هذه الأشجار إلى أن هذه الكائنات الحية تنتمي إلى مجموعة معقدات القمة، وتشمل هذه المجموعة طفيليّات تصيب حيوانات بريّة، مثل أنواع المُتَصَوِّرة Plasmodium التي تسبب الملاريا. لهذا، فإن فهم المزيد عن منشأ وتطوّر الميكروبات التي تمثّلها هذه التسلسلات، موضع اهتمام واسع.

ورغم أن كثيرًا من الطفيليات المُنتمية إلى معقِّدات القمة تعيش في الظلام، فإنها تحتوي على آثار للبلاستيدات6، وهي بِنية تحتوي حمضًا نوويًا، توجد في خلايا النباتات والطحالب وتعد مطلوبة لأداء عملية التمثيل الضوئي. وليس من المفهوم بشكل كافٍ، الأصل التطوّري للبلاستيدات في معقّدات القمة، إذ إن هذه البلاستيدات لا تنتج عملية التمثيل الضوئي، ومع ذلك فقد احتفظتْ ببعض المسارات الكيميائية الحيوية، التي توجد جنبًا إلى جنب مع مسارات معالجة الضوء في بلاستيدات تضطلع بعملية التمثيل الضوئي. وتمثّل كثير من هذه المسارات أهدافًا محتملة لعمل عقارات مضادّة للملاريا. اكتُشفت أيضًا كائنات تمارس عملية التمثيل الضوئي وتجمعها علاقة قرابة بمعقدات القمة في بيئات بحرية7. لكن كيف تصبح هذه الميكروبات العصية على الفهم، والتي تحتوي على تسلسلي الحمض النووي ARL-V والنوع N، ضمن هذه المجموعة، وما الذي يمكنها أن تخبرنا به عن نظم المرجان البيئية، والتاريخ التطوّري لمعقدات القمة؟

الارتباطُ الظاهر بين بصمة الحمض النووي ذات التسلسل ARL-V والنوع N والمرجانيّات، وغيرها من أنواع الكائنات المقاربة (الشكل 1)، قد أثار اهتمام كوونج وزملائه، ففحصوا عيّنات أحماض نووية من 62 نوعًا بعضها برّي وبعضها من مرابي مائية، بحثًا عن بصمة ذات تسلسل من النوع N، ووجدوا أن 70% من الأنواع أظهرت احتواءها على هذا التسلسل.

الصورة 1 | تستضيف مجموعات بيولوجية مختلفة ساكنات المرجان: اكتشف كوونج زملاؤه2كائنات حية مجهرية تنتمي إلى مجموعة معقدات القمة  في عديد من الروابط التكافلية، مثل شقائق النعمان البحرية (أ) والمرجان (ب). وأطلق الباحثون اسم «ساكنات المرجان» على هذه الكائنات الحية المجهرية. (الصور مقدمة من ﭘـي. جيه. كيلينغ).

الصورة 1 | تستضيف مجموعات بيولوجية مختلفة ساكنات المرجان: اكتشف كوونج زملاؤه2كائنات حية مجهرية تنتمي إلى مجموعة معقدات القمة  في عديد من الروابط التكافلية، مثل شقائق النعمان البحرية (أ) والمرجان (ب). وأطلق الباحثون اسم «ساكنات المرجان» على هذه الكائنات الحية المجهرية. (الصور مقدمة من ﭘـي. جيه. كيلينغ).

كبر الصورة

Images courtesy of P. J. Keeling

وعند استخدام مسابر أحماض نووية مُعلًّمة بالفلورسنت، لاحظ كوونج وزملاؤه، أن جزيئات الحمض النووي ذات التسلسل من النوع N، وARL-V، تتعايش معًا في الخلايا الواقعة داخل التجويف المعدي للزهريات الشعاعية. وهذا النمط من التموضع الذي تظهره الخلايا التي تحمل التسلسل من النوع N والتسلسل ARL-V في المرجان يمكن تمييزه عن نمط تموضع طحالب جنس المتعايشات، وهو ما يشير إلى أن الكائنات المتكافلة التي أمكن التعرّف عليها حديثًا، تشترك في تفاعل مُنفصل تشريحيّا مع الحيوان الزهري الشعاعي. وأظهر الفحص المجهري الإلكتروني أن الخلايا ذات التسلسل ARL-V، والنوع N، تملك مجموعة سماتٍ كثيرة تُطابق خلايا معقدات القمة، وأطلق الباحثون، بشكل غير رسمي، على هذه الكائنات الحية اسم «ساكنات المرجان» "corallicolids".

استعمل كوونج وزملاؤه بعدها واسمات وراثية متعدّدة لتقصّي موقع ساكنات المرجان في شجرة الحياة، وهو ما أظهر موضعًا تطوّريًا مميّزًا: أن ساكنات المرجان أقرب نسَـبًا إلى معقدات القمة البريّة منها إلى معقدات القمة البحرية المُكتشفة سابقًا. وقد ألهم هذا الاكتشاف مؤلفي الدراسة، لأن يحددوا السلسلة الجينومية الكاملة لبلاستيدات ساكنات المرجان، وهو ما تسبب في مفاجأة أخرى، أن ساكنات المرجان احتفظت بجينات ترمز الجزيئات وتُصنّع الكلوروفيل، وهو الصبغة التي تمتصّ الطاقة من الضوء لتحقيق عملية التمثيل الضوئي،  لكنها فقدت جينات البلاستيدات التي تُرمّز بروتينات النظم الضوئية التي تنفّذ عملية التمثيل الضوئي.

لكن كيف أمكن لساكنات المرجان أن تتجنّب الآثار الكيميائية السامة الناتجة عن استثارة الكلوروفيل عن طريق الضوء، إذا ما كانت تفتقر إلى المنفذ الاعتيادي للنظم الضوئية؟ هناك تفسيران ممكنان، كلاهما مستبعد، على نحو يثير الحيرة. فعلى نقيض الحال في جميع الأنواع المعروفة التي تمارس التمثيل الضوئي من حقيقيات النوى (الأنواع التي تحمل أحماضها النووية في نواة)، فإن الجينات التي تُرمّز بروتينات النظام الضوئي في ساكنات المرجان قد تكون جزءًا من الجينوم النووي، بدلًا من أن تكون جزءًا من الجينوم البلاستيدي. وبعد التمثيل الضوئي، ربما كانت هذه البروتينات تنتقل إلى داخل البلاستيدات. بديلاً عن هذا، فقد يكون لساكنات المرجان مسارات كيميائية حيوية فريدة تتضمن "كلوروفيل" غير مرتبط بالنظم الضوئيّة.

عادة ما يستخدم مصطلح «التكافل» مرادفًا لمصطلح «تبادل المنفعة» وهي العلاقة التي تعود بالنفع على جميع الأطراف المشتركة فيها، لكن هذا تطبيق خاطئ للمصطلح، فهو يحجب جانبًا كبيرًا من الطبيعة الديناميكية لهذه التفاعلات8. والتقرير الذي أعدّه كوونج وزملاؤه، ليس أوّل حالة يتَّضح فيها أن نموذجًا كلاسيكيًا لعلاقة تكافلية بين طرفين يتبادلان فيها المنفعة، هي في حقيقة الأمر أكثر تعقيدًا من الطريقة التي وُصفت بها في الأصل، فالكثير من الأُشنات - وهي تعد مثالًا نموذجيًا آخر على التكافل - ليست مكوَّنة فقط من فطر واحد، وطُحلب واحد، بل من ثلاثة أو أربعة شركاء ثابتين تطوريّاً.9،10

لماذا توجد متكافلات إضافيّات في هذه العلاقات؟ نعتقد أن الجواب عن ذلك مرتبط بطبيعة عملية التغذية في التكافلات. ففي كلٍ من المرجانيّات والأشنات، يوجد كائن حي يتولّى تخليق مركّبات كربونية وتسريبها إلى كائن حيّ آخر، مقابل المأوى ومنافع أخرى. ويبدو من غير المفاجيء أن تستغلّ كائنات حية أخرى إما المركّبات المُسرّبة وإما استعداد الكائن الحي الأكبر لاستضافة كائن حي أصغر منه. وخلال عملية الاستغلال هذه، من الممكن أن يكون للأطراف الجُدد وظيفة نافعة لعملية التكافل.

يكمن التحدّي الآن في تحديد دور الأطراف الإضافية في المرجانيّات والأشنات وعديد من الأنظمة التكافلية الأخرى، كما يمكن في إعادة النظر في دور الأطراف المعروفة بالفعل، في ضوء الأدلّة الجديدة. فهل تُسبّب الأطراف الإضافية مرضًا ضمن عملية التكافل؟ إن فحصًا منهجيًا لفرضيات كوخ11، التي تثبت علاقة سببية بين ميكروبٍ ما والمرض، يتطلّب مزارع خلايا، وهذا ليس متاحًا مع ساكنات المرجان، ومعظم الفطريّات المرتبطة بالأشنات، لذا فإنه من الصعب تحديد احتمالية وجود رابط بينها وبين المرض. هل توفّر الأطراف الجديدة بعض الخدمات الغذائية،12 أو خدمات حماية التكافل المهمة؟ هل تؤدّي مهام  ضبط ضامنة استقرار هذا المجتمع؟

لن نستغرب إذا اَّتضح أن عديدًا من الأطراف الإضافية التي أمكن التعرّف عليها في هذه العلاقات التكافلية، تلعب أدوارًا عديدة وديناميكية. وسيكون حل هذا اللغز تحديًا، لكن من شأنه أن يُخبرنا بالكثير عن منظور هذه الكائنات الحية لبعضها، وعن كيفيّة تفاعلها في سياق اجتماعي مُعقّد، وعن أنواع التفاعلات التي تُبنى عليها، في النهاية، العلاقاتُ التكافلية التي يعتمد عليها الكثير من النظم البيئية.

References

  1. Baker, A. C. Annu. Rev. Ecol. Evol. Syst. 34, 661–689 (2003). | article
  2. Kwong, W. K., del Campo, J., Mathur, V., Vermeij, M. J. A. & Keeling, P. J. Nature 568, 103–107 (2019).| article
  3. Pace, N. R. Science 276, 734–740 (1997).| article
  4. Hug, L. A. et al. Nature Microbiol. 1, 16048 (2016).| article
  5. Janouškovec, J., Horák, A., Barott, K. L., Rohwer, F. L. & Keeling, P. J. Curr. Biol. 22, R518–R519 (2012).| article
  6. McFadden, G. I., Reith, M. E., Munholland, J. & Lang-Unnasch, N. Nature 381, 482 (1996).| article
  7. Moore, R. B. et al. Nature 451, 959–963 (2008).| article
  8. Wooldridge, S. A. BioEssays 32, 615–625 (2010). | article
  9. Spribille, T. et al. Science 353, 488–492 (2016).| article
  10. Tuovinen, V. et al. Curr. Biol. 29, 476–483 (2019).| article
  11. Fredericks, D. N. & Relman, D. A. Clin. Microbiol. Rev. 9, 18–33 (1996).| article
  12. Lesser, M. P., Mazel, C. H., Gorbunov, M. Y. & Falkowski, P. G. Science 305, 997–1000 (2004). | article

يعمل توماس أيه. ريتشاردز في مجال علوم الأحياء لدى معهد النظم الحيّة في جامعة إكسيتر بمدينة إكسيتر البريطانية، EX4 4QD، أما جون ﭙـي. ماكتشون فيعمل لدى قسم علوم الأحياء في جامعة مونتانا بمدينة ميسولا في ولاية مونتانا الأمريكية، 59812.

عنوانا بريديهما الإلكترونيّان: t.a.richards@exeter.ac.uk و john.mccutcheon@umontana.edu