كتب وفنون

زوجة أينشتاين: حياة في الظل

تستعرِض آن فينكباينر دراسةً تقيِّم ما إذا كانت ميلِفا ماريتش قد أسهمت في النظريات التي عاصرتها، أم لا.

  • Published online:
صورة تجمع ميلفا ماريتش وألبرت أينشتاين في عام 1912.

صورة تجمع ميلفا ماريتش وألبرت أينشتاين في عام 1912.

ICTURELUX/THE HOLLYWOOD ARCHIVE/ALAMY

زوجة أينشتاين: القصة الحقيقية لميلِفا أينشتاين-ماريتش

ألين إيسترسون، وديفيد سي. كاسيدي، وروث لوين سايم، مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (2019)

في عام 1896، التحق طالبان بجامعة سويسرية معًا، هما: ميلفا ماريتش، الصربية ابنة العشرين عامًا، وألبرت أينشتاين، الألماني ابن السابعة عشر عامًا. دَرَس كلاهما الفيزياء، كما دَرَس كل منهما بعض المقررات الدراسية عينها، وفي كثير من تلك المقررات حصلا على تقديرات دراسية متقاربة. درسا معًا، وتَحَابّا، وتزوجا. بعد ذلك.. شقّ أينشتاين طريقه، وأَسَّس الفيزياء الحديثة، في حين واجهت ماريتش وابلًا من الإخفاقات على المستويين؛ الشخصي، والمهني، في الوقت الذي كان من المفترض فيه لمسارها المهني أن يبدأ. وبعد مُضي عدة عقود، نُشرَت خطاباتهما، وذكريات معارفهما، وسيرتهما الذاتية. ومنذ ذلك الحين، والباحثون يتجادلون حول مقدار الفضل الذي ينبغي أن يُنسَب إلى ماريتش في إسهامات أينشتاين المذهلة في علم الفيزياء.

سطر كتاب "زوجة أينشتاين" Einstein’s Wife - أحدث أطروحة عن هذا التاريخ محل الجدل - ثلاثة مؤلفين؛ إذ يقدم المؤرخ العلمي ديفيد كاسيدي تأريخًا مبنيًّا على الأدلة لحياة ماريتش وزواجها بأينشتاين؛ فيما يحلل ألين إيسترسون - المُحاضِر السابق في الفيزياء والرياضيات - المزاعم المتعلقة بتأثيرها وإسهاماتها؛ أما روث لوين سايم، الكيميائية ومؤلفة كتاب "ليز مايتنر: حياة في الفيزياء" Lise Meitner: A Life in Physics، الصادر في عام 1996، فتقدم سياقًا تاريخيًّا عن مكانة العالِمات شديدات الندرة في تلك الحقبة. ويبدو أن الآمال معقودة على أن يجمع القارئ الأدلة والتحليلات والسياقات معًا، وأن يحصل - على الأقل - على قدر من الفهم للجدل الدائر حول فضل ماريتش. و(تحريًا للصراحة التامة، أقول إنني قرأت مسودة مبكرة للكتاب، بناءً على طلب كاسيدي، ولم يكن لي رأي حاسم بصددها، وأجد أن الكتاب المنشور أيسر في التقييم).

تعاملت ماريتش مع الموانع التي كانت تعوق النساء عن دراسة مقررات الفيزياء والرياضيات، عن طريق الانتقال إلى الدول والمؤسسات التعليمية التي كانت هذه المقررات متاحة فيها للنساء، والحصول على تقديرات جيدة. كان معهد العلوم التقنية السويسري في زيورخ (الذي عُرِف لاحقًا باسم المعهد الفيدرالي للتكنولوجيا في زيوريخ، ETH Zurich) واحدًا من هذه المؤسسات. وهناك، وجدت ماريتش وأينشتاين أنهما كانا غير بارعين بالقدر نفسه في الرياضيات. أما في الفيزياء، فكان أداؤهما متباينًا، إذ كانت درجات ماريتش جيدة عمومًا، في حين كانت درجات أينشتاين استثنائية. وعلى ما يبدو أن جزءًا من الرابطة التي جمعت بينهما كان علميًّا؛ ففي خطابات أينشتاين الموجهة إليها في ذلك الوقت كان يكتب مِرارًا وتكرارًا عن الأفكار المتعلقة بالحركة النسبية، وقوى الجزيئات — التي نال الشهرة بفضلها لاحقًا — مستخدمًا الكلمتين "نحن"، و"خاصتنا".

وعلى مدار السنوات القليلة التالية، تدهور مسار ماريتش التعليمي؛ إذ جاء أداؤها سيئًا في الاختبارات، ورُفِض طلبها للحصول على «دبلومة»، وصارت حبلى وهي غير متزوجة، وفي عام 1902، ولدت فتاة، يُذكر أنها إما توفيت، أو تبناها أحدٌ ما. وفي نهاية المطاف، تزوجت هي وأينشتاين في عام 1903. وبعد أن استقرت في دور ربة المنزل التقليدي، ولدت طفلًا آخر في عام 1904. وكان هذا ما آل إليه  مسارها العلمي. بعد ذلك.. حلَّ عام أينشتاين الإعجازي؛ إذ غيرت ورقاته البحثية في عام 1905 حول النظرية الذَّرِّية والكَمِّية والنسبية مسار علم الفيزياء. وفي عام 1919، تم الطلاق بين الزوجين، بعد ستة عشر عامًا من الزواج، وبعد أن رُزِقا بطفل ثالث.

حجة غير مباشرة

لم تنشر ماريتش أي بحث، ولم تطالِب بنَسْب الفضل إليها في أي بحث نشره أينشتاين؛ فأي عمل قاما به معًا كان من شأنه أن يُنجَز على نطاق خاص. ومن ثم، فإن كل الحجج المؤيدة والمعارِضة لمشاركتها في معجزات أينشتاين يجب أن تكون غير مباشرة، غير أن الافتقار إلى الأدلة لم يتسبب قط في إيقاف أي جدل. زعمت سيرة لحياة ماريتش، نُشِرَت في عام 1969، كتبتها ديزانكا تربوفيتش-جوريتش، مدرِّسة علوم بالمرحلة الثانوية، أن دور ماريتش في نجاح أينشتاين كان "كبيرًا ومؤثرًا". وهذا الحُكْم مبنِيّ على أقاويل مأخوذة من معاصرين لهما، وعلى نجاح ماريتش الأكاديمي في البدايات، وعلى مَنْح أينشتاين أموال جائزة نوبل (التي فاز بها في عام 1921) لماريتش، كجزء من تسوية الطلاق. ولاحقًا، عملت عالمة اللغويات سنتا تروميل-بلوتز بالاشتراك مع إيفان هاريس ووكر - الفيزيائي والمتخصص في علم النفس الموازي - على تحليل خطابات كتبها كلُّ من الزوجين للآخَر، وتلك التي كتباها للآخرين (فضلًا عن تحليل المقابلات التي جرت مع ابنهما هانس-ألبرت، والتي ناقض فيها نفسه)؛ للدلالة على أنها تُظْهِر أن أفكار ماريتش لعبت دورًا محوريًّا في علم أينشتاين. وعلى مر السنوات، تكررت هذه القصة في مطبوعات ذات نطاق محدود، وأغلبها يشير إلى المصادر القليلة نفسها.

ليس من قبيل المفاجأة - بطبيعة الحال - أن يتم التغاضي عن إسهامات إحدى النساء. فمنذ نشأة العلوم المهنية في القرن التاسع عشر، لم تحصل العالِمات غالبًا على أي تقدير لعملهن، إلا في حالات استثنائية بارزة. وبالإضافة إلى ذلك.. فإن أعمال العالمات اللواتي تعاوَنَّ مع أقرباء من الرجال كثيرًا ما كانت تُضَمّن في أعمال ذلك الأخ، أو الأب، أو الزوج، كما في حالة عالمة الفلك كارولين هيرشل، أو الكيميائية ماري-آن لافوازييه. ورغم الجهود الكبيرة المبذولة في سبيل تصحيح هذا الوضع، كما في مشروع ويكي المرأة العالمة، التابع لـ«ويكيبيديا»، إلا أنه لا يزال قائمًا.

مزاعم هَشّة

إنّ احتمالية عدم الاعتراف بجهد ماريتش لا تعني أنها أسهمت في أعمال أينشتاين بالفعل. ويقدِّم إيسترسون الحجة المضادة... فقد تتبَّع وحلل - على نحو شامل - أصل كل مصدر من المصادر. وقد وجد، مثلًا، أن استخدام أينشتاين للكلمتين "نحن"، و"خاصتنا" لم يكن من الممكن أن يكون إشارة إلى وجود تعاون حقيقي، وذلك لأسباب عدة، منها: أنه ليس مثبتًا أن ماريتش نفسها أشارت إلى النسبية الخاصة، ولم تكرر هاتين الكلمتين في خطاباتها، ولم تكن تمتلك - على الأرجح - الأساس اللازم للمشاركة في الموضوع. جاء السرد الذي قدمه إيسترسون مفصلًا، لكنه أيضًا مكرر ومثير للارتباك، وجزء من هذا سببه أنه كان يدقق في كل عملية إعادة استخدام لمصادر محددة. وبما أنه وجد في جميع الحالات أن كل مؤيدي نظرية إسهام ماريتش في أعمال أينشتاين مخطئون، فإنّ حججه تبدو مثيرة للجدل، بل ومتعصبة.

وبالمثل، رفض مؤرخون ذوو مصداقية – من أمثال جيرالد هولتون - المزاعم المتعلقة بإسهام ماريتش، غير أن المصداقية لا حاجة إليها هنا، لأن هذه المزاعم هشة للغاية. فالمزاعم التي يقتبسها إيسرتسون تبدو أشبه بخيالات المعجبين، إذ تقتبس أقاويل متواردة عن أقرباء، وتبالِغ في تأويل الوقائع، أو تذكُّر محادثات وأحداث لا يمكن لأحد سوى ماريتش وأينشتاين أن يكون على علم بها. فلا يوجد أي دليل مؤيد لكلا الطرفين.

في موضع ما وسط تلك الضجة والارتباك، تكمن الشخصية الحقيقية الذي تُظْهِرها أدلة كاسيدي: امرأة ذكية عملت بجد؛ كي تحصل على تعليم مرهق ذهنيًّا، وعانت من ضربات شخصية عميقة، فضلًا عن الجرح الأعمق المتمثل، في كونها تنتمي إلى الجنس الخطأ في مطلع القرن الخطأ. نحن بحاجة إلى الاهتمام بمثيلاتها في قرننا الحالي. فلا تزال الكفة في غير صالح النساء العالمات. ولا يزال يتعين على أي امرأة في مرحلة تشكيل شخصيتها المستقلة - على شاكلة ميلفا ماريتش- في القرن الواحد والعشرين أن تواجه الحرمان من الفضل. ولن يكون هذا إلا عقبة واحدة في قائمة طويلة من العقبات، والتحيز.

آن فينكباينر كاتبة حرة في مجال العلوم من بلتيمور، ولاية ميريلاند، ومؤلفة كتاب The Jasons. كما تكتب تدويناتها على موقع: www.lastwordonnothing.com.

البريد الإلكتروني:  anniekf@gmail.com