رؤية كونية

لماذا التزم العلماءُ الصمتَ حيال الطفلتين المعدَّلَتين وراثيًّا؟

تقول ناتالي كوفلر إنه في سبيل تحقيق النجاح كباحثين، يتعين علينا التأمل في آثار عملنا على المجتمع، والكشف عن الممارسات الخاطئة، متى اقتضت الحاجة. 

  • Published online:

IAN CHRISTMANN

أُصيب الملايين بالذهول عند معرفتهم بمولد طفلتين ذواتَي جينات محرَّرة في العام الماضي، لكنْ يبدو أن عددًا من العلماء كانوا على علم مسبق بالحدث. فالباحث الصيني هُو جيانكوي كان قد تَحَدَّث إليهم بشأن خططه الرامية إلى تعديل أجنة بشرية وراثيًّا، مُعَدَّة لإحداث حمل. أنهى الباحث عمله قبل إجراء ما يكفي من الدراسات على الحيوانات، وذلك في انتهاك مباشر للإجماع الدولي للدوائر العلمية، الذي استقر على عدم استعداد تكنولوجيا «كريسبر-كاس9» للتحرير الجيني، أو مناسِبة لإحداث تغييرات بشرية يمكن توارُثها عبر الأجيال.

عبّر العلماء الذين تحدثوا علنًا بخصوص مناقشاتهم مع هُو عن شعورهم بعدم الارتياح، لكنهم دافعوا عن صمْتهم بالإشارة إلى عدم تأكُّدهم من نوايا هُو، أو اطمئنانهم إلى عدوله عنها، بالإضافة إلى شعورهم بالالتزام بالسرية، إلى جانب غياب هيئة رقابة عالمية، وربما يكون السبب الأخير هو الأكثر اتساقًا. كما استند الباحثون الذين لم يُقْدِموا على الإدلاء بشهاداتهم، غالبًا إلى منطق مشابه، غير أن تجارب هُو تُعَرِّض صحة البشر للخطر؛ وكان بإمكان أي شخص يملك قدرًا كافيًا من المعرفة والاهتمام أن ينشر الأمر على المدوّنات، أو أن يتواصل مع القيادات الأكاديمية، أو معاهد الصحة الوطنية الأمريكية، أو الجمعيات العلمية ذات الصلة، مثل جمعية البحث المسؤول والابتكار في مجال تحرير الجينوم (انظر صفحة 440 من عدد 28 فبراير 2019 من دورية Nature)، طالبًا منهم التدخل. ولسوء الحظ، أعتقِدُ أن قليلاً من العلماء المرموقين كانوا سيدركون ما عليهم من التزام بالإفصاح عن هذه الأبحاث.

إنني على اقتناع بأنّ هذا الصمت هو عَرْض لأزمة علمية ثقافية أوسع نطاقًا، وهي اتساع الهوة بين القِيَم التي يعتنقها المجتمع العلمي، والرسالة التي يضطلع بها العِلْم ذاته.

من الأهداف الأساسية للمساعي العلمية.. النهوض بالمجتمع عن طريق المعرفة والابتكار؛ فنحن كعلماء نكافح لعلاج الأمراض، وتحسين الصحة البيئية، واستيعاب موقعنا في هذا الكون، بيد أن القيم السائدة المتجذرة في وعي العلماء تدور حول فضائل الاستقلالية، والطموح، والموضوعية، وهي مجموعة غير كافية من المهارات في مجملها عندما يتعلق الأمر بدعم رسالة النهوض بالمجتمعات.

لا شك أن الاستقلالية، والطموح، والموضوعية هي أمور أساسية؛ فاستقلاليتي قد منحتني الحرية اللازمة لاستكشاف فرضيات متعلقة بجهاز القلب والأوعية الدموية، وطموحي هو ما جعلني أجتاز سنوات التدريب؛ للحصول على درجة الدكتوراة، وزمالات ما بعد الدكتوراة، أما الموضوعية، فقد مكّنتني من مقاومة التحيز عند جمْع البيانات وتقييمها. وبالرغم من كل ذلك.. يبقى هناك فارق جوهري بين إدارة التجارب، والتفكير مليًّا في تطبيقاتها.

نحن بحاجة إلى إمعان التفكير في كيفية ملائمة جهودنا البحثية للمجتمع، وهو أمر لا يتطلب إعمال عقولنا فقط، بل وعواطفنا أيضًا. إنني أخشى أن يكون العِلْم قد فقد روحه في خضمّ سعيه لتحقيق الموضوعية.

ربما يُحْدِث تحرير جينات الأجنة تغييرًا في المسار التطوري لنوعنا. ربما نشهد يومًا ما نجاح هذه التكنولوجيا في القضاء على أمراض وراثية، مثل فقر الدم المنجلي، والتليف الكيسي، لكنها قد تؤدي أيضًا إلى اختفاء مرض الصمم، أو حتى العيون ذات اللون البني. وهكذا، وبينما نسعى لتحسين النوع البشري، ربما نفقد مَواطن قُوّتنا التي نستمدها من تنوعنا، وتتعرض حقوق الفئات السكانية الضعيفة للخطر.

إنّ القرارات التي تتعلق بما إذا كان يجب استخدام هذه التكنولوجيا، والطريقة التي تُستخدم بها، لهي عملية تستدعي مجموعة موسعة من الفضائل العلمية، منها: التعاطف، الذي يضمن تصميم تطبيقات هذه التكنولوجيا بطريقة تكفل عدالتها، والتواضع الذي يضمن الانتباه لمخاطرها، والإيثار بما يضمن الإنصاف في توزيع منافعها.

 يجعلنا التعاطف ننظر إلى الطفلتين التوأمتين مُعَدَّلَتَي الجينومات باعتبارهما اثنتين من البشر موجودتَين على قيد الحياة، تتنفّسان، وقد تتعرض صحتهما (وصحة أطفالهما في المستقبل) للضرر، كما يسمح لنا هذا بالتعاطف مع والدَي هاتين الصغيرتين، وأن نشاطرهما ما ينتابهما من مشاعر الخوف، والغضب، والحيرة، والتعرض للظلم. ويكشف لنا التواضع عن مدى ضآلة ما نعرفه عن هذه التكنولوجيا الناشئة، والمخاطر المحتمَلة التي تحدق بهاتين الطفلتين الآن. أما الإيثار، فهو يسمح لنا برؤية كيف يمكن لهذه التجارب الشاذة أن تعرقل محاولات يمكنها أن تفيد الأشخاص الذين يعانون أمراضًا تهدد حياتهم، أو قابلة للتوريث.

تَلْقَى النداءات الداعية إلى تعزيز الإشراف العالمي وتوظيف أُطُر عمل أخلاقية فعالة صدى واستجابة، إذ يخضع بعض الباحثين ممن كانوا على دراية - فيما يبدو - بتجارب هُو للتحقيق من قِبَل جامعاتهم. وقال المحققون الصينيون إنّ هُو قد تحايل على اللوائح؛ وسوف يلقى عقابه. بالرغم من كل ذلك.. فإن العقاب ليس إلا محفزًا ناقصًا، إذ لا بد من تربية شعور بالقيم المجتمعية عند الباحثين.

مِن حسن الحظ أن المبادرات المنبثقة في مختلف قطاعات المجتمع العلمي تنمِّي بالفعل ثقافة علمية تشكِّلها مجموعة أوسع من القِيَم والاعتبارات؛ فمبادرة المواطَنة العلمية بجامعة هارفارد في كامبريدج، ماساتشوستس، تدرِّب العلماء على التوفيق بين أبحاثهم، والاحتياجات المجتمعية. هذا.. فضلًا عن برنامج التدريب الصيفي للشعوب الأصلية فيما يخص علم الجينوم، وهو برنامج يقدم تدريبًا متخصصًا في علم الجينوم، ويركز أيضًا على دمج الرؤى المتعلقة بالثقافات الأصلية في الدراسات الجينية. وعلى الصعيد نفسه.. استحدث معهد ناو للذكاء الاصطناعي بجامعة نيويورك منهجًا شاملًا لأبحاث الذكاء الاصطناعي، يضم مفاهيم الدمج، والتحيز، والعدالة. وإضافة إلى كل ما سبق.. فقد أسستُ برنامجًا يسمى «تعديل الطبيعة»، وهو بمثابة مبادرة تعنى بتوفير منصّات تدمج المعرفة العلمية بالرؤى الثقافية المتنوعة حول العالم، وذلك بهدف تعزيز التنمية المسؤولة للتكنولوجيات البيئية الوراثية.

مثل هذه المبادرات هي دليل على أن العِلْم يزداد إنصافًا، وعدلًا، ووعيًا اجتماعيًّا. لقد قطعنا شوطًا طويلًا منذ ذلك الحين الذي مَنعَتْ فيه «تجارب» توسكيجي وصول العلاج إلى المصابين السود بمرض الزهري؛ بغرض ملاحظة المراحل الأخيرة من المرض. ومنذ تلك الحقبة، التي شهدت أَخْذ الخلايا السرطانية الخاصة بـ«هنريتا لاك» دون موافقتها، لكنْ لا يزال أمامنا طريق طويل، علينا أن نقطعه. فالمبادرات العلمية ذات الخلفية الاجتماعية في حاجة إلى دعم أوسع من الأوساط العلمية، والممولين، وواضعي السياسات. وإذا كنا نودّ حقًّا النهوض بالعلم، فيجب علينا أن نجمع في قلوبنا بين شعلة الحماس، والعطف والشفقة.