موجزات مهنية

انتقالات: نداء الوطن

بالنسبة لبعض ممن يتدربون خارج أوطانهم، فإن العودة إليها خيار قائم لا تراجع مهنيّ.

إيلي دولجين
  • Published online:

Kee Kooh Chen

رَغِبَ كثيرون في ضمّ أرون شوكلا إليهم. فبعد حصوله على درجة الدكتوراة في ألمانيا، وإنهائه دراسات ما بعد الدكتوراة في الولايات المتحدة، حيث تمكَّن خلال هذه الفترة من تفكيك الشكل ثلاثي الأبعاد لبعض البروتينات الغشائية، المعروفة بكونها عصيّة على الفهم، وجزيئاتها التنظيمية، بدأ عالِم الأحياء البنيوية - هنديّ المولد - رحلة البحث عن فرصة عمل بدوام كامل.

تلقّى شوكلا دعوات من زملاء له حول العالم، للتقدم للحصول على فرص عمل دائمة، كثير منها في معاهد في أوروبا وأمريكا الشمالية، تتصدر قمة تصنيفات الجامعات العالمية، لكنّ اثنى عشر عامًا بعيدًا عن وطنه كانت فترة طويلة بما يكفي، في عام 2014 عاد شوكلا بصحبة زوجته وابنه الصغير، لينشئ مختبرًا تابعًا للمعهد الهندي للتكنولوجيا في مدينة كانبور، التي لا تبعد كثيرًا عن المدينة التي نشأ بها، وحيث لا يزال يعيش الكثير من أفراد عائلته المباشرين. والآن، يشير إلى أنه لكي يزور والديه، اللذين يرغبون في رؤية حفيدهما واللعب معه أوقاتاً أكثر، لن يكون عليه إلا قطع مسافة 200 كيلومتر، لا عشرة آلاف كيلومتر.

كان شوكلا يدرك أن فرص التمويل، والبنية التحتية التقنية، والسمعة الأكاديمية، لن تكون على المستوى نفسه في الهند، لكنه كان مصممًا على وضع بلاده على الخريطة البحثية فيما يتعلق بمجال تخصصه رفيع المستوى (بيولوجيا البروتينات الغشائية) ، ويقول: "كنت قد اتخذت قراري، وعليَّ أن أحاول". 

يسارع كثير من العلماء الذين تلقوا تدريبًا على المستوى الدولي إلى فرص عمل تتيح لهم البقاء لمدى طويل في المعاهد رفيعة المستوى خارج بلادهم، وذلك حسبما توضح بيانات استقصائية جمعَتْها كاثرين بودري، في معهد «إيكول بوليتكنيك» في مونتريال، في كندا وزملاءها. شمل استطلاع الرأي، أكثر من 7500 عالِم شاب من شتى بلدان أفريقيا، حول العوامل التي تؤثر على تفضيلاتهم البحثية، وتطور حياتهم المهنية.

كشفت النتائج، التي نُشرت في نوفمبر الماضي، أنه من بين أولئك الذين تلقوا تدريبًا خارج بلادهم، فضّل معظمهم البقاء بالخارج، لكنهم لم يجدوا وظائف ثابتة، إلا عند عودتهم إلى أفريقيا. تُعَلِّق كاثرين بودري، خبيرة الاقتصاد في معهد التقنيات المتعددة بمونتريال في كندا، التي أدارت الاستطلاع: "القليل جدًّا منهم اختاروا العودة إلى أوطانهم".

إن سوق العمل الأكاديمي العالمي شديد التنافس، وغالبًا ما توجد الوظائف الأكثر استقرارًا في أماكن أخرى غير المراكز البحثية المتقدمة والمهيمنة على قوائم أفضل الجامعات. وبوجه عام.. فإن الباحثين الذين غادروا أوطانهم سعيًّا للحصول على درجة الدكتوراة، أو لعمل دراسات ما بعد الدكتوراة، في معاهد من هذه الفئة، يعودون إلى أوطانهم بحكم الضرورة، وليس تفضيلًا لهذا الخيار عن غيره.

إنّ شوكلا حالة استثنائية. فهو عالِم مرغوب فيه، لكنه قرر - لأسباب تتعلق بالوطنية، والعائلة، ودوافع شخصية أخرى - أن يخوض مغامرة مهنية، ويعود إلى وطنه. يشعر شوكلا، وغيره من الباحثين الذين يتخذون قرارات مماثله، أنهم يستطيعون تحقيق تأثير مجتمعي أكبر، أو أن يحظوا بحياة شخصية مُرْضية أكثر بالعودة إلى بلادهم الأصلية. وبفعل ذلك.. يلهمون أجيالًا جديدة من الباحثين لاتخاذ القرار نفسه.  

البدء من نقطة الصفر

يَعتبِر أبّو كومار سينج - الذي يدرس بيولوجيا القنوات الأيونية في مركز إيرفنج الطبي بجامعة كولومبيا في مدينة نيويورك - شوكلا مثلًا أعلى، ويقول: "إنجازاته العلمية على مدار العقد الماضي كباحث مستقل محدود الموارد شجعت زملاء ما بعد الدكتوراة مثلي، الذين قد لا يعودون في حالة أخرى إلى الهند، على فعل المِثل".

التحدي الأول الذي واجه شوكلا بعد عودته كان إيجاد الموارد اللازمة لاستكمال أبحاثه على بِنى البروتينات. ناقش خططه مع العديد من أبرز العلماء في الهند، موضحًا أن تكوين خبرة محلية في مجال البيولوجيا البنيوية للبروتينات الغشائية يتطلب الحصول على أحدث مجاهر الإلكترون لفحص العينة بالتبريد. يتذكر شوكلا ذلك قائلًا: "قيل لي بكل وضوح إن هذا لا يمكن تحقيقه في الهند"، لكن هذا النوع من الردود لم يزده إلا عزمًا.

قدّم شوكلا وزملاؤه من أنحاء مختلفة من البلاد عريضة إلى الحكومة الهندية، يطلبون فيها الاستثمار في البنية التحتية اللازمة، ومعدات الدعم. وفي العام الماضي، جنى الضغط ثماره. ففي يناير 2018، افتُتح  المرفق الوطني لمجهرية إلكترون العينة المبردة - التابع للمركز الوطني للأبحاث البيولوجية في مدينة بنجالور – بتكلفة قدرها 650 مليون روبية (9 ملايين دولار أمريكي). ومنذ ذلك الوقت، ضمن المعهد الهندي للعلوم - الواقع في المدينة نفسها - الحصول على معداته الخاصة بمجهرية إلكترون العيِّنة المبرَّدة. ويأمل شوكلا وفريقه في افتتاح مَرافق أخرى مماثلة في أنحاء البلاد، وتحديدًا في مدينة كانبور.

استغل شوكلا المَجاهر الجديدة في بنجالور؛ لوضع تصوُّرٍ عن التكوينات المميزة للبروتينات الغشائية، إذ تتحد مع جزيئاتها المنشطة. ويقول إن هذه هي المرة الأولى التي يُجرى فيها هذا النوع من الأبحاث بالكامل في الهند. حصل شوكلا على منحة بحثية كبيرة مِن تحالُف الهند (وهي مباردة تموِّلها كل من المنظمة غير الهادفة إلى الربح، «وِيلْكَم تراسْت»، ومقرها لندن، والإدارة الهندية للتكنولوجيا الحيوية)، بالإضافة إلى قدر أصغر من المال، تقدِّمه إدارة العلوم والتكنولوجيا الهندية.

وعلى غرار شوكلا، قضت بيلجه ديميركوز السنوات الأولى التي أعقبت عودتها إلى بلدها تركيا في الضغط على الحكومة؛ كي تستثمر في البنية التحتية. قضت ديميركوز 14 عامًا تتدرّب في مجال فيزياء الجسيمات الفلكية في أمريكا الشمالية وأوروبا، قبل أن تقبل وظيفة في جامعة الشرق الأوسط التقنية بأنقرة (METU). كان بإمكانها الاستمرار في العمل بالمختبر الأوروبي لفيزياء الجسيمات (CERN)، وهو مختبر الفيزياء الجزيئية، الذي يقع بالقرب من جنيف في سويسرا، لكنها فَضّلت العودة إلى وطنها "لأسباب ذات طابع مثالي"، على حد قولها.

تعثرت إنتاجيتها البحثية في البداية، واحتاجت ديميركوز إلى نوع من المعدات عالية القدرة، والمكلفة أيضًا، يُدعى «جهاز مسار الأشعة»، كي تستمر في دراسة تفاعلات الجسيمات. استغرق الأمر بضع سنوات، لتوفير التمويل اللازم لبناء هذه الآلة بتكلفة 7 ملايين ليرة (1,3 مليون دولار)، التي يبلغ حجمها حجم غرفة كاملة، في مركز «سرايكوي» للتدريب والبحث النووي، التابع لوكالة الطاقة الذرية التركية في أنقرة. وفي النهاية، تجمعت لها كافة السبل، وبدأت في أواخر عام 2017 في إجراء تجارب معايرة مبدئية على جهاز تشتيت مسار الأشعة، الخاص بجامعة الشرق الأوسط التقنية (METU)، وهو الجهاز الأول من نوعه في تركيا. ومن المتوقع أن يبدأ التشغيل الكامل للجهاز خلال العام الحالي.

بجانب القيود على المعدات والموارد المادية، فإن الباحثين الذين يقررون إنشاء مختبرات في أماكن لا تشتهر بالتقدم العلمي، قد يضطرون كذلك إلى تدبير أمورهم بالاستعانة بعدد محدود من الموارد البشرية. واجهت عالمة الفيزياء الحيوية يانا سوكوفسكا هذا التحدي، بعد أن قررت تكوين مجموعتها البحثية في جامعة وارسو في وطنها بولندا. انجذبت سوكوفسكا إلى المجال البحثي متسارع التطور في بولندا، الذي ازداد الإنفاق الإجمالي الداخلي فيه بما يقارب الضعف، الأمر الذي يخلق وفرة من الفرص التمويلية، لكنها تقول إنه من الصعب تعيين باحثي ما بعد الدكتوراة هناك، مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث تلقّت تدريبها.

ورغم ذلك.. تعكس حقيقة اختيار سوكوفسكا الرجوع إلى وطنها تحولًا في واقع المشهد العلمي العالمي، الذي تبتعد فيه الهيمنة الأكاديمية، ومعها وفرة التمويل والموارد، بمعدل سريع عن بؤرها التقليدية في الغرب.

في الصين، على سبيل المثال، عندما صُحح مسار الإنفاق على البحث والتطوير، كي يستهدف القوة الشرائية، أصبح من المتوقع أن يتفوق على نظيره في الولايات المتحدة مع نهاية عام 2018. إنّ رجوع الباحثين إلى الجامعات الصينية اليوم لم يعد تراجعًا مهنيًّا، على حد زعم يوهانس جيفيرز، المتخصص في علم النفس المهني بمعهد الابتكار والتكنولوجيا في برلين، الذي دَرَس - بالتعاون مع بودري وأعضاء آخرين من أكاديمية الشباب العالمي - المسارات المهنية للعلماء الشبان من عدة بلدان آسيوية.

يقول جيفريز: "إنهم يدركون تحوُّل ميزان القوى نحو الشرق، ومن ثم أضحت العودة إلى الوطن خيارًا مقبولًا".

مرحلة التأقلم

خبيرة الإحصاء الماليزية، وينج كي هو، واحدة ممن فضلوا هذا الخيار. فقد حصلت على درجة البكالوريوس وشهادات الدراسات العليا في المملكة المتحدة، وكانت في سبيلها لإكمال شهادة ما بعد دكتوراة ثانية، عندما زارت عددًا من جهات العمل المحتملة – أثناء عطلة قضتها في كوالا لامبور - ، من بينها جامعة نوتنجهام في ماليزيا في مدينة سيمينيه، حيث تعمل الآن، والمعهد الماليزي لأبحاث السرطان في سوبانج جايا، الذي تنتسب إليه كذلك.  

عندما تمخضت الزيارة غير الرسمية عن عرض عمل رسمي، استشارت كي هو المشرف السابق على رسالتها للدكتوراة - وهو بريطاني الجنسية - حول ما إذا كانت العودة إلى ماليزيا قرارًا حكيمًا من الناحية المهنية، أم لا. وقد أبدى دعمه لهذه الخطوة، حيث تقول كي هو: "كان لهذا تأثير هائل على قراري". وما حسم المسألة هو أن كي هو أصبحت حاملًا، وهي تقول: "أفضل الأشياء هو أن يحظى الطفل بفرصة النمو، محاطًا بجدّيه، وأقاربه". عادت إلى ماليزيا في مايو 2013، ووُلد ابنها عقب ذلك التاريخ بأربعة أشهر.

تقول كي هو إن العودة إلى ماليزيا مثلت تحديًّا.. فالموارد كانت محدودة. وفي حين أُتيحت لها في جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة فرصة دراسة المتغيرات الجينية المرتبطة بأمراض القلب في مجموعات بيانية مستقاة من عشرات الآلاف من الأفراد، اضطرت في ماليزيا إلى الاكتفاء بأحجام عينات أقل بكثير، حجّمت التحليلات الممكن إجراؤها، لكنْ أصبح في وسعها الآن العمل على المشكلات الصحية التي تؤثر على سكان بلادها، حيث ساعدت - على سبيل المثال - في تصميم نماذج تحسب عوامل الخطر التي تؤدي إلى الإصابة بسرطان الثدي بين النساء الماليزيات، حيث تُتوقع زيادة نسبة الإصابة بمعدل 50% في غضون العقد الحالي. "هذا يعني الكثير بالنسبة لي"، حسب تعبير كي هو.

وبالنسبة إلى ـساندرا لوبيز فيرجيس، المتخصصة في علم المناعة الفيروسي، فقد واجهت تحديات تركزت حول جمْع الضروريات الأولية لإنشاء مختبر، عندما بدأت تكوين مجموعتها البحثية في معهد جورجاس التذكاري لدراسات الصحة في مدينة بنما، بعد أن قضت 14 عامًا خارج البلاد. عادت فيرجيس إلى بنما، بعدما أنهت الدراسات العليا في فرنسا، ودراسات ما بعد الدكتوراة في الولايات المتحدة، بغرض أساسي، حسبما تقول، وهو العيش بالقرب من عائلتها، ومن الأنظمة البيئية الاستوائية الشاسعة التي تتميز بها بلادها.

وضعت لوبيز فيرجس قائمة بمزايا قرار العودة إلى الوطن، وعيوبه، وناقشت خططها مع مرشديها وزملائها من باحثي ما بعد الدكتوراة، وأفراد عائلتها. واستطلعت كذلك آراء عدد من مديري المعاهد البحثية البنمية في مجالها؛ للتأكد من وجود فرص ملائمة عندهم. وإضافة إلى ذلك.. تمكنت من الحصول على منحة لمدة ثلاث سنوات، تُمنح للباحثين العائدين إلى أوطانهم؛ كي تضمن أنها - من الناحية العلمية - ستبدأ العمل على الفور بنجاح. وهي تنصح الباحثين الآخرين الذين يفكرون في العودة إلى الوطن بعمل الشيء نفسه، قائلة: "تواصَلْ مع الباحثين الذين عادوا بالفعل، كي يتمكنوا من مساعدتك بخبراتهم، ومِن تقديم بعض النصائح حول التقدم للحصول على منحة".

ورغم ذلك.. لا تزال لوبيز فيرجيس تواجه تحديات بيروقراطية. ولأنّ القوانين الفيدرالية تحتِّم أن تجري جميع عمليات الشراء من خلال موزعين بنميين، بالتزامن مع تدقيق تمهيدي لجميع بنود الإنفاق لديها، فقد استغرق الأمر منها 18 شهرًا، كي تحصل على مقياس التدفق الخلوي لإجراء أبحاثها على الجهاز المناعي. وانتظرت شهورًا أيضًا، كي تحصل على الكواشف، وغيرها من مستلزمات المختبرات الأساسية.

أَثَّرَت تلك التأخيرات على لوبيز فيرجيس بشكل سلبي من الناحية الأكاديمية. ففي عام 2016، نشرت مجموعة بحثية من فرنسا والجابون تحليلًا مفصلًا لخلايا قاتلة طبيعية عند الأفراد المصابين بفيروسَي الضنك، وشِيكُونْجُونْيا، متقدمين بذلك على لوبيز فيرجيس، التي توصلت إلى بيانات مماثِلة، لكنْ غير مكتملة. تقول لوبيز فيرجيس، التي أنهت دراستها منذ ذاك الوقت، إلا أن النتائج لم تُنشر بعد: "كان ذلك الأمر محبطًا حقًّا".

وفي المقابل وجدت لوبيز فيرجيس مزيد من  الرضا الوظيفي خارج المختبر، عبر الانخراط في التوعية والدبلوماسية العلمية، إذ عملت مع وزارة الخارجية البنمية؛ من أجل تعزيز المشاركة العالمية عبر التعاون البحثي بين البلدان، وساعدت هيئة حكومية أخرى على تأسيس جائزة علمية لإنجازات النساء في العلوم. وأخيرًا، تجاوزت أبحاثها فترة التعثر، إذ مُنحت في أكتوبر 2018 جائزة؛ لتسجيلها أعلى رقم في تحليل الاستشهادات المرجعية، من بين جميع العالِمات الشابات في بنما.

تقول لوبيز: "بالطبع لا يزال أمامي الكثير لتحسين دوري كعالمة وأستاذة جامعية". وهي راضية عن عودتها إلى وطنها، حيث تعقب بقولها: "أخيرًا، أصبحت سعيدة جدًّا بقراري".

ورغم ذلك.. لم تنجح مسألة العودة إلى الوطن مع بعض الباحثين، ومنهم - على سبيل المثال - عالِم الموجات فوق الصوتية، ميجيل بيرنال، كولمبي المولد، الذي عاد إلى مدينة ميديلين، بعدما قضى أكثر من عقد من الزمن خارج البلاد، في البداية كطالب دكتوراة في مايو كلينك بمدينة روشستر بولاية مينيسوتا، ثم كزميل ما بعد الدكتوراة في معهد لانجفان في فرنسا. تمكَّن بيرنال من الحصول على منحة مرموقة من الحكومة الكولومبية، وفي عام 2015 بدأ العمل في الجامعة البوليفارية البابوية في مدينة ميديلين، حيث ابتكر مادة تستخدم في اختبار تقنيات التصوير الطبي.

تواصل بيرنال مع رؤساء خمس جامعات في ميديلين، آملًا في الحصول على منصب دائم بأي منها، لكن سعيه لم يكلل بالنجاح. وهكذا، سافر محبَطًا صوب الشمال، حيث حصل في البداية على منحة «فولبرايت» لمدة خمسة أشهر في مايو كلينك، ثم شغل منصبًا في مجال البحث والتطوير عند مُصنِّع لأجهزة الموجات الصوتية بمدينة كيركلاند في واشنطن.

لم تكن العودة إلى الولايات المتحدة خطوة هينة، حسب قول بيرنال: "كان قرارًا صعبًا للغاية بالنسبة لي أنْ أقول: حسنًا، سأغادر كولومبيا مجددًا"، إلا أنه لم يقطع صِلاته الأكاديمية تمامًا بكولومبيا، فلا يزال يحتفظ بمنصب معاونٍ في جامعة أنتيوكيا في ميديلين، ويعمل في المساء وأثناء عطلات نهاية الأسبوع مع شركائه في الوطن؛ سعيًا لتطوير أبحاثه. ويعلِّق على هذا قائلًا: "ربما لا أستطيع الإقامة في كولومبيا في الوقت الحالي، لكنني أرغب في الحفاظ على علاقاتي هناك".

تصميم الفرص

لعب الحفاظ على العلاقات الدولية دورًا محوريًّا في نجاح نوبل بانادا، مهندس العمليات الحيوية، الأوغندي المولد، بالرغم من أنه فعل هذا من محل عمله بجامعة ماكيريري في كامبالا. فبعد أن حصل على درجة الدكتوراة من جامعة ليفان الكاثوليكية في بلجيكا، ثم شهادة ما بعد الدكتوراة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) في كامبريدج، تلقّى عروض عمل من شركات كيميائية كبرى في ألمانيا، ونيوجيرسي. وعقب ذلك.. حاولت جامعات من أنحاء الولايات المتحدة اجتذابه؛ للانضمام إليها، لكن بانادا اختار الاستمرار في منصبه الأكاديمي بشرق أفريقيا. وعندما بلغ من العمر 37 عامًا، كان أصغر زميل يتقلد منصبًا في أكاديمية العلوم الوطنية بأوغندا. يقول: "لقد أثبتُّ نفسي هنا".

غير أن بانادا يعود مع كل صيف إلى الولايات المتحدة كأستاذ زائر في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أو للعمل في أي من المَعاهد الكثيرة التي حاولت ضمه إلى طاقم عملها، لكنه قَبِلَ - بدلًا من ذلك - منصبًا معاوِنًا فيها. وفي ديسمبر عام 2018، قضى بضعة أسابيع في المملكة المتحدة، حيث عمل على تطوير مادة تغليف حيوية مصنَّعة من أوراق الموز في جامعة كامبريدج.

يقول بانادا إن تلك الفترات التي يقضيها في الخارج - بوصفه أكاديميًّا مقيمًا - أتاحت له، حسب قوله: "أنْ يَبقى على صلة بعالَم البحث العالمي"، بينما يعمل - في الوقت نفسه - على ابتكار تقنيات منخفضة التكلفة، على غرار جرار زراعي متعدد الأغراض، قادر على حَرْث الأرض للزراعة، وضخ الماء؛ بغرض الري، وحَصْد الذُّرَة بتكلفة يَقْدِر صغار المزارعين في شرق أفريقيا على تحَمُّلها.

يقول بانادا: "لا يمكنني حتى نشر ورقة بحثية عن هذا، لكنه حلٌّ يغيِّر حياة الناس".