كتب وفنون

لمحة من الماضي: الجدول الدوري

تيم رادفورد يحيي ذكرى مجموعة من القصص القصيرة المدهشة لعالِم الكيمياء بريمو ليفي.

تيم رادفورد
  • Published online:
بريمو ليفي، الأديب والكيميائي، وأحد الناجين من معتقل أوشفيتز.

بريمو ليفي، الأديب والكيميائي، وأحد الناجين من معتقل أوشفيتز.

MARCELLO MENCARINI/BRIDGEMAN

يشبِّه بريمو ليفي - العالِم، والشاعر، والكاتب – في  كتابه  "الجدول الدوري "  The periodic Table الكيمياء تشبيهًا مجازيًّا بحياته، لكن دورها لا يتوقف عند هذا الحد، فالكيمياء ترسم ملامح حياته، وتُحددها، بل، وفي معسكر اعتقال «أوشفيتز» Auschwitz تنقذها، وتصبح مصدر رزقه. وفي نهاية المطاف، تصبح كل شيء؛ فتغدو الحياة نفسها.

في عام 1985، عندما راجعتُ ترجمة رايموند روزينثال لمجموعة ليفي من القصص القصيرة (التي كان عمرها حينئذ عشر سنوات)، شبهتها بالذهب. وتمنيت لو كنت قد كتبت أيضًا ما خطر ببالي حينها، وهو أن هذا كتاب سوف يظل بين أيدي القراء لمدة مائة عام. ففي كل مرة تقرأه، تمسي الفصول المبنية على مذكرات المؤلِّف أكثر عمقًا ودلالةً على الفطنة.  

الحقبة الزمنية الوجيزة التي يغطيها هذا المؤلًّف تشير في طياتها إلى تاريخ أوروبا الغربية، بدءًا من سنوات حياة ليفي كطالب، إلى فترة تعافي إيطاليا من آثار الحرب. ويعبّر عنوان كل قصة من القصص الـ21 المتباينة تمامًا في المؤلف عن اسم عنصر كيميائي يتمحور حوله جوهر القصة، وهو ما يدعم بِنْية الكتاب التي تنقل شعورًا قويًّا بطبيعة العلم الآسرة وغموضه ومباهجه.

تستحضر رواية ليفي بإيجاز صعود الفاشية، وحماقة رئيس الوزراء البريطاني نيفل تشامبرلين في ميونيخ، وسقوط مدينة براج، وإخضاع الجنرال فرانشيسكو فرانكو للقوات الجمهورية الإسبانية في برشلونة، والأجواء القاتمة التي تواصلت إثر اندلاع الحرب الشاملة في أربعينيات القرن الماضي، وكابوس معسكرات الاعتقال، ونضال ما بعد الحرب القاسي من أجل البقاء، وإعادة الإعمار.

تتناثر الإشارات إلى أعمال أدبية في أرجاء المؤلَّف، ومن بينها رواية "جبل السحر" The Magic Mountain لتوماس مان، ورواية "جرمينال" Germinal لإميل زولا، وأعمال زميل بريمو ليفي؛ الإيطالي، واليهودي، والكاتب والطبيب كارلو ليفي، المنفِيّ لأسباب سياسية. ويعتمد عمل بريمو ليفي السردي - بشكل كبير - على كيمياء العناصر، إذ يَستحضر المؤلفُ في قصة "الحديد" لحظة إدراكه – في أثناء إجراء تجارب - أن إخضاع المادة يتطلب فهمها؛ وأن هذه المعرفة - التي يدعوها الحلقة المفقودة بين عوالم الكلمات والأشياء - هي بدورها أساسية لفهم الكون. ففي منظوره، كان الجدول الدوري "بمثابة قصيدة شعرية، هي أَسْمَى وأجلّ من كل الشعر الذي لُقنناه بدون تفكر في  المدرسة الثانوية، وبتأمله، نجد أنه ذو قافية أيضًا!".

كفاح العناصر

وُلد ليفي في مدينة تورينو عام 1919. وتبدأ قصته هناك بذكر أسلافه، الذين ضموا فيما بينهم أفرادًا "نبلاء، غير ناشطين، ونادري الطراز"، غير أنهم فقراء، مقارنة "بالمجتمعات اليهودية الأخرى البارزة في إيطاليا وأوروبا". هذه القصة بعنوان "الأرجون"، وتأتي التسمية من اللغة اليونانية، بمعنى: غير نشط. وتصبح ذكرياته عن الـbarbe، والـmagne (أي الأعمام والعمات بلكنة منطقة مسقط رأسه في بيدمونت) مدعاة للتأمل في كلمات اللغة العبرية، واليديشية أيضًا. ومع مرور الوقت، تصبح العلاقة بين المادة العنيدة والنجاة غير المأمونة أكثر قوة، بينما يتخرج ليفي، ويبدأ مسيرته المهنية، ويبحث عن طرق ليبقى بالكاد على قيد الحياة. فعند إدراكه أن عينات الزنك يجب ألا تكون نقية لكي تستجيب للأحماض تتكون بالتبعية لديه رؤية متعمقة حول أهمية الاختلاف والمكانة الجديدة للشعب اليهودي في إيطاليا الفاشية تحت حكم بينيتو موسوليني، الذي تقلد منصب الحكم منذ عام 1922 إلى عام 1943. فيقول ليفي: "نحن بحاجة إلى وجود معارضة، وتنوع، وإلى شتى العناصر". وبرغم ذلك، "تطلب الفاشية من الجميع أن يكونوا متماثلين، بينما أنتم لستم كذلك".

خفّفتْ حركة مقاومة الفاشية في إيطاليا إلى حد ما من وطأة القوانين العنصرية الفاشية للبلاد. وحصل ليفي على مرتبة الشرف من الدرجة الأولى في الكيمياء، ثم قام ضابط جيش - لم يُعلن عن اسمه - بإسناد مهمة غامضة وعديمة الجدوى في نهاية المطاف إليه، في تلال بعيدة ومجهولة، لمعرفة ما إذا كان بإمكانه استخلاص شيء قيِّم من بقايا منجم معدن الأسبستوس، أم لا. ففي قصة "النيكل"، يقودنا هذا البحث العميق في الأنقاض إلى أنشودة أخرى للمادة. حيث يكتب ليفي: "يعج جوف الأرض بالعفاريت"، حتى إن كلمة "نيكل" مشتقة من اللغة الألمانية، ومعناها "الشيطان الصغير"؛ أي تلك المخلوقات التي قد "تسمح لك بالعثور على كنز أسفل رأس فأسك، أو تخدعك وتُبهرك، بجعل معدن البيريت الزهيد يسطع كالذهب".

بعد سقوط الفاشية الإيطالية في عام 1943، احتلت تشكيلات الجيش النازي مدينتي ميلانو، وتورينو. وانضم ليفي إلى حركة المقاومة، وتعرَّض للخيانة. وسُجن في جمهورية سالو الإيطالية، وهي بلد تابع لألمانيا، ثم نُقل بعد ذلك إلى معتقل أوشفيتز. وهناك، أنقذته شهادته في الكيمياء، وقدرته على التحدث باللغة الألمانية، نظير العمل الاستعبادي في مصنع «بونا» Puna للمطاط. ولتفادي الموت جوعًا، صنع ليفي في الخفاء أحماضًا دهنية عن طريق أكسدة البارافين، وحاول أن يصنع الفطائر من القطن، وأجبر نفسه على تناوُل الجليسرين. واستطاع تمييز القضبان المصنوعة من الحديد والسيريوم، الموجودة داخل المختبر، وسرقتها. إذ كان يقطع هذه القضبان إلى قطع صغيرة، لصنع أحجار الاشتعال في قداحات للسجائر، وهذه بدورها كانت تتم مقايضتها. في ذلك كتب ليفي : "هكذا حصلنا على الخبز الذي أبقانا أحياء حتى وصول الروس".

وفي مذكراته التي صدرت في عام 1947، بعنوان "هل هذا هو الإنسان؟" If This Is A Man، كتب ليفي كلمات لا تُنسى عن التأثير المدهش لقوى السوق في معسكرات الاعتقال، في شهادة تُعد من أكبر الأدلة على الوحشية، والعار، واليأس الذين وصموا أوروبا في منتصف القرن العشرين، لكن قصص »الجدول الدوري« تتسم بقوة وتأثير ووضوح أكبر. ففي جملة عابرة في قصة "الفاناديوم"، يروي ليفي كيف أنه بعد عقود من الحرب، عندما كان يعمل مع شركة للطلاء الصناعي، وجد نفسه يتعامل مع ألماني من مصنع معتقل أوشفيتز. في ذلك كتب: "إن الحقيقة دائمًا ما تكون أكثر تعقيدًا من الاختراعات؛ وأكثر عشوائيةً، و قسوةً، وأقل اكتمالًا"، لكن تتخذ الخبرات القاسية العشوائية في هذا الكتاب بعدًا مختلفًا تمامًا. فالكيمياء الأدبية تلعب دورًا به. في ذلك، نوّه إيان طومسون في السيرة الذاتية "بريمو ليفي" Primo Levi لعام 2002 أن ليفي – بطريقة ما – كان أقرب ما يكون إلى الكاتب الروائي في كتابه "الجريء والمبتكر"، "الجدول الدوري"، وتجلى ذلك في أوضح صوره في قصة "الفاناديوم".

وتضرب قصة "الفضة" مثالًا على هذا الابتكار أيضًا، فتتضمن حكاية بوليسية صغيرة، رواها عالِم كيميائي زميل، عن الكيفية التي فسدت بها دفعات متقطعة من أوراق نترات الفضة التي تُورد لتستخدم في التصوير بالأشعة السينية. وعندما حُل اللغز، أعلن ليفي عن طموحه في البحث عن مزيد من قصص الحظ، والحدس، والحيل التي يعتمد عليها الكيميائي في معمله، تلك القصص "التي تظهر فيها المواد الصلبة عزمًا على الشر، ووضع العراقيل كما لو أنها ثارت ضد النظام العزيز على الإنسان". وفي أثناء فترة الخراب إيطاليا الذي عم إيطاليا بعد الحرب، واجه ليفي الكثير من العراقيل. ففي قصة "النيتروجين" يكلفه مدير مصنع متهالك بمهمة تقتضي باكتشاف المرهم الذي يجعل أحمر الشفاه "ثابتًا مع القبلات". ويقرر حينها أن نقطة البداية يجب أن تكون حمض اليوريك. وينتهي البحث بليفي وعروسه وهما يحاولان جمع اليوريا من روث الدجاج، وبراز الثعابين.

ويكتب ليفي ذاكرًا أن مثل هذه الحقائق العميقة هي الدروس المستفادة من العمل بالكيمياء، حيث كان من ضمن ما كتب: "المادة هي المادة، ليست نبيلة، ولا خبيثة، لكنْ قابلة للتحوُّل بشكل غير محدود، وأصلها المباشر ليس ذا أهمية على الإطلاق". ويختتم الكتاب برحلة خيالية طويلة لذرّة من ذرات كربون، بدءً من كربونات الكالسيوم إلى ثاني أكسيد الكربون إلى أنسجة الأوراق، ثم إلى الجلوكوز، وفي نهاية المطاف، إلى نبض الطاقة في يد المؤلف الممسكة بالقلم.

توفي ليفي في عام 1987، إثر سقوطه من الطابق الثالث من منزله في تورينو، ولكنّ كتابه يخلد ذكراه، فهو كتاب ألفه كيميائي، ويمثل أنشودة للعناصر، وشهادة على ما يسميه ليفي "النكهة القوية والمريرة لمجالنا".

تُوجَد على رفوف مكتبتي أربعة مجلدات من مختارات مكتوبة في مجال  العلوم. ويُلحَظ أن ليفي موجود في المجلدات الأربعة، وقصته القصيرة - التي لا مثيل لها - "الكربون" موجودة في ثلاثة منها. وأعتقد أن الناس سيظلوا يقرأون قصص "الجدول الدوري" حتى عام 2085.

 
 تيم رادفورد مؤلف كتاب «العزاء من الفيزياء» The Consolations of Physics. وعمل  محررًا علميًّا في صحيفة «الجارديان»  The Guardianلمدة 13 عامًا. البريد الإلكتروني: radford.tim@gmail.com