أخبار

دراسة تسبر «برمجة» أدمغة الرئيسيات

تتبَّع بحثُ مبتكر خلايا عصبية مفردة؛ ليكشف عن الاختلافات في أنشطة الدماغ بين الإنسان، والقردة.

أليسون أبوت

  • Published online:
تتبُّع نشاط الخلايا العصبية المفردة في مرضى الصرع في أثناء خضوعهم لعملية جراحية.

تتبُّع نشاط الخلايا العصبية المفردة في مرضى الصرع في أثناء خضوعهم لعملية جراحية.

Credit: BSIP/UIG via Getty

اكتشف علماء أعصاب - للمرة الأولى - الاختلافات بين "برمجة" أدمغة كل من الإنسان، والقردة، باستخدام تقنية تتبّع الخلايا العصبية المفردة.

واكتشف العلماء أن دماغ الإنسان يُقايِض «قدرة التحمل» - وهي مقياس لدرجة تزامن إشارات الخلايا العصبية – مقابل كفاءة أعلى في عملية معالجة المعلومات. ويشير الباحثون إلى أن هذه النتائج قد تساعدهم في تفسير الذكاء منقطع النظير لدى الإنسان، فضلًا عن تفسير قابليته للإصابة بالاضطرابات النفسيّة. ونُشِرَت نتائج الدراسة في دورية «سِل»1 Cell بتاريخ 17 يناير من العام الحالي (2019) (R. Pryluk et al. Cell http://doi.org/gfthv2; 2019).

ويقول العلماء إنّ هذا النوع من الدراسات الاستثنائية قد يساعدهم في نقل نتائج أبحاث الأمراض النفسيّة على النماذج الحيوانية إلى حيز الطب السريري.

استغلّت الدراسة مجموعة نادرة من البيانات عن أنشطة الخلايا العصبية المفردة، جُمِعَت من أعماق أدمغة أناس مصابين بداء الصرع، ويخضعون لجراحات الأعصاب؛ بغرض التعرف على منشأ مرضهم. تتسم التقنية التي استخدمت لذلك بالصعوبة البالغة، حتى إنه لا يستطيع سوى عدد قليل من العيادات في مختلف أنحاء العالم المشاركة في هذا النوع من الأبحاث. كما استخدمت الدراسة بيانات متشابهة، وموجودة بالفعل، مأخوذة من ثلاثة قردة، وجمعت معلومات عن الخلايا العصبية من قردين آخرين.

على مر العقود، اكتشف علماء الأعصاب العديد من الاختلافات الدقيقة والمهمة في التركيب التشريحي – «المكونات المادية» – لأدمغة الإنسان، والرئيسيات الأخرى، لكن أحدث دراسة تناولت عوضًا عن ذلك الاختلافات في إشارات الدماغ.

يقول مارك هارنِتّ، من معهد ماساتشوستس للتقنية بكامبريدج، الذي يدرس كيفية تأثير الخصائص الفيزيائية الحيوية للخلايا العصبية على عمليات الحوسبة العصبيّة: "ثمة اختلاف واضح في السلوك، والخصائص النفسية بين الإنسان، وغيره من الرئيسيات. والآن، صرنا نلاحظ هذا الاختلاف في الخصائص الحيوية للدماغ. إنها دراسة ذات قيمة هائلة".

كانت الدراسة بمثابة تعاونٍ بين روني باز، من معهد وايزمان للعلوم في رحوفوت بإسرائيل، الذي يدرس ديناميات دارات خلايا عصبيّة تسهم في عملية تعلّم قردة المكاك، وإيتزاك فرايد، جراح الأعصاب من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجيليس.

ركّز باز في بحثه على منطقتين مختلفتين من الدماغ: إحداهما هي اللوزة الدماغية، وهي منطقة بدائيّة التطور، تكمن وراء مهارات البقاء الأساسيّة؛ مثل الهرب من نِمْرٍ مُهاجِم. أما الأخرى، فهي منطقة القشرة الحِزامية الأكثر تطورًا، التي تُعالِج سلوكيات معرفيّة أكثر تعقيدًا، مثل عملية التعلُّم.

وأراد باز اكتشاف إلى أيّ مدى قد تختلف الخلايا العصبية في هاتين المنطقتين في أدمغة القردة، عن نظيراتها في أدمغة الإنسان. ولهذا، لجأ إلى مساعدة فرايد، الرائد في استخدام تقنيات تسجيل أنشطة الخلايا العصبية المفردة في مرضى الصرع، الذين لا يستجيبون للعلاج الدوائيّ.

يمكن أن يخضع هؤلاء المرضى إلى عملية علاجيّة، تتضمن زرع سلسلة من الأقطاب الكهربية الدقيقة في أدمغتهم؛ لتسجيل النشاط الكهربائي، وبالتالي تحديد منشأ التشنجات بدقة. إذ يبقى المرضى في المستشفى حتى تحدث نوبة تشنّج؛ وحينها يزيل الجرّاحون الأقطاب الكهربيّة، ونسيج الدماغ المتضرر الذي يمثل مصدر النشاط الصرعيّ. وفي أثناء فترة انتظار حدوث التشنجات، يشارك المرضى عادةً في تجارب تَستكشِف وظائف الدماغ.

أنماط عمل أدمغة الرئيسيات

حدد باز وفرايد بيانات عن خلايا عصبية مفردة من منطقتي اللوزة الدماغية، والقشرة الحزامية من مجموعة كبيرةٍ من البيانات، جُمِعَت من أشخاصٍ تصادف وجود أقطاب كهربيّة مزروعة بالقرب من هذه المناطق من الدماغ لديهم، كجزءٍ من عملية علاجهم، وشاركوا في دراسة للذاكرة2 (H. Gelbard-Sagiv et al. Science 322, 96-101;2008). وقارن الباحثان الخلايا العصبية لهؤلاء المرضى بنظائرها في قردة باز، فيما يتعلق بخاصيتين: قدرة التحمل، والكفاءة.

وجُمِعَت البيانات من حوالي 750 خلية عصبية، من القردة الخمسة سالفي الذكر، ومن سبعة أشخاص. واشتملت على سلسلة طويلة من حالات ارتفاع الموجات وانخفاضها في مخطط كهربية الدماغ، أو من حالات السكون، تم تسجيلها على مدار عدة ساعات في خلايا عصبية مفردة. ومشّط العالِمان البيانات بحثًا عن الخاصّيتين، إذ عرَّفا قوة التحمل على أنها مستوى التزامن، أو شبه التزامن للإشارات العصبية في كل من حالة استثارة الخلايا العصبية، وفي حالة التكرار المتواتر للأنماط المتشابهة من الموجات المرتفعة في مخطط كهربية الدماغ، وعرّفا الكفاءة على أنها امتلاك أكبر قَدْر من تشكيلات هذه الموجات في حالة النشاط.

ووجد الباحثان أنه في كل من القردة والبشر، كانت إشارات اللوزة الدماغية أكثر قدرة على التحمل، مقارنة بإشارات القشرة الحزاميّة، لكن إشارات القشرة الحزاميّة كانت أكثر كفاءة. وكانت كلتا المنطقتين في الإنسان أقل قدرة على التحمل، وأكثر كفاءة، مقارنة بنظيراتهما في القرود، أيّ أن دماغ الإنسان تضحِّي بجزء من قوة التحمل، مقابل زيادةٍ في الكفاءة.

ويقول باز أن هذه النتيجة منطقية، فكلما ازدادت قدرة تحمُّل الإشارة، أصبحت أكثر وضوحًا، أو أقل عرضة للخطأ. ويقول باز: "إذا رأيتُ نِمْرًا، فإنني سأرغب في أن تصرخ كل الخلايا العصبية في اللوزة الدماغية قائلة: "اهرب بسرعة!". أمّا في الأنواع الأرقى، مثل الرئيسيات، فقد طوَّر الدماغ منطقة أكثر مرونة – هي القشرة - لتسمح بحدوث استجابات أكثر تناسبًا مع بيئة الحيوانات، على حد قول باز.

آثار جانبيّة نفسيّة

يقول باز إنّ القشرة الأكثر ذكاءً، لكن الأكثر عرضة للخطأ في الدماغ البشري، قد تفسِّر كون الإنسان معرضًا للاضطرابات النفسيّة.

ويقول روبرت نايت - باحث علم الأعصاب المعرفيّ، من جامعة كاليفورنيا في بركلي – إنّ هذا يتفق مع نظريات أخرى في علم النفس العصبي، تشير إلى احتمالية ارتباط تزامن نشاط الخلايا العصبية في الدماغ مع الإصابة بحالات الذُهان، أو الاكتئاب. ويضيف قائلًا: "هذا المجال البحثي مهم جدًّا، نظرًا إلى إجراء أغلب دراسات علم الأعصاب على الحيوانات، مع افتراض أن النمط الأساسيّ لنشاط الخلايا العصبية متطابق في جميع الأنواع، وفي الإنسان أيضًا".

ويقول كريستوفر بيتكوف - عالِم الأعصاب من جامعة نيوكاسل في المملكة المتحدة - إن نظرية مقايضة قدرة التحمل بالكفاءة، التي قدّمها الباحثون، هي نظرية مهمة تحتاج إلى مزيدٍ من التقصي في الدراسات المقبلة. كذلك يشير بيتكوف إلى أن المقارنات المباشرة بين مجموعات البيانات لكل من القردة، والبشر مهمة صعبة، إذ يتعذر معرفة ما إذا كان النوعان في حالات عقلية تصلح للمقارنة، عندما جُمِعَت البيانات، أم لا. 

References

  1. Pryluk, R., Kfir, Y., Gelbard-Sagiv, H., Fried, I. & Paz, R. Cellhttps://doi.org/10.1016/j.cell.2018.12.032 (2019). | article

  2. Gelbard-Sagiv, H., Mukamel, R., Harel, M., Malach, R. & Fried, I.Science 322, 96–101 (2008). | article