أخبار

العلاج بالخلايا الجذعيّة يثير المخاوف

باحثون مستقلون يُحَذِّرون من أن الموافقة على العلاج سابقة لأوانها.

ديفيد سيرانوسكي

  • Published online:

STEVEN NEEDELL/SPL

وافقت اليابان على علاجٍ بالخلايا الجذعيّة لإصابات الحبل الشوكي. وهو أول علاج من نوعه لمثل هذا النوع من الإصابات يحظى بموافقة حكوميّة على بيعه للمرضى. "إنها ثورة غير مسبوقة في العلم والطب، من شأنها أن تفتح الباب أمام عصر جديد من الرعاية الصحية"، حسبما يقول أخصائي الأورام، ماسانوري فوكوشيما، رئيس مركز المعلوماتية البحثيّة التحويلية، وهو منظَّمة حكوميّة يابانيّة تقع في مدينة كوبِه، تُقدِّم التوجيه والدعم للمشروع منذ أكثر من عِقد من الزمن.

وللحصول على تعقيب عن هذا العلاج، فاتحت دورية Nature في هذا الشأن عشرة من الأخصائيين في علم الخلايا الجذعيّة وإصابات الحبل الشوكي، غير المساهمين في البحث، أو في تسويق العلاج تجاريًّا. لكنهم قد صرحوا للدورية بأن الموافقة على العلاج سابقة للأوان، حيث إن الأدلة على نجاحه غير كافية. ورأى العديد منهم كذلك أن الموافقة على العلاج الذي يُعطى بالحَقْن الوريديّ كانت مبنيّة على تجربة إكلينيكية صغيرة رديئة التصميم.

ويقول الإخصائيون إن عيوب التجربة – ومن بينها أنها لم تكن مزدوجة التعمية – تُصَعِّب تقييم فاعلية العلاج على المدى الطويل، إذ يُتعذر استبعاد احتمالية حدوث الشفاء بشكل طبيعي في المرضى. وعلى الرغم من الاعتقاد الشائع بأمان استخدام الخلايا المستعملة في العلاج، والمستخلَصة من نخاع عظام المرضى، والمعروفة باسم الخلايا الجذعيّة اللحمية الوسيطة (MSCs)، فإن تسرّب الخلايا الجذعيّة إلى الدم قد ارتبط بالإصابة بجلطات دمويّة خطيرة في الرئتين، لكن لجميع الإجراءات الطبيّة مخاطر، وهو ما يجعلُ من الصعب إجازتها، ما لم يثبت أن لها فوائد.

في ذلك، يقول جيمس جيست، جراح المخ والأعصاب بمشروع ميامي لعلاج الشلل بجامعة ميامي بفلوريدا: "هذه الموافقة خطوة غير موفقة، تنأى عن كل ما تعلَّمه الباحثون خلال السبعين عامًا الماضية عن كيفيّة إجراء تجربة إكلينيكية سليمة".

أحد  مبتكري العلاج، وهو جراح المخ والأعصاب أوسامو هونمو، بجامعة سابّورو الطبيّة في اليابان، ذكر أنه يخطط لنشر ورقةٍ علميّة، ستناقش التجربة الإكلينيكية، واعتبارات الأمان، وقد صرّح قائلًا في ذلك الصدد: "أظن أنها آمنة جدًّا". ويضيف هونمو أنه لم يُجْرِ دراسة مزدوجة التعمية، لأن اللوائح البحثية في اليابان لا تستلزم هذا. وعقَّب فوكوشيما على هذا بقوله: "النقطة الأهمّ هي أن تكون فاعلية العلاج هائلة، ومؤكدة".

تصف النتائج غير المنشورة تجربة أجريت على 13 شخصًا تعرضوا لإصابات في الحبل الشوكيّ خلال الأربعين يومًا السابقة على التجربة. وقد اكتشف الفريق البحثي الذي اضطلع بإجراء التجربة أن تسريب الخلايا الجذعيّة اللحمية الوسيطة، التي سبق مضاعفتها معمليًا بعد استخلاصها، قد ساعد المتطوعين المصابين على استعادة بعض الإحساس والحركة المفقودين.

 موافقة سابقة لأوانه

بناء على هذه النتائج، أعطت وزارة الصحة اليابانيّة - خلال الشهر الماضي - موافقة مشروطة على العلاج المُسَمَّى «ستيميراك» Stemirac. وخلال التجربة الإكلينيكية، جرى تسريب ما بين  50 مليون إلى 200 مليون خلية جذعيّة لحمية متوسطية وريديًّا إلى المرضى، وذلك بعد 40 يومًا من إصابتهم؛ للمساعدة في إصلاح التلف. وبإمكان الفريق تسويق العلاج وبيعه، طالما أنه يجمع من المشاركين بيانات تفيد بفاعلية العلاج خلال السنوات السبع التالية. وسيتمكن العامّة من شراء العلاج خلال الشهور القليلة القادمة. 

وبينما تشترط حكومات عديدة إخضاع العلاجات الجديدة لتجارب إكلينيكية صارمة على مئات من المرضى قبل إتاحة العلاجات للبيع، وضعت اليابان برنامجًا لتسريع عملية تطوير العلاجات التجديديّة؛ إذ يُستلزم فقط أن تُظْهِر العلاجات علامة على الفاعلية، بشرط استمرار الباحثين في جمع بيانات لمتابعة فاعلية العلاج.

ويقول هونمو إنه بعد 6 شهور، تحسَّن 12 مريضًا من أصل 13 مريضًا، على الأقل بدرجةٍ واحدة على مقياس الإعاقة التابع لجمعية إصابات الحبل الشوكيّ الأمريكيّة، وهو مقياس معترَف به دوليًّا، يرتِّب قدرة الأشخاص على قبض العضلات، والإحساس باللمس في أجزاء مختلفة من الجسم.

ويَعتقِد الفريق أن الخلايا الجذعيّة ربما تُصلِح تلف الحبل الشوكيّ، عن طريق تقليل الالتهاب، وحماية الخلايا العصبية الناجية. كما صرح الباحثون بأن بعض الخلايا الجذعيّة المُسَرَّبة يتطور إلى خلايا عصبية قادرة على أن تحل محل الخلايا العصبية التالفة. وحسبما يقول هونمو، فإنه وآخرين قد برهنوا على هذه الآليّات في دراسات على الحيوانات1.

لكن الزعم بأن الخلايا الجذعية اللحمية الوسيطة قادرة على التحول إلى خلايا عصبية بالتحديد يثير قلق بعض العلماء المستقلين ممن أُجريت معهم مقابلات في ذلك الصدد. فقد كشفت دراسات أُجريت في أوائل ومنتصف العقد الأول من الألفية الثالثة أن الخلايا الجذعية اللحمية الوسيطة قد تتقمص بالفعل خصائص معينة للخلايا العصبية، مثل التعبير عن بعض البروتينات نفسها2 ،3، إلا أن فكرة قدرتها على العمل كخلايا عصبية استبعدها الكثيرون.

لهذا، فكما يقول بروس دوبكين، عالِم الأعصاب بجامعة كاليفورنيا بلوس أنجيليس، فمن غير المرجح أن الخلايا الجذعية اللحمية الوسيطة تحولت إلى خلايا عصبية في التجربة. وقد كشفت دراسات أخرى على الحيوانات والبشر أن الخلايا الجذعية اللحمية الوسيطة، المسربة وريديًّا، عادةً ما تَعْلَقُ في الرئتين. في ذلك، تقول باميلا روبي - باحثة الخلايا الجذعيّة بمعاهد الصحة الوطنية الأمريكية في بيثيسدا بولاية ميريلاند - إن ذلك يُصَعِّب من التكهن بمدى فعاليتها في الحبل الشوكيّ.

جيفري كوتشيش - عالِم الأعصاب بجامعة ييل بنيو هافن بولاية كونيتيكت، والمتعاون لوقتٍ طويلٍ مع هونمو وآخرين في الفريق – يصف النتائج بأنها «قد تكون مثيرة للاهتمام»، لكنه يستدرك قائلًا: "من الضروري مواصلة البحث من أجل البرهنة التامّة على فاعلية العلاج".

كما أن غياب التعمية المزدوجة للتجربة يثير المخاوف أيضًا. وتُعتبر التعمية المزدوجة معيارًا ذهبيًّا لتقييم فاعلية العلاج، إذ لا يعلم فيها الأطباء  ولا المرضى مَن يتلقَّى العلاج التجريبيّ. ونتيجة لذلك، كما يشير جيست، تقلّ نسبة التحيُّز التي قد تمنع العلماء من اكتشاف ما إذا كان العلاج ناجحًا أم لا، لكنْ في حالتنا هذه، كما يقول دوبكين، يصبح من الممكن تفسير النتائج بأنها راجعة إلى التعافي الطبيعيّ، وإعادة التأهيل البدني خلال الأشهر التالية للإصابة. ويضيف دوبكين: "هذه التجربة، وفقًا لتصميمها، لا تستطيع الكشف عن فاعلية العلاج".

ويرى «فوكوشيما» أن التحسّن الثابت، ومعدلات نجاح العلاج المرتفعة في أوساط المشاركين في تجربة فريقه البحثي، حتى بين أولئك الذين كان يُعْتَقَد بانعدام أملهم في الشفاء، «غير مسبوقَين»، ويقول إن هذا لم يكن ليتحقق بالتعافي الطبيعيّ من خلال إعادة التأهيل.

أرنولد كريجشتاين - الباحث في الخلايا الجذعية بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو – يرى أنه بمجرَّد بيع العلاج للمرضى، سيكون جمع الأدلة على فاعلية الدواء أكثر صعوبة على الفريق، كما أن شراء الدواء قد يزيد من احتمال تعرُّض المرضى لتأثير الدواء الوهمي، كما يجعل من المستحيل إجراء تجربة مُعمَّاة، لأنه لا يمكن تقاضي المال من المرضى، مقابل إجراء علاجيّ يَعتمِد على الدواء الوهمي. كما يساوِر كريجشتاين القلق من أنْ يظل المنتَج في الأسواق، دون أن يقدِّم أي دليل على فاعليته، إذ يقول: "لا أظن أنه من المبرَّر أخلاقيًّا تقاضي المال من المرضى، مقابل علاج لم تتأكد فاعليته، وينطوي على مخاطر".

References

  1. Inoue, M. et al. Glia 44, 111-118 (2003).
  2. Kim, S. et al. Brain Res. 1123, 27–33 (2006).
  3. Akiyama, Y. et al. Glia 39, 229-236, (2002).