تعليقات

عولمة الاقتصاد الدائري

يحث كل من يونج جينج، وجوزيف ساركيس، ورايموند بلايشفيتس على ضرورة تبادل المعلومات بين الدول، وتنسيق السياسات الصناعية والتجارة؛ في سبيل الحفاظ على الموارد والطاقة. 

  • Published online:
عاملة تفحص ألياف البوليستر المصنوعة من زجاجات البلاستيك المستعمَلة في مدينة بينجو بالصين.

عاملة تفحص ألياف البوليستر المصنوعة من زجاجات البلاستيك المستعمَلة في مدينة بينجو بالصين.

YOSHINORI KAGEYAMA/BARCROFT MEDIA/GETTY

تنبغي إعادة النظر في طريقة تعامل الصناعة مع الموارد؛ فالتصنيع يهدر الموارد، إذ يلزم طن من المعدن، والسيليكون، والبلاستيك؛ لإنتاج حاسوب محمول يزن بضعة كيلوجرامات. ويستتبع ذلك تكوُّن النفايات. ففي كل عام، تُلقَى ثمانية ملايين طن من البلاستيك في المحيطات، وتتعذر السيطرة على انبعاثات غاز الدفيئة. كما يُطْلِق إنتاج الإسمنت قدرًا كبيرًا من غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي كل عام، يُعادل ما تُطْلِقه سيارات أوروبا، البالغ عددها 300 مليون سيارة؛ بما يزن 1.5 مليار طن1. وتُهدَر المياه أيضًا، فوفقًا لإحصاءاتنا، تَستهلِك زراعة كيلو جرام واحد من الأرز في الصين 1250 لترًا من المياه.

ومِن المتوقع أن يتضاعف الطلب العالمي على الموارد بحلول عام 2020 (المرجع 2). وقد تنفد الإمدادات الصالحة من المعادن النادرة، مثل اللانثانوم، والإتريوم. وتتضخم انبعاثات الكربون المسموح بها، ويتدمر التنوع الحيوي.

ولا شك أن الموارد بحاجة إلى أن تُدار بمزيد من الاستدامة، إذ يدخل 6% فقط من المواد إطار إعادة التدوير3. وبالنظر إلى توفير الموارد الممكن تحقيقه، نجد أن هذا رقم ضئيل لدرجة تثير الدهشة، فإعادة معالجة الألومنيوم تستهلك جزءًا بسيطًا من الطاقة اللازمة لاستخلاص المعدن من مادته الخام4. ويقلّ سعر المنتجات المصنوعة من البلاستيك المعاد تصنيعه بنسبة تقارب 80% عن تلك المعتمِدة على مواد جديدة، في حال الإبقاء على انخفاض تكاليف الجمع، والفرز، والمعالجة. وتسنح مصادر جديدة لتحقيق الإيرادات من مواد كانت سيتم التخلص منها في ظروف أخرى، وبالتالي يتم توفير تكاليف عملية التخلص منها.

يتبنى عدد قليل من البلدان هذا النهج. فعلى مدار العشرين عامًا الماضية، أدارت الصين وكوريا الجنوبية مدنًا صناعية تقوم على مبادئ الاقتصاد الدائري (الاقتصاد الرامي إلى تقليل النفايات والهدر وتحسين كفاءة استهلاك الموارد)؛ وذلك من أجل الربط بين سلاسل التوريد لدى الشركات، وإعادة استخدام المواد الشائعة أو تدويرها. وقد اعتمدت الصين ما يزيد على 50 مدينة من تلك المدن. كذلك سنّ الاتحاد الأوروبي واليابان تشريعات تتعلق بالتصميم الصديق للبيئة، وحمَّلا أرباب المنتجات مسؤولية إعادة استخدام منتجاتهم، وعزَّزا أسواق المواد معادة التدوير. كما أسَّس عدد من الولايات والشركات الأمريكية شبكات؛ من أجل تبادل الموارد5، وإعادة تدويرها. ويُذكر أن البرازيل والهند تستخدمان أنظمة إعادة تدوير غير رسمية.

لكن ما زالت حصيلة تلك الجهود مجتمعة متواضعة للغاية، إذ تعمل المشروعات بشكل مستقل عن أحدها الآخر، ولم تُحدِث تغييرًا في منظومة الصناعة العالمية الضخمة.

من ثم، ندعو إلى مبادرة عالمية؛ من أجل الارتقاء بالاقتصاد الدائري. وينبغي أن تقود الأمم المتحدة هذه المبادرة، وأن تضم دول مجموعة العشرين، والمنتدى الاقتصادي العالمي، والمؤسسات المعنية بالصناعة والمواطنين. كما يجب أن تجمع المبادرة البيانات، وتستخلص الدروس، وتفتح آفاق التعلم، وتجري عمليات تبادل للخبرات بشأن كيفية استخدام الموارد وإعادة تدويرها من قِبَل الشركات والأشخاص. ويجب وضع السياسات، والأهداف، والحوافز؛ من أجل نشر ممارسات الاقتصاد الدائري في جميع أنحاء العالم.

ترشيد الاستهلاك، وإعادة الاستخدام، وإعادة التدوير

يعمل الاقتصاد الدائري على أربعة مستويات: المنتجات، والشركات، والشبكات، والسياسات. فأولًا، يجب تصميم المنتجات بطريقة تجعلها قابلة لإعادة التدوير، وإعادة الاستخدام، بحيث تستند إلى سلاسل توريد صديقة للبيئة، وتُصنع باستخدام طرق غير مسببة للتلوث. وثانيًا، تحتاج الشركات إلى نماذج عمل جديدة؛ من أجل تحقيق النفع الخاص والعام. وثالثًا، يلزم وجود ترابط بين شبكات الشركات التي تصنع منتجات مهمة، مثل السيارات، وشبكات العملاء التي تستهلك هذه المنتجات. ورابعًا، يلزم وجود سياسات تدعم الأسواق.

وتلعب المواد المستدامة - لا سيما المواد البيولوجية - دورًا جوهريًّا في هذا الصدد. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تُستخدم الكتلة البيولوجية كمادة كيميائية أولية، تُستخدم في تصنيع المنتجات، أو تعبئتها، أو ربما تُحرَق، وتتحول إلى وقود يُستخدم في وسائل النقل، والتدفئة، والكهرباء6. كما يجب أن يكون البلاستيك قابلًا لإعادة التدوير، إذ يفرز إنتاج البوليمر على مستوى العالم 400 مليون طن من غازات الدفيئة كل عام7، بينما عن طريق إعادة تدوير البلاستيك حققت المدن الصناعية الصينية القائمة على الاقتصاد الدائري انخفاضًا مقداره 14 مليون طن في انبعاثات غازات الدفيئة في عام 2016، وهو ما يُعادل ما تُطْلِقه ثلاثة ملايين سيارة تسير على الطريق8.

وتخرج إلى النور أسواق ونماذج عمل جديدة. فعلى سبيل المثال، يمكن لمصنع لتنقية النحاس بالصهر، إضافة إلى استخلاص المعدن من خاماته، تدوير الأسلاك والمكونات القديمة،. وقد تسحب شركات صناعة السيارات سياراتها؛ من أجل تحديث قطع غيارها، بحيث تستمر في العمل لمدة أطول. وعندما تصل السيارة إلى نهاية عمرها الافتراضي، يمكن تفكيكها واستخدام ما بها من معدن وبلاستيك في صنع منتجات أخرى. ومن الممكن أن يستخدم العملاء خدمات النقل، بدلًا من شراء السيارات.

تضع الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية استراتيجيات قومية لتمكين الاقتصاد الدائري. ففي عام 2008، اعتمدت الصين قانونًا يهدف إلى الحدّ من النفايات المحلية، والمنتجات الثانوية للصناعة، ويرمي إلى إعادة استخدامهما، وإعادة تدويرهما. واستثمرت الحكومة الصينية مليارات اليوانات في مشروعات رائدة في هذا الصدد، ونشرت حوافز ضريبية، وأصدرت تصاريح تسمح للصناعة باستئناف أنشطة كانت محظورة في السابق، مثل بيع ماء الصرف النظيف نسبيًّا «المياه الرمادية». والتوسع في مثل هذه الممارسات من شأنه أن يوفر على الشركات والبيوت الصينية 32 تريليون يوان (أي ما يعادل 4.6 تريليون دولار أمريكي) في عام 2030، أو أن يوفر 14% من إجمالي الناتج المحلي المتوقع في ذاك العام9.

وتتبع البرازيل، والهند، والولايات المتحدة في ذلك الصدد نهجًا يتدرج صعودًا من قاعدة المجتمع. فعلى سبيل المثال، صممت شركة «هايجي أستا» Asta Rede - وهي شبكة تضم أكثر من 60 مجموعة نسائية تعاونية، تمتد عبر 10 ولايات برازيلية - منصة على شبكة الإنترنت؛ لدعم الحرفيين الذين يستعيدون المواد من النفايات.

ويجمع الاتحاد الأوروبي بين هذا وذاك. فقد تبنَّى أهدافًا إلزامية فيما يتعلق بالنفايات المحلية. فبحلول عام 2030، سوف تلتزم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بإعادة استخدام وإعادة تدوير ما لا يقل عن 65% من النفايات، وبإرسال ما لا يزيد على 10% منها إلى مدافن النفايات. والهدف من ذلك هو إعادة استخدام جميع البلاستيك، وإعادة تدوير 75% من العبوات. كما تعمل أنظمة الاتحاد الأوروبي على الحد من نفايات الطعام، وتمويِل الاقتصاد الدائري. ووُضعت اللوائح التنظيمية التي تستهدف النفايات الكهربائية، والإلكترونية، والمركبات المتهالكة، والبطاريات. كما يستثمر الاتحاد الأوروبي في الابتكارات الإقليمية؛ مثل دعم شبكات الشركات التي تُعِيد تدوير الملابس.

وقد وَفَّرَت غالبية هذه المبادرات المعنية بالاقتصاد الدائري مواد، وطاقة، وخفضت من النفايات، والانبعاثات. ففي مدينة كاواساكي اليابانية، أدت إعادة استخدام النفايات الصناعية والمحلية في تصنيع الاسمنت إلى خفض انبعاثات غازات الدفيئة بحوالي 15% (41300 طن سنويًّا) منذ عام 2009، كما أنها توفر 272000 طن من المواد الخام كل عام10. وتوفر المدن الصناعية النموذجية في الصين - مثل تلك الكائنة في مدينة ليوجو الصينية في مقاطعة جوانجشي - أكثر من مليوني طن من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون سنويًّا؛ من خلال استخدام طاقة أقل، وتدوير المواد11.

وفي مدينة ليوبليانا بسلوفينيا، انخفض حجم النفايات بنسبة 41% لكل نسمة، مقارنة بمتوسط الفرد في الاتحاد الأوروبي. وفي دراسة استقصائية أُجريت في عام 2018، تابعة لسلسلة الدراسات الاستقصائية الأوروبية «يوروباراميتر» Eurobarometer، أفاد 41% من الشركات الصغيرة، و53% من الشركات الكبيرة في أنحاء أوروبا بتراجع تكاليف الإنتاج لديها بفضل اتباع مبادئ الاقتصاد الدائري؛ وذكر ربع من شاركوا في الدراسة أنهم يعملون على تصميم منتجات تَسْهُل صيانتها، أو إصلاحها، أو إعادة استخدامها.

ومع ذلك، لا تزال شبكات الاقتصاد الدائري محدودة للغاية.

نهج مجزأ

ليست هناك جهود في السياسة الدولية تُحقق التكامل بين منهجيات الاقتصاد الدائري. ومع ذلك، فهذه المنهجيات من شأنها الإسهام في تحقيق الكثير من أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة (SDGs)، بما في ذلك تلك المتعلقة بالمياه، والطاقة، والنمو الاقتصادي، وتغير المناخ12 (أهداف التنمية المستدامة أرقام 6، و7، و8، و13).

كبر الصورة

Source: http://www.world-aluminium.org/statistics/massflow

وقد بدأت صناعات في رصد حركة المواد عالميًّا. فعلى سبيل المثال، يَستخدِم قطاع صناعة الألومنيوم نموذجًا لحركة إمدادات المعدن، بدءًا من التعدين إلى التخلص منه (انظر: "دورة الألومنيوم العالمية"). وتستخدم مبادرة استدامة الإسمنت منتجاته ونفاياته في توليد الطاقة. وفي عام 2011، أفادت 24 شركة من شركات تصنيع الإسمنت في 100 دولة بأنها استعاضت عن 13% من وقودها الأساسي بذلك المستمَدّ من النفايات؛ وهو ما أدى إلى انخفاض انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون بحوالي 17 مليون طن سنويًّا13.

وثمة ندرة في البيانات الدقيقة الآمنة والقابلة للتقصي بشأن حركة أغلب المواد ومخزونها، وبشأن تكاليف وكفاءة العمليات الصناعية. وهذا يصعب عملية وضع التوقعات والسياسات، كما يحدّ من الوعي بمزايا الاقتصاد الدائري. فعلى سبيل المثال،  لا يُصْدِر سوى عدد قليل من المدن والمناطق الصناعية الصديقة للبيئة تقارير سنوية بشأن النفايات، وإعادة تدوير المواد. فلا يؤخذ في الاعتبار مخزون المواد الكائن في البيئات المشيدة – على سبيل المثال، حديد الصلب المستخدَم في الأبنية - وفي السلع الأخرى.

وغالبًا ما يُحتفى بمفاهيم الاقتصاد الدائري أكثر مما تُنتقَد، مع أنه تشوب نماذجه الاقتصادية الكثير من الثغرات، وتعتمد على الافتراضات. فمثلًا، عادة ما يُنظر إلى تكاليف تغيير عمليات الإنتاج، وتغيير ممارسات الشراء، وأنماط الروتين التنظيمي داخل شركة بأنها منخفضة، أو معدومة. ولا يتم تقييم التأثيرات الواقعة على الصناعات الاستخراجية التي يمكن أن تُلحِق بها خسائر، مثل صناعة التعدين في دول معينة. ويمثل وضع تصورات بشأن أسعار السوق المستقبلية للمواد الخام والموارد الثانوية تحديًا. وقد تؤدي السياسات إلى نتائج غير مقصودة. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي التحفيز على إعادة تدوير البلاستيك إلى إنتاج المزيد من البلاستيك؛ فإذا أدّى انخفاض الأسعار إلى زيادة الطلب، فسيشتدّ الطلب على مزيد من البلاستيك؛ ليحل محل المادة التي تحللت خلال إعادة تدويره.

ويجدر بالباحثين التعاون بدرجة أكبر مع المؤسسات الصناعية، والمؤسسات غير الربحية، فضلًا عن التعاوُن في ميادين مختلفة؛ بدءًا من علم الاجتماع وعلم الاقتصاد، وصولًا إلى الهندسة والعلوم. وقد حدد المعهد الدولي للدراسات البيئية في مدينة بيتربورو بكندا - الذي يضم 19 جامعة ومعهدًا بحثيًّا حول العالم – الاقتصاد الدائري كأحد المجالات ذات الأولوية، كما أنه يدعم برامج الدكتوراة التعاونية. وقد استثمرت المؤسسة الوطنية للعلوم الطبيعية بالصين في أبحاثنا، لكنْ يفتقر الكثير من المؤسسات البحثية الأخرى متعددة الأطراف مثل «فيوتشر إيرث» Future Earth إلى برامج فيما يتعلق بالاقتصاد الدائري. وحتى المؤسسات التي تكرس طاقاتها للاقتصاد الدائري؛ مثل مؤسسة «إلين ماك آرثر» Ellen MacArthur في كاوز بالمملكة المتحدة، تغطي نطاقًا جغرافيًّا محدودًا.

وتلعب المشاركة المجتمعية دورًا حاسمًا، إذ يستطيع المستهلكون دفع شركات الإنتاج نحو إحداث تغييرات، والمشاركة في تصميم حلول. فقد حثت ألمانيا - في العقد الأول من الألفية الثالثة - الكثير من المنازل على الانتقال إلى استخدام الطاقة المتجددة، عن طريق تمكين تلك المنازل من ربط ألواحها الشمسية بشبكة الطاقة الشمسية، وتلقِّي أموال، مقابل الكهرباء المنتَجة، إضافة إلى تشجيع شركات المَرافق على شراء هذه الطاقة الكهربية، بيْد أنه ثمة نقْص في البيانات بشأن الاستهلاك المنزلي والمحلي، وإعادة التدوير على مستوى العالم.

وبعكس ما هو مرجو، فإن تشجيع المواطنين على إعادة استخدام المواد قد يحدّ من الوصول إلى الموارد في بعض المناطق من العالم. ففيما أن شبكات إعادة التدوير غير الرسمية منتشرة في الصين، وفي كثير من الدول الأفريقية، فإن جمْع النفايات بشكل غير رسمي من شأنه أن يحُول دون معالجة هذه النفايات بكفاءة أعلى في الشبكات الرسمية. ونتيجة لذلك، تصبح المواد شحيحة، وتزداد التكاليف.

ومن شأن مبادئ الاقتصاد الدائري أن تساعد في التحوط من تقلبات أسعار السلع؛ مثل النحاس، وأن تعيد التوازن في حركة البضائع، والخردة، والمنتجات المستعملة. وحاليًّا، يؤدي الخلل في التوازن التجاري إلى خواء الشاحنات، وحاويات الشحن. وهذه يجب ملؤها بالنفايات، مثل الورق المقوى، والأخشاب، والمعادن، التي يمكن إعادتها إلى مصانع الإنتاج.

وتُعتبر تجارة النفايات العالمية نقطة انطلاق جيدة، لكن على سبيل المثال، حظرت الصين استيراد معظم أنواع النفايات في عام 2018، وتعتزم تايلاند التوقف عن استيراد النفايات البلاستيكية بدءًا من عام 2021. وتُرسل هذه المواد حاليًّا إلى بلدان تمتلك تشريعات أقل صرامة بشأن النفايات؛ مثل فيتنام، وماليزيا، وإندونيسيا، وكمبوديا، والفلبين، حيث تؤدي النفايات البلاستيكية والإلكترونية إلى تلوث التربة، والمياه. وتحتاج الصناعات القائمة على المعادن إلى معاهدة دولية، ومنهجيات وسياسات خاصة باسترجاع المواد.

اتفاقية دولية

يجب أن تشتمل الاستراتيجية العالمية للاقتصاد الدائري على الخمس خطوات التالية:

أولًا، يجب وضع قاعدة بيانات عالمية لتحديد الروابط بين استخدامات الموارد14. ويجب أن  تدار هذه من جانب منظمات دولية؛ مثل برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، والمنتدى الاقتصادي العالمي، بدعم من الهيئات الوطنية. ويجب أن تشتمل قاعدة البيانات على مؤشرات تتعلق بحركة المواد، والمياه، والطاقة، إضافة إلى معلومات عن مخزونات البيئة المشيدة من الموارد، وتكاليف الإنتاج، واتجاهات السوق. ويمكن سد الفجوات من خلال دراسات الحالة، والنمذجة.

وينبغي أن تقدِّم الدول الداعمة؛ كالصين، واليابان، وألمانيا، والمملكة المتحدة تمويلًا مبدئيًّا لهذا الغرض، جنبًا إلى جنب مع الصناعات. ويمكن فرض رسوم بسيطة على مشتريات أسهم الشركات في أسواق الأوراق المالية، كما هو الحال في فرنسا. وقد يعمل مصدِّرو المواد الخام على زيادة ريع الإنتاج، وتأسيس صناديق ثروة سيادية؛ لاستثمار الفائض في إدارة سلاسل التوريد، والنمو المستدام. وهذا من شأنه أن يبني قدرات وإمكانات للاقتصاد دائري، وهو ما يؤدي إلى مزيد من التنوع، والمرونة في الصناعات والاقتصادات.

وثانيًا، يجب تأسيس منصة عالمية؛ من أجل تبادل المعارف حول الاقتصاد الدائري. وتُعتبر منصة معارف النمو الصديق للبيئة العالمية في سيول نموذجًا جيدًا في ذلك الصدد. فقد أسسها البنك الدولي، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية؛ لتخزين المعلومات عن الممارسات الاقتصادية المستدامة، وتبادل الخبرات المستفادة منها. وقد يأتي التمويل من دول تضع نصب أعينها الأهداف نفسها، ومن منظمات وشركات دولية، من شأنها أن تستفيد من ذلك.

وثالثًا، ثمة حاجة إلى تحالفات دولية؛ من أجل تعزيز إجراء التجارب واسعة النطاق. ويجب على هذه التحالفات أن تطوِّر حلولًا مبتكرة جديدة فيما يتعلق بالحوكمة، والشؤون المالية؛ من أجل المدن، والقطاعات؛ لاسيما قطاع المياه، والطاقة، والغذاء، والنقل، والإنشاءات. وقد تحتاج الأنظمة الاقتصادية المعتمِدة على تصدير المواد الخام - كما هو الحال في الكثير من الدول الأفريقية - إلى مساعدة مالية من مناطق أخرى غنية بالموارد؛ من أجل تحقيق الانتقال إلى الاقتصاد الدائري. فمِن بين الدول المصدِّرة للمواد الخام، تُعد دول مثل شيلي، وكندا، وإسكندنافيا رائدة في مجال الابتكارات الصديقة للبيئة.

ورابعًا، ثمة حاجة إلى تطوير وتنسيق معايير فيما يتعلق بقياس الأداء، وإعداد التقارير، والمساءلة، والمنتجات المستقبلية. ويجب استقاء مؤشرات الأداء الرئيسة من المنظمة الدولية للمعايير «الأيزو». وهذه يمكن أن تعتمد على أنظمة خاصة بالمسؤولية البيئية، والمسؤولية الاجتماعية  للشركات.

وأخيرًا، يحتاج واضعو السياسات إلى ابتكار طرق جديدة من أجل إنفاذ التشريعات، وتسوية المنازعات، وفرْض العقوبات على المخالفات على نطاق عالمي. ويجب أن تتمثل نقطة الانطلاق هنا في مبادرات تطوعية للتنظيم، وإعداد التقارير، تظل خاضعة لرقابة المواطنين والإعلام والمنظمات غير الحكومية، التي قد «تُشهِّر» بتلك المبادرات في حال مخالفتها.

وفي نهاية المطاف، يجب تَضافُر جميع هذه الجهود؛ من أجل صياغة اتفاقية دولية بشأن إدارة الموارد المستدامة، تغطي عملية إعداد التقارير ومواقع استخراج المواد، والأنماط التجارية، والحوافز.

References

  1. Andrew, R. M. Earth Syst. Sci. Data 10, 195–217 (2018). | article
  2. UN Environment Programme & International Resource Panel. Resource Efficiency: Potential and Economic Implications 291 (UNEP, 2017). 
  3. . Haas, W., Krausmann, F., Wiedenhofer, D. & Heinz, M. J. Indus. Ecol. 19, 765–777 (2015). | article
  4. US Dept of Energy. U.S. Energy Requirements for Aluminum Production (DOE, 2007). 
  5. Esposito, M., Tse, T. & Soufani, K. Thunderbird Int. Bus. Rev. 59, 9–14 (2017). | article
  6. Zabaniotou, A. J. Cleaner Prod. 177, 197–206 (2018). | article
  7. Organisation for Economic Co-operation and Development. Improving Markets for Recycled Plastics (OECD, 2018). 
  8. Liu, Z. et al. Renew. Sustain. Energy Rev. 91, 1162–1169 (2018). | article
  9. Ellen MacArthur Foundation. The Circular Economy Opportunity for Urban and Industrial Innovation in China (EMF, 2018). 
  10. Hashimoto, S., Fujita, T., Geng, Y. & Nagasawa, E. Res. Conserv. Recycling 54, 704–710 (2010). | article
  11. Sun, L. et al. Res. Conserv. Recycling 119, 78–88 (2017). | article
  12. Schroeder, P., Anggraeni, K. & Weber, U. J. Indus. Ecol. https://doi.org/10.1111/jiec.12732 (2018). | article
  13. World Business Council for Sustainable Development & Cement Sustainability Initiative. The Cement Industry (WBCSD, 2014). 
  14. Bleischwitz, R. et al. Nature Sustain. 1, 737–743 (2018). | article

يونج جينج هو عميد كلية العلوم والهندسة البيئية، وأستاذ بها، ونائب مدير معهد الصين للحوكمة الحضرية بجامعة شنجهاي جياو تونج؛ كما يعمل أيضًا أستاذًا مساعدًا بمعهد شنجهاي للحدّ من التلوث والأمن البيئي بمدينة شنجهاي الصينية. جوزيف ساركيس هو أستاذ الإدارة بمعهد «ورسستر بوليتكنيك» Worcester Polytechnic بمدينة ورسستر في ولاية ماساشوستس بالولايات المتحدة الأمريكية؛ وهو باحث زميل بكلية هانكن للاقتصاد بهلسنكي في فنلندا. رايموند بلايشفيتس هو رئيس قسم الموارد العالمية المستدامة بمعهد الموارد المستدامة، وهو أيضًا مدير كلية بارتليت للبيئة والطاقة والموارد بجامعة كوليدج في لندن بالمملكة المتحدة.

البريد الإلكتروني: ygeng@sjtu.edu.cn