أخبار

السعي لاستنبات محاصيل «كاسافا» أفضل 

يَجْمَع باحثون في نيجيريا بين علم الجينوم، وطرق الاستنبات التقليدية؛ لتحسين المحصول النشوي الأساسي.

إيمي ماكسمين في إكيني، نيجيريا

  • Published online:
شيدوزي إيجيسي - مدير مشروع تربية الجيل التالي من الكاسافا - يشرف على حقل من النباتات في نيجيريا.

شيدوزي إيجيسي - مدير مشروع تربية الجيل التالي من الكاسافا - يشرف على حقل من النباتات في نيجيريا.

AMY MAXMEN

يقول إسماعيل رابي: " أُفَضِّل هذا"، واضعًا كفه على نبات «كاسافا»، وهو يبتسم ببعض الخجل، كوالد يختار طفله المفضَّل. ويعقب بقوله: "ربما لا يبدو مثيرًا للإعجاب، فهو ليس طويلًا، لكنه يتغلب على كل العقبات التي نعرضه لها".

رابي - عالِم الوراثة في المعهد الدولي للزراعة الاستوائية (IITA) في إيبادان بنيجيريا - هو وزملاؤه بصدد مهمة لتحسين نبات الكاسافا (Manihot esculenta)، المعروف أيضًا باسم «يوكا»، أو «مانيوك»، والذي توفر جذوره النشوية الغذاء والدخل لأكثر من 800 مليون شخص في جميع أنحاء العالم. وفي أفريقيا، حيث تبلغ معدلات استهلاك النبات أعلى درجاتها، تنتج نباتات الكاسافا غلة أقل من مثيلاتها في آسيا وأمريكا الجنوبية، لكن الأصناف الأفريقية عادة ما تكون أكثر صمودًا أمام الآفات، مثل داء فسيفساء الكاسافا القاتل، الذي ينتشر الآن عبر آسيا.

وفي نوفمبر، شَحَن رابي خمسة أنواع من الكاسافا الأفريقية التي تقاوِم المرض إلى تايلاند، أكبر مُصَدِّر للكسافا في العالم. واستطاع هو وزملاؤه إنتاج النباتات تحت رعاية «مشروع تربية الجيل التالي من الكاسافا» Next Generation Cassava Breeding Project، الذي أطلقته حكومة المملكة المتحدة، ومؤسسة «بيل وميليندا جيتس» Bill & Melinda Gates Foundation  في عام 2011.

يَستخدِم علماء المشروع البيانات الجينومية؛ لتحديد الخصائص الموروثة المفيدة لاستنبات أصناف من الكاسافا تناسِب احتياجات العالم، وتعمل كواقٍ من المجاعات، خاصة مع ارتفاع درجة حرارة المناخ، وزيادة عدد السكان، وانتشار الفيروسات.

وعندما تصل هذه النباتات الأفريقية إلى تايلاند، سيتولى العلماء هناك مهمة تهجينها بأصناف الكاسافا المتكيّفة مع آسيا، ثم يجري فحص السلالة الناتجة، للبحث عن الواسمات الجينية التي يستخدمها رابي وزملاؤه للتنبؤ بمقاومة النبات لفيروسات الفسيفساء، وللبحث عن 12 سمة موروثة أخرى، مثل كمية النشا الصالح للأكل في جذر كل نبتة.

ساعدت هذه الواسمات الجينية علماء المعهد الدولي للزراعة الاستوائية على استنبات ثمانية أنواع من الكاسافا، تنمو الآن عبر رقع زراعية تجريبية في نيجيريا. وسيقارن العلماء والمزارعون هذه الأنواع بأفضل أنواع الكاسافا واسعة الاستخدام.

في عصر يوم ذي طقس حارق من نوفمبر، يجول رابي في إحدى هذه الرقع الزراعية الواقعة بإكيني برفقة شيدوزي إيجيسي، قائد مشروع تربية الجيل التالي من الكاسافا، وعالِم الوراثة في المعهد الدولي للزراعة الاستوائية. وتتجه محادثاتهما إلى استراتيجيات زراعية واقتصادية، من شأنها أن تساعد المزارعين على تبنِّي أصناف الكاسافا الجديدة، مثل إنشاء سوق لهذه النباتات. في ذلك، يقول إيجيسي: "نحن لا نكتفي بالجلوس في غرفة، والتأكد من أنْ أداء النبات لوظائفه على أكمل وجه"،  ويضيف: "نحن نجلبه إلى الأماكن التي تظهر فيها مشكلات، ونتساءل دائمًا: كيف يمكن أن نجعل علومنا مفيدة للناس؟"

تُعتبر محاصيل الكاسافا الدعامة الأساسية للمزارعين الذين يعيشون على حد الكفاف في ثلاث قارات، لأنها تستطيع النجاة في التربة الرديئة وموجات الجفاف، ويمكن حصاد جذورها في أي وقت من السنة.

لكن ثمة اختلافات جغرافية واسعة في غلة الكاسافا، فيبلغ حجم غلة الأصناف المزروعة في أفريقيا في المتوسط 8.8 طن من الجذور الصالحة للأكل في كل هكتار، مقارنة بـ13 طنًّا لكل هكتار في الأمريكتين، و22 طنًّا للهكتار في آسيا (انظر: المحصول النشوي الرئيس).

ولطالما حاول الباحثون تحسين الوضع لدى المزارعين الأفريقيين، من خلال استيراد الأصناف الآسيوية والأمريكية الجنوبية. غير أن هذه النباتات الدخيلة، التي تفتقر إلى وسائل الدفاع ضد مسبِّبات الأمراض الأفريقية، لم تزدهر زراعتها. وكان من الواضح أن استنبات أنواع مهجنة أكثر قدرة على الاحتمال مهمة شديدة الصعوبة. إذ يستغرق إنتاج هجين عالي القيمة حوالي خمس سنوات من الاستنبات. وبعد كل عملية تهجين، يجب على المربين أن يزرعوا السلالة لمدة عام تقريبًا، ثم أن يُجروا عملية تقييم جودة للجذور، وهو ما يتطلب منهم حصاد النباتات التجريبية، ونقعها، وتقطيعها إلى مكعبات، ثم تجفيفها، قبل وزن النشا المتبقي. وحتى مع ذلك، يمكن أن تخفق زراعة النباتات مرتفعة الغلة (الإنتاجية) عند تعرضها لظروف بيئية قاسية.

كبر الصورة

Source: United Nations Food and Agriculture Organization

إنّ هذه العملية تُهْدِر الأرض، وقوة العمل، والمال. وعلى الرغم من أن نبات الكاسافا هو أحد أكبر مصادر الكربوهيدرات لسكان أفريقيا، فإن نباتات الذرة، والقمح، والأرز تتفوق عليه بشكل كبير من حيث المبيعات العالمية، ومِنح البحوث. ويهدف مشروع تربية الجيل التالي من الكاسافا إلى تسريع عملية إنتاج أصناف أقدر على الاحتمال من نبات الكاسافا، فضلًا عن تحسين إنتاجية هذا النبات، من خلال استخدام التسلسل الجيني لتحديد الهجائن الأفضل. كما يعمل الباحثون في المشروع على تحفيز الاستثمار السوقي في النبات. ويتحقق جزء من هذا من خلال المناقشات مع رواد الأعمال الراغبين في شراء ومعالجة جذور الكاسافا التي يزرعها صغار المزارعين.

وترى روس جليدو - وهي عالِمة نبات في جامعة موناش في ملبورن بأستراليا - أن هذه الجهود تأخرت كثيرًا. وتقول: "إنه لمن الرائع أن يحظى نبات الكاسافا أخيرًا بالتقدير"، وتضيف قائلة: "يجب علينا توظيفه في القرن العشرين.

إن أصناف الكاسافا الثمانية، التي تنمو في الرقع الزراعية التجريبية، هي نتاج الجولة الأولى من استنبات الكاسافا عن طريق فريق المعهد الدولي للزراعة الاستوائية. وقد حلل الباحثون الحمض النووي لحوالي 2500 شتلة من الشتلات التي استُنبتت في عام 2013، وحددوا الأنواع الواعدة على أساس التسلسل الجيني الذي وجدوه مرتبطًا بسمات معينة.

ويقول رابي إن البيانات التي جرى تحليلها في أكتوبر عام 2018 تُظهِر أن الشتلات الحاملة للبصمة الوراثية المرتبطة بتركيزات عالية من الـ«بيتا-كاروتين» β-carotene - وهو أحد سلائف فيتامين أ، يقل وجوده بشدة في العديد من أنظمة الأفريقيين الغذائية - لديها فرصة بنسبة 83% لضخ المغذيات بالمستوى المتوقع، وتبين أن الأصناف ذات الواسمات الجينية الدالة على المقاوِمة لمرض فسيفساء الكاسافا تظهر مقاومة في حوالي 60% من الحالات. في ذلك، يقول رابي: "الانتقاء الجيني ليس علاجًا شاملًا"، ويتابع بقوله: "لكنّ الاختبارات على الرقع الزراعية مكلفة للغاية، لحد أن هذا العلاج يساعد على الأقل في تحجيم تكاليفها".

يَستخدِم المربون في جميع أنحاء العالم بالفعل بيانات الفريق النيجيري، للتحقق من مقاومة نباتاتهم لمرض الفسيفساء. فالفيروسات الكامنة وراء هذه الآفة، التي تنتشر عن طريق الذباب الأبيض، تُوقِف نمو الجذور. وقد اجتاحت هذه الفيروسات أفريقيا من قبل بالفعل؛ مما تَسَبَّب في مجاعات في عشرينيات وتسعينيات القرن العشرين. وفي عام 2015، ظهرت سلالة قوية من الفيروسات في كمبوديا.

ويأمل المزارعون في تايلاند، وأمريكا الجنوبية، وجُزُر المحيط الهادئ - حيث تكون الكاسافا مُعَرّضة بشدة للفيروسات المسبِّبة لمرض الفسيفساء - أن يخلطوا الأليلات المقاوِمة من أفريقيا في محاصيلهم، من خلال الاستنبات التقليدي. وقد أُجرِيت عملية تهجين بين نبات كولومبي، ونوع آخر نيجيري، أمكن توجيهها باستخدام الواسمات الوراثية التي حددها الباحثون في مشروع تربية الجيل التالي من الكاسافا. وينمو هذا النبات المهجن حاليًّا في رقع زراعية تجريبية بالقرب من المعهد الدولي للزراعة الاستوائية.

حلول الزراعة

في عام 2020 ، سوف يختار العلماء أنواعًا من أفضل ثمانية لديهم، وسوف يوزعونها عبر نيجيريا. كما أنهم يتواصلون حاليًا مع زملائهم في تايلاند، ولاوس، والبرازيل، وأوغندا، وتنزانيا حول شحن أصناف لهذه البلدان. كما يحاول الفريق إيجاد طرق لمعالجة القضايا التي تمنع المزارعين من تبَنِّي منتجات جديدة.

عندما يُسأل المزارعون النيجيريون عن سبب عدم زرعهم المزيد من أصناف الكاسافا، فإنهم غالبًا ما يردون بأنهم لا يملكون ما يكفي من النبات للقيام بذلك. إذ ينتشر نبات الكاسافا عن طريق زرع قطع من سيقان نبات مكتمل النمو، بدلًا من البذور. وتنبت كل قطعة نسخة من أصلها، وهكذا يمكن أن تمر سنوات قبل أن يمتلئ حقل بالصنف نفسه. وتتحلل الركيزة الوراثية للصنف، بمرور الوقت، عندما يُزرع نبات الكاسافا بهذه الطريقة، لأن النسخ تطرأ عليها طفراتٍ؛ يمكن أن تؤدي لاحقًا إلى «انهيار طفري»، (P. Ramu et al. Nature Genet 49, 959–963; 2017).

في عام 2016، طوّرت عالمة وراثة المعهد الدولي للزراعة الاستوائية ميرسي ديبيرو- أوجو وزملاؤها حلًا للمشكلة؛ هو أول نظام قائم على الزراعة فوق الماء لاستنبات الكاسافا. ففي مختبر ديبيرو - أوجو، تنمو براعم كاسافا ضئيلة تحت أضواء الفلورسنت في صناديق بلاستيكية شفافة مملوءة بالتربة المشبعة بالماء. وكل أسبوعين، يقطّع أعضاءُ الفريق الشتلات عند العُقد التي تتفرع منها، ثم يعيد زرع الشتلات المقتطَعة هذه. وخلال شهرين، يمكنهم إنتاج 100 نبات من نبتة واحدة.

تقول ديبيرو أوجو - وهي تحمل صندوقًا من الشتلات التي تُزرع باستخدام هذه الطريقة - إن بعض المزارعين الذين تعرفهم أخبروها أنهم على استعداد لدفع ثمن هذه النباتات الممتازة. وهي تأمل أن يؤدي هذا إلى تعزيز نمو الشركات التي تبيع منتجات الكاسافا عالية الجودة للمزارعين، بحيث لا يجري استنساخ النباتات نفسها لأجيال عديدة. في ذلك، تقول: "عندما ينتهي هذا المشروع، أريد أن يستمر هذا النهج".

وإذا فشلت أصناف جديدة في الازدهار، فإن الفيروسات سوف تغزوها في نهاية المطاف. ويقول إيجيسي، وهو يتأمل حقل الكاسافا الخاص به: "أنا متحمس حقًّا لخلو هذه النبتات جميعًا من أي علامات مرض". ويضيف: "في اللحظة التي توافق عليها الحكومة، يجب أن نُوردها للناس".